تحولات العلاقة الأمنية الخليجية - الأمريكية بعد الحرب على إيران
- منذر المقطري الأثنين , 27 أبـريـل , 2026 الساعة 1:09:30 AM
- 0 تعليقات

منذر المقطري / لا ميديا -
السياق العام للتحول
تدفع الحرب الأمريكية -«الإسرائيلية» على إيران باتجاه إعادة تشكيل عميقة لبنية النظام الأمني الخليجي، حيث لم تعد العلاقة التقليدية القائمة على «الطاقة مقابل الأمن» قادرة على تفسير السلوك الخليجي الراهن أو ضمان استمراريته.
تكشف الضربات التي طالت البنية التحتية النفطية والمواقع المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في الخليج عن تحوّل نوعي في طبيعة التهديدات، إذ انتقل الصراع من مستوى الردع التقليدي إلى مستوى استهداف البنى الاقتصادية الحيوية، بما في ذلك خطوط الإمداد والممرات البحرية.
تُظهر التطورات الميدانية، خصوصاً قدرة إيران على تهديد أو تعطيل مضيق هرمز، أن أمن الطاقة العالمي لم يعد مضموناً حتى في ظل الحضور العسكري الأمريكي المكثف، حيث يمر نحو خُمس النفط العالمي عبر هذا الممر الحيوي، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير عالمي مباشر.
وتشير تقديرات إعلامية إلى أن استهداف المنشآت النفطية في السعودية والإمارات وقطر خلال الحرب أدى إلى اضطراب الإنتاج والتصدير، ما كشف هشاشة البنية الأمنية التقليدية في المنطقة.
في هذا السياق، لم تعد المشكلة في غياب الحماية الأمريكية بقدر ما تكمن في محدودية قدرتها على توفير أمن شامل في بيئة صراع تتسم بالتعقيد والتداخل بين العسكري والاقتصادي.
الحرب وحدود التحالف
تكشف الحرب عن مفارقة بنيوية في العلاقة الخليجية -الأمريكية، حيث يتقاطع التزام واشنطن بأمن الخليج مع التزامها بأمن الكيان الصهيوني، ما يخلق لحظات تناقض في الأولويات عند التصعيد. تشير تحليلات حديثة إلى أن هذه الحرب أبرزت هذا التناقض بشكل واضح، إذ ظهرت فجوة بين ما تتوقعه دول الخليج من حماية وما توفره الولايات المتحدة فعلياً في لحظات الخطر(1).
كما تؤكد دراسات صادرة عن مراكز بحثية أن وجود قواعد أمريكية كبيرة أو اتفاقيات مثل «اتفاقات أبراهام» لم يكن كافياً لمنع تعرض دول الخليج للهجمات، ما يعزز إدراكاً متزايداً بحدود فعالية هذه الترتيبات الأمنية في مواجهة التهديدات غير التقليدية(2).
في المقابل، لا توفر القوى الدولية البديلة، مثل الصين وروسيا، ضمانات أمنية مكافئة، إذ تتبنى هذه القوى مواقف حذرة أو محايدة في الصراعات المباشرة، ما يجعل الاعتماد عليها كبديل أمني مباشر خياراً محدوداً، ويعزز استمرار الحاجة إلى المظلة الأمريكية رغم تراجع الثقة بها(3).
السعودية والعلاقة مع واشنطن
تمثل السعودية المحور المركزي في إعادة تشكيل العلاقة الخليجية -الأمريكية، حيث تتبنى مقاربة استراتيجية أكثر تعقيداً تقوم على إدارة التحالف بدلاً من الارتهان له، تعود جذور هذا التحول إلى أحداث سابقة، أبرزها استهداف القوات المسلحة اليمنية منشآت «أرامكو» عام 2019م رداًعلى العدوان السعودي، والتي كشفت مبكراً حدود منظومة الردع، وأدت إلى مطالب سعودية بضمانات أمنية أكثر صلابة.
غير أن الحرب الأخيرة على إيران عمّقت هذا الإدراك، ودفعت الرياض نحو بلورة استراتيجية تقوم على ثلاثة محاور:
1. إعادة التفاوض مع الولايات المتحدة: تسعى السعودية إلى تعزيز مصداقية الالتزام الأمريكي عبر الدفع نحو ترتيبات أمنية أكثر وضوحاً وصرامة، بما في ذلك المطالبة بضمانات دفاعية محددة، بهدف تقليص هامش الضبابية في سلوك واشنطن خلال الأزمات، ورفع مستوى وضوح واتساق استجابتها عند التعرض لتهديدات مباشرة.
2. تنويع الشراكات الدولية: تتجه الرياض نحو تعزيز علاقاتها مع كل من الصين وروسيا، ليس بوصفهما بديلاً كاملاً عن الولايات المتحدة، بل كأداة لتعزيز هامش المناورة الاستراتيجية وإعادة توازن العلاقة مع واشنطن. ويبرز الاتفاق السعودي -الإيراني برعاية صينية عام 2023م كمؤشر يدل على هذا التحول، إذ يعكس دخول بكين كفاعل سياسي مؤثر في معادلات الأمن الإقليمي.
3. تعزيز القدرات الذاتية: تعمل السعودية على الدفع باتجاه تطوير صناعاتها العسكرية وتسريع وتيرة توطين التكنولوجيا الدفاعية، بما يشمل إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنظومات العسكرية، بهدف تقليص الاعتماد طويل المدى على الموّرد الخارجي، وتعزيز القدرة على الاستجابة المستقلة للتهديدات.
تعكس هذه المحاور انتقال السعودية من نموذج «الاعتماد الأمني» إلى نموذج «الموازنة الاستراتيجية»، حيث تحافظ على التحالف مع واشنطن، لكنها تعمل في الوقت ذاته على تقليص كلفته.
تباين الاستجابات الخليجية
لا تتحرك دول الخليج ضمن استراتيجية موحدة، بل تعكس مواقفها تبايناً واضحاً في تقدير التهديدات وأدوات التعامل معها:
عُمان وقطر تميلان إلى مقاربة تقوم على الحياد النسبي والوساطة، بهدف تقليل احتمالات الانخراط المباشر في الصراع. فيما الإمارات تتجه نحو تعميق التعاون العسكري والتقني مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على انفتاح اقتصادي واسع على الصين وشركاء آخرين. بينما السعودية تعتمد مقاربة مركبة تجمع بين التحالف والتوازن وبناء القدرات الذاتية.
يُوضح هذا التباين تحول الخليج من «كتلة أمنـــــية متماسكة» إلى فضاء استراتيجي متعدد المسارات، تحكمه الحسابات الوطنية أكثر من التنسيق الجماعي.
حدود الاستقلال
على الرغم من مؤشرات التحول، تظل خيارات دول الخليج محكومة بقيود بنيوية تحد من قدرتها على تحقيق استقلال استراتيجي كامل، اذ يرتبط الاقتصاد الخليجي بشكل وثيق بالنظام المالي العالمي القائم على الدولار والأسواق الغربية، ما يجعل أي محاولة للانفكاك عن المنظومة الأمريكية خياراً مكلفاً ومعقداً، في الوقت الذي تعتمد فيه الجيوش الخليجية بصورة كبيرة على الأنظمة العسكرية والتكنولوجية الغربية، وهو ما يحوّل أي انتقال نحو مصادر بديلة إلى عملية طويلة ومركّبة تقنياً ومؤسسياً، كما تستمر بنية الاقتصاد الريعي القائمة على عائدات الطاقة في ربط أمن هذه الدول باستقرار الأسواق العالمية التي تتداخل فيها المصالح الأمريكية بشكل مباشر، الأمر الذي يقيّد إمكانات التحول نحو استقلال استراتيجي كامل، وفي هذا الإطار، لا يعني تنويع الشركاء الخروج من التبعية، بل إعادة توزيعها بين قوى متعددة.
التحولات الجيوسياسية الأوسع
تدفع الحرب نحو إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي والدولي، حيث تتحول منطقة الخليج إلى ساحة تنافس بين قوى متعددة، وليس فقط مجال نفوذ أمريكي حصري. تشير تحليلات حديثة إلى أن الصين تسعى إلى تعزيز حضورها كفاعل دبلوماسي واقتصادي في المنطقة، مع الحفاظ على سياسة عدم الانخراط العسكري المباشر، وهو ما يمنحها قدرة على لعب دور الوسيط دون تحمل كلفة الأمن(4).
كما تظهر مؤشرات على صعود أدوار لقوى أخرى مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية في مجالات الطاقة والتكنولوجيا، ما يعزز الطابع التعددي للنظام الإقليمي ويحد من احتكار قوة واحدة لمعادلات التأثير(5).
في المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحدياً في الحفاظ على موقعها كضامن أمني رئيسي، في ظل تزايد كلفة التدخلات العسكرية وتراجع قدرتها على فرض استقرار طويل الأمد، وهو ما يفتح المجال أمام أنماط جديدة من تقاسم النفوذ داخل الإقليم.
الاتجاهات المستقبلية للعلاقة
تشير المعطيات الحالية إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية تحكم مسار العلاقة الخليجية -الأمريكية، يتمثل الأول في إعادة تثبيت التحالف الأمريكي عبر تقديم ضمانات أمنية أكثر وضوحاً، بما يسهم في تعزيز مستوى الثقة الخليجية بقدرة واشنطن على الاستجابة عند الأزمات، بينما يتمثل الاتجاه الثاني في ترسيخ نمط الموازنة متعددة الشركاء من خلال استمرار تنويع العلاقات الدولية دون التخلي عن الولايات المتحدة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، في حين يتجه المسار الثالث نحو تحقيق استقلال نسبي متدرج عبر تعزيز القدرات الذاتية وتقليص الاعتماد الخارجي بشكل تدريجي دون الوصول إلى استقلال استراتيجي كامل، وتدعم المؤشرات الاقتصادية هذا المسار العام، إذ تفاعلت الأسواق الخليجية بصورة مباشرة مع تطورات الحرب، ما يعكس استمرار ارتباطها العميق ببنية النظام الاقتصادي العالمي.
تقدير الموقف العام
تدفع الحرب على إيران العلاقة الخليجية -الأمريكية نحو مرحلة إعادة تموضع داخل البنية القائمة، حيث لم تعد دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، تقبل نموذج الاعتماد الأمني الأحادي، لكنها في الوقت ذاته لا تمتلك شروط الانفكاك الكامل عن المنظومة الأمريكية، ما يدفعها إلى تبني استراتيجية موازنة متعددة الشركاء تجمع بين تعميق التحالف مع واشنطن والانفتاح على الصين وروسيا وبناء القدرات الذاتية، في ظل بيئة إقليمية تتسم بتصاعد المخاطر على البنية التحتية للطاقة والممرات البحرية، وتزايد التنافس الدولي على المنطقة، الأمر الذي يرجّح استمرار النفوذ الأمريكي بصيغ أكثر مرونة، مقابل اتساع هامش المناورة الخليجي دون تحوله إلى استقلال استراتيجي كامل.
هوامش:
(1) مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، «استراتيجية الخليج بعد الحرب وتحالفاته الأمنية»، الدوحة،
(2) مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، «استراتيجية الخليج بعد الحرب وتحالفاته الأمنية»، الدوحة، 2026
(3) معهد نيو لاينز للاستراتيجية والسياسة، «تداعيات الحرب على إيران على العلاقات الأمريكية -السعودية»، واشنطن، 2026
(4) واشنطن بوست، «الصين والولايات المتحدة وإيران: صراع النفوذ وأمن الطاقة في الخليج»، 10 أبريل 2026
(5) مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، «استراتيجية الخليج بعد الحرب وتحالفاته الأمنية»، الدوحة، 2026






.jpg)



المصدر منذر المقطري
زيارة جميع مقالات: منذر المقطري