ترامب يعود من بكين بـ«خُفّي حُنين».. الصين ترفض إنقاذ أمريكا من مأزق إيران وتلوّح بورقة تايوان
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
عادل بشر / لا ميديا -
في مشهد بدا أقرب إلى استعراض بروتوكولي منه إلى قمة بين قوتين عظميين، غادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس، العاصمة الصينية بكين، حاملاً معه الكثير من الصور التذكارية والوعود الفضفاضة، لكن من دون أي اختراق سياسي أو استراتيجي حقيقي. وهكذا، عاد ترامب إلى واشنطن "بخُفّي حُنين"، بعدما أخفق في انتزاع أي تنازل صيني بشأن الحرب على إيران، أو ملف تايوان، أو حتى سباق الذكاء الاصطناعي المتصاعد بين البلدين.
الصحافة الغربية نفسها لم تستطع إخفاء هذا الفشل. صحيفة "الغارديان" البريطانية وصفت القمة بأنها "غنية بالاستعراضات والوعود بالاستقرار، لكنها لم تقدم سوى القليل من التقدم الملموس"، بينما أكدت قناة "دويتشه فيله DW" الألمانية أن زيارة ترامب كشفت "حدود قدرته" في التعامل مع الصين، خصوصاً في ما يتعلق بإيران وتايوان.
دخل ترامب إلى بكين وهو مثقل بأزمة الحرب مع إيران، تلك الحرب التي كان يعتقد أنها ستتحول إلى استعراض قوة أمريكي سريع، لكنها تحولت إلى مأزق استراتيجي يضغط على واشنطن سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. وكانت الإدارة الأمريكية تأمل أن تستخدم الصين نفوذها لدى طهران للضغط من أجل إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء حالة الاستنزاف التي تعيشها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة. غير أن بكين تعاملت مع هذا الطلب ببرود واضح، وكأنها تقول للأمريكيين: هذه حربكم وليست حربنا.
صحيفة "الغارديان" البريطانية، قالت إن "ترامب دخل محادثات اليومين مع الرئيس الصيني شي جين بينغ وهو ضعيف بسبب حربه المطولة في إيران، ولم يفعل الكثير لتغيير الانطباع بأنه وبلاده قد تراجعا على الساحة العالمية.
وفقاً للصحيفة، لم يكن المشهد بحاجة إلى كثير من التحليل لفهم من كان الطرف الأقوى على طاولة القمة. فبينما حاول ترامب الظهور بمظهر "صانع الصفقات"، كان الرئيس الصيني شي جين بينغ هو من أمسك بزمام الخطاب السياسي، موجهاً تحذيرات مباشرة لواشنطن بشأن جزيرة تايوان، من دون أن يجرؤ ترامب على الرد الحاسم أو حتى إظهار موقف متماسك.
شي جين بينغ، تجاهل تماماً الإشارة إلى الحرب على إيران أو حتى مضيق هرمز، خلال تصريحه للصحفيين وترامب يقف إلى جواره. وقال الرئيس الصيني بوضوح إن قضية تايوان هي "أهم قضية في العلاقات الصينية الأمريكية"، وإن سوء التعامل معها قد يقود إلى "صدامات بل وحتى صراعات" بين البلدين. أما ترامب، فاكتفى بتصريحات باهتة قال فيها إن "لا شيء تغير" في سياسة واشنطن تجاه الجزيرة، مع اعترافه في الوقت نفسه بأنه لم يقرر بعد ما إذا كان سيمضي في صفقة الأسلحة الضخمة لتايوان، والتي تقدر قيمتها بـ14 مليار دولار.
هذا التردد الأمريكي بدا، بحسب مراقبين غربيين، دليلاً إضافياً على أن واشنطن دخلت مرحلة الدفاع لا الهجوم. فالصين تدرك أن الولايات المتحدة غارقة في الشرق الأوسط، وأن إدارة ترامب ليست في وضع يسمح لها بفتح جبهة توتر كبرى جديدة في شرق آسيا. لذلك استغلت بكين اللحظة بأقصى قدر من البراغماتية والصلابة.
ووفقاً لتقرير DW، فإن شي جين بينغ "كان يحاول استغلال نقاط ضعف ترامب الواضحة"، فيما رأى مسؤولون أمريكيون سابقون أن بكين دفعت بقوة في ملف تايوان لأنها تعرف أن الرئيس الأمريكي بات يبحث عن أي مخرج من أزمته الإيرانية، حتى لو كان ذلك على حساب التراجع في ملفات أخرى.
الأكثر إحراجاً لترامب أن الصين لم تقدم له حتى الغطاء السياسي الذي كان يحتاجه ليعود إلى الداخل الأمريكي باعتباره حقق "إنجازاً دبلوماسياً". فخلال تصريحاته الأخيرة في بكين، أمس، بحسب "الغارديان" زعم ترامب أن الولايات المتحدة والصين أبرمتا "اتفاقيات تجارية رائعة"، لكن الجانب الصيني لم يؤكد معظم ما قاله، بما في ذلك مزاعمه بشأن صفقات شراء النفط والطائرات وفول الصويا.
وأضافت الصحيفة البريطانية مؤكدة بأن "القمة التي تم تنسيقها بعناية -والتي حضرها مسؤولون تنفيذيون في مجال التكنولوجيا من بينهم إيلون ماسك من شركة تسلا وتيم كوك من شركة أبل، بالإضافة إلى إريك نجل ترامب- كانت استعراضية أكثر منها جوهرية، حيث لم تحقق أي اختراق كبير بشأن إيران أو تايوان أو سباق التسلح في مجال الذكاء الاصطناعي بين البلدين".
بل إن المشهد تحول أحياناً إلى مادة للسخرية، حين غادر ترامب بكين لينشر على منصته "تروث سوشال" تعليقاً عن قاعات الرقص، قائلاً إن الصين لديها قاعة رقص ويجب أن تمتلك أمريكا واحدة أيضاً، في وقت كانت فيه وسائل الإعلام العالمية تتحدث عن فشله في تحقيق أي اختراق سياسي حقيقي.
وأوضحت "الغارديان" أن "ترامب سيعود إلى واشنطن ليجد أن الحرب في إيران لا تزال تشكل معضلة سياسية كبيرة".
في السياق ذهب تقرير قناة dw الألمانية، أبعد من ذلك، حيث أكد بأن "ترامب يأمل في أن تساعده الصين في إنهاء الحرب في إيران، لكن هذا الهدف بدا بعيد المنال مع اختتام زيارته التي استمرت يومين إلى بكين".
ووفق القراءة الألمانية، فإن القمة الأمريكية -الصينية، كشفت تحولاً أكبر في ميزان القوى العالمي. فالصين التي كانت تُصور لعقود باعتبارها الطرف الذي يتلقى الضغوط الأمريكية، ظهرت هذه المرة في موقع الند الذي يفرض شروطه ويتعامل بثقة مع القوة الأمريكية المتراجعة.
أساتذة وخبراء صينيون تحدثوا صراحة عن "نقطة توازن جديدة" بين البلدين، مؤكدين أن عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة يقترب من نهايته. أما في واشنطن، فقد بدا واضحاً أن الإدارة الأمريكية تدرك هذا التحول، لكنها عاجزة عن تغييره، خاصة مع الإنهاك الذي تسبب به عدوانها على إيران والتوترات الدولية المتعددة.
وفيما كان ترامب يتجول في معابد بكين وحدائقها الفاخرة، كانت الأزمة الحقيقية تتفاقم بعيداً عن عدسات الكاميرات. فمضيق هرمز ما يزال تحت الضغط، وأسواق الطاقة العالمية تعيش قلقاً متصاعداً، والولايات المتحدة لم تحصل من الصين إلا على عبارات دبلوماسية عامة حول ضرورة إبقاء الممرات البحرية مفتوحة.
وهكذا، انتهت زيارة ترامب الأولى إلى الصين منذ 2017م كما بدأت، ضجيج إعلامي كثيف، وصور احتفالية، وابتسامات بروتوكولية، لكن من دون نتائج حقيقية. لا انفراج في الملف الإيراني، ولا حسم في ملف تايوان، ولا اتفاق واضحا بشأن الذكاء الاصطناعي أو التجارة أو الأمن الدولي.
عاد ترامب إلى واشنطن محملاً بالهواجس أكثر من الإنجازات. وبينما حاول البيت الأبيض تسويق القمة باعتبارها نجاحاً دبلوماسياً، كانت الصحافة الغربية نفسها تقول شيئاً مختلفاً تماماً: "الرئيس الأمريكي ذهب إلى بكين بحثاً عن اختراق، فعاد منها بخُفّي حُنين".










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا