حاوره:طارق الأسلمي / لا ميديا -
من قلب الأرخبيل الهادئ في جزر القمر، انطلق صوت لم يكن يدرك صاحبه أنه سيصبح يوماً ما بوصلة للقيم في الإعلام الرياضي العربي.
حسام الدين أحمد، اسم لم يمر عبر الشاشات مرور الكرام، بل استقر في وجدان الجماهير من المحيط إلى الخليج، منذ تلك اللحظة التي أطل فيها بعفويته المعهودة عبر برنامج "المجلس" في بطولة كأس العرب الأخيرة، إذ حاز حضوره الهادئ وتفاعله العفوي تقديراً واسعاً، مستنداً إلى خطاب إعلامي اتسم بالأخلاق والصدق والبساطة.
"لا الرياضي" تواصل مع الإعلامي الرياضي القمري حسام الدين وأجرى معه هذا الحوار.
 حسام الدين، من جزر القمر إلى استوديوهات "بي إن سبورت"... ما هي اللحظة الفارقة التي شعرت فيها أن صوتك تجاوز حدود الأرخبيل ليصل إلى كل بيت عربي؟
- كانت لحظة التحول الحقيقية عندما بدأت أتلقى ردود فعل مشاهدين من مختلف أنحاء العالم العربي. حينها أدركت أن صوتي لم يعد يمثل جزر القمر فقط، بل أصبح يصل إلى جمهور أوسع بكثير. شكراً لكل المشاهدين.
 هل شعرت أنك أصبحت سفيراً فوق العادة للكرة القمرية أكثر من كونك مجرد صحفي؟ أم أن المسؤولية المهنية زادت ثقلاً على عاتقك؟
- نعم، دون شك، شعرت أنني أصبحت أحمل صورة بلد وصورة جيل كامل، وصورة العرب جميعاً. الفخر كبير؛ لكن المسؤولية أكبر.
 منذ ظهورك في برنامج "المجلس"، أصبحت حديث الجماهير العربية بعفويتك وأخلاقك. كيف تفسر هذا الحب الكبير من الناس؟
- أعتقد أن محبة الجمهور تنبع قبل كل شيء من الصراحة. لم أحاول يوماً أن أخدع أو أؤدي دوراً مصطنعاً، بل بقيت وفيّاً لنفسي، لقيمي، لاحترامي للآخرين، ولشغفي بالرياضة. الجمهور العربي حساس جداً تجاه الأصالة، وأؤمن أن هذا القرب الإنساني هو ما صنع رابط الثقة والمحبة بيننا.
 هل كنت تتوقع أن تكون لك هذه المساحة القلبية في وجدان المشاهد العربي؟
- بصراحة، لم أكن أتوقع ذلك. لكنني اكتشفت أن القيم الإنسانية عالمية؛ فالاحترام، والتواضع، والشغف بالرياضة، تتجاوز كل الحدود، وهذا ما جعل هذه التجربة أكثر جمالاً وثراءً.
 ما أكثر موقف إنساني أو تفاعل من الجماهير لمست فيه صدق محبة الناس وتأثرت به شخصياً؟
- أكثر ما أثر فيّ هو التواصل المباشر مع مشجعين قدموا من دول مختلفة، وحرصهم على إخباري بأن مداخلاتي تشبههم وتعبر عنهم. كما أن تلقي رسائل من صحفيين شباب أو من عائلات يعبرون فيها عن فخرهم برؤيتي حاضراً على منصة إعلامية بهذا الحجم، كان أمراً قوياً ومؤثراً في نفسي بعمق.
 ما هو أكثر شيء يخشاه حسام الدين من أضواء الشهرة التي سُلطت عليه مؤخراً؟
- أكثر ما افتقدته هو البعد الجغرافي عن الشعوب العربية، التي لطالما دعمتني وأحاطتني بالمحبة خلال بطولة كأس العرب وأمم أفريقيا.
 ما هو المكان الذي تهرب إليه عندما تريد أن تكون مجرد إنسان لا إعلامياً مشهوراً؟
- في البساطة، والتواضع، وقراءة القرآن.
 مؤخراً تواجدت في "بي إن سبورت" كمحلل ببطولة أمم أفريقيا. كيف تقيم مستوى البطولة؟ ولماذا فشلت المنتخبات العربية في بلوغ منصة التتويج؟
- بطولة كأس أمم أفريقيا كانت قوية جداً، من التنظيم ومن الناحيتين البدنية والتكتيكية. المنتخبات العربية عانت أحياناً من نقص في الاستقرار الذهني، وسوء إدارة التفاصيل في اللحظات الحاسمة. لكن هذا لا يعني أنها فشلت، بل على العكس، كانت حاضرة بقوة رغم خسارة اللقب.
 التطور اللافت للمنتخب القمري أثار الانتباه، هل السر يكمن فقط في المحترفين في أوروبا؟ أم أن هناك عقلية إدارية جديدة بدأت تتبلور في موروني؟
- اللاعبون المحترفون مهمون؛ لكن التغيير الحقيقي يأتي من حُسن التسيير والإدارة. هناك رؤية أكثر حداثة واحترافية بدأت تفرض نفسها، وهذا أمر أساسي للمستقبل.
 ما الذي ينقص الدوري في جزر القمر ليكون رافداً حقيقياً للمنتخب بدلاً من الاعتماد الكلي على المحترفين في الخارج؟
- ما ينقصه بالأساس هو البنية التحتية، ومراكز تكوين الشباب، والرعاة لضمان التمويل، إضافة إلى رؤية طويلة المدى. بدون ذلك، لا يمكن للبطولة المحلية أن تغذي المنتخب الوطني بشكل مستدام.
 بصراحتك المعهودة، ما هو السقف الذي لا تستطيع الكرة في جزر القمر تجاوزه حالياً؟
- سقف التطور مرتبط بشكل واضح بالبنية التحتية والموارد المالية. من دون استثمارات كبيرة، من الصعب منافسة كبريات المنتخبات الأفريقية بانتظام.
 واجهتم المنتخب اليمني في الدوحة ضمن الملحق المؤهل لكأس العرب 2025، وكانت مباراة مثيرة. ما هي الميزة الفنية التي أدهشتك في اللاعب اليمني رغم الظروف القاسية التي تمر بها الرياضة اليمنية؟
- اللاعب اليمني يتميز بالروح القتالية والذكاء التكتيكي. رغم الظروف الصعبة، يلعب بانضباط وشجاعة كبيرة. لقد استحقوا الفوز؛ لكن القدر اختار جزر القمر. المستوى مبشّر. هناك لاعبون موهوبون قادرون على التطور بسرعة إذا توفر لهم محيط أكثر استقراراً وتنافسية.
بعيداً عن المستطيل الأخضر، ما هي الصورة الذهنية التي يحملها حسام الدين عن اليمن؟ وهل ترغب بزيارة هذا البلد؟
- اليمن بالنسبة لي بلد الكرامة، والثقافة، والصمود. أتمنى كثيراً زيارته واكتشاف ثرائه الإنساني. هناك روابط تاريخية وعائلية بين اليمن وجزر القمر؛ إذ تشير كتب تاريخ جزر القمر إلى أن اليمنيين كانوا من بين الشعوب العربية التي ساهمت في تكوين المجتمع القمري.
 ما الذي يعرفه حسام الدين عن الثقافة اليمنية؟ وهل تجد في ملامح المجتمع القمري أصداءً من التاريخ اليمني؟
- أعرف إرثه الثقافي وارتباطه العميق بالتقاليد. هناك تشابه حقيقي مع المجتمع القمري، خاصة في القيم والهوية والدين واللباس.
 كيف ترى دور الإعلام الرياضي اليوم في بناء الجسور بين الشعوب عبر الرياضة؟ وهل تعتبر نفسك نموذجاً لذلك؟
- دور الصحفي الرياضي اليوم أصبح أوسع بكثير من مجرد التعليق على مباراة؛ فهو سفير للقيم، وجسر للتواصل بين الشعوب والثقافات. الرياضة لغة عالمية. ومسؤوليتنا أن نستخدمها للتقريب بين الناس، وتهدئة التوترات، ونشر الروح الرياضية. وأنا، من موقعي المتواضع، أحاول أن أكون وفيّاً لهذه الرؤية، وهو ما أعمل عليه في جزر القمر.
 كيف يمكن للإعلام الرياضي في بلداننا العربية أن يساهم في تطوير اللعبة؟
- من خلال التحلي بالمسؤولية، والطرح البنّاء، والدور التربوي. يجب على الإعلام مرافقة المشاريع الجادة، وتشجيع التكوين بدل الإثارة، ولعب دور أساسي في تعزيز الوحدة بين شعوبنا، وخاصة في دفع العرب لدعم ممثليهم في المنافسات الدولية.