عبدالفتاح حيدرة

عبدالفتاح حيدرة / لا ميديا -
الوعي لا يمكن أن يكون وعياً مجتمعياً وشعبياً وبشكل جماعي إلا إذا استسقاه الناس ولمسوه من تصرف وممارسة ومعاملة النُخب النموذجية الحاكمة لهم، التي ترسخ الوعي في ذهنية وضمير وعقل المجتمع والشعب، بمعايير وموازين التقوى والإيمان والعمل والاهتمام والنشاط واحتواء وتأهيل وتدريب وتطوير قيادات مختلف فئات وشرائح المجتمع الواعية، واستخدامها هي لتنوير مجتمعاتها بتصرفاتهم وممارساتهم ومعاملاتهم الراقية، كلّ بأسلوبه وقدراته وإمكاناته. حينها سوف يصبح لديك نموذج يدفع بالمجتمع كله للمسارعة وبشكل جماعي لامتلاك ذلك الوعي.
وعندما يكون لديك وعي مجتمعي وشعبي جماعي لا يمكن لأي قوة في الدنيا أن تفكك نسيجك الاجتماعي أو تخترقه أو تعبث بعقول مغفليه. أما إذا تعالت النُّخب المقصرة وقررت احتواء فئات مجتمعية دون غيرها، فهذا هو التقصير بعينه واسمه ورسمه، والتقصير الناتج عن تعالي النخب دلالة على خياناتها، لتجهيل المجتمع وتفكيك نسيجه ووحدته الاجتماعية وتناحره وتباغضه، واستحسان الفشل.
إن المقصرين هم من يزرعون الاعتقاد الوهمي عند الناس اليوم أن المطبعين مع "إسرائيل" في قمة تاريخهم ومجدهم. التقصير يجعل المجتمعات خالية من القيم ولا تمتلك مشروعا، ولا تؤمن بموجهات القيادة، والمقصر النخبوي اليوم وفي هذه المرحلة أشبه بالجرح السرطاني، إن تركته يتوغل وينتشر، وإن تعاملت معه بسكين جزار تسارع انتشاره وازدادت شراسته وخطورته. فالتقصير عامل من عوامل توسع وانتشار التطرف في الصراع المجتمعي. وكلما رأيت تقصيرا سوف ترى تطرفا وصراعا مجتمعيا، سواء كان يمينيا أو يساريا. حينها اعرف أنك لا تقف أمام أفكار نخبة واعية، بل تقف أمام نخبة مقصرة، تمارس صراع الثيران لا أكثر ولا أقل. وهذا لن يؤدي لشيء سوى مزيد من تكسير عظام مشروع القيادة الواعية، وتكبيل أطراف قيم المجتمع. ولن يخطو معك أحد للأمام خطوة واحدة، بل يصبح توجه المجتمع نحو استحسان طريقة الخونة والعملاء والمرتزقة ومحاولة تجربتها، بغية الثراء السريع.
الوعي المجتمعي والشعبي الحقيقي لا يعرف إلا بذل الجهد من أجل العزة والكرامة والسيادة والاستقلال والتحرر بشكل كلي وجماعي. يعرف أن احتمالية الخطأ قائمة؛ ولكن تصحيح الخطأ ضرورة وواجب. يعرف أن التورط والتأثر بالتطبيع والمطبعين خيانة وعمالة وخزي وعار وذل في الدنيا والآخرة. يدرك أن التقصير والمقصرين لا يستنزفون غير أطرافهم لا أكثر ولا أقل، ويعملون على تجهيل مجتمعهم، مما يعني غياب العلم والمعرفة والقيم والأخلاق.
وهذا الغياب يعني أن نخب قيادة رأي الجماهير لن تلجأ إلا لقواميس الجهل ومعاجم التفاهة والذل والتبعية والارتهان. لهذا لا يمكن أن يؤدي تقصير المقصرين إلى أي نوع من أنواع التأثر المجتمعي في التغيير بالسياسات والانحيازات والتوجهات، إلا إلى الأسوأ، وبالتالي كل من يرى أن المقصرين ليسوا العامل الرئيسي في دفع الناس والمجتمعات للتأثر وترويج استحسان الثراء السريع ولو كان استحسان التطبيع والمطبعين، فهو ساذج أو انتهازي أو متواطئ، يعمل على خداع الجماهير وتزييف وعيهم، بغض النظر عن الراية التي يرفعها والانتماء الذي يدعيه.

أترك تعليقاً

التعليقات