تقريــر / لا ميديا -
شهدت مدينة عدن المحتلة، مساء أمس الأول، جريمة دموية جديدة كشفت حجم الانفلات الأمني والانهيار الأخلاقي والسياسي، حيث اغتيل الطبيبان السوريان الدكتور سامر أحمد حسن وزوجته الدكتورة سماهر الموسى، برصاص عناصر من المرتزقة، في حادثة لم تكن عرضية كما حاولت سلطات الارتزاق تصويرها، بل جاءت بعد حملة تحريض تكفيرية واسعة وضعت الطبيبين في دائرة الاستهداف المباشر.
وفي حين حاولت سلطات الارتزاق تصوير الجريمة كحادثة عرضية ناتجة عن إطلاق نار عشوائي قرب منزل المحافظ الموالي للاحتلال السعودي، تكشف المعطيات أن الحادثة جاءت بعد حملة تحريض واسعة شنها ناشطو الخونج والفصائل التكفيرية ضد الطبيبين، ما يرجح أن مقتلهما كان عملية تصفية ممنهجة.

الرواية الرسمية للارتزاق
سلطات الارتزاق وأجهزتها الأمنية في عدن حاولت التغطية على الجريمة عبر بيان زعمت فيه أن أحد أفراد الحراسة المكلفين بتأمين منزل التكفيري عبدالرحمن شيخ المعين من قبل الاحتلال محافظا لعدن أطلق النار بصورة عشوائية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بينهم الطبيبان. غير أن هذه الرواية "الرسمية" سرعان ما اصطدمت بسياق التحريض المسبق، ومع احتفاء ناشطي الخونج بمقتلهما، بدا واضحاً أن العملية لم تكن عرضية بل مقصودة.

حملة التحريض
قبل أيام من الجريمة، نشر ناشطون تكفيريون على منصات التواصل الاجتماعي منشورات تزعم أن الطبيبين من "شبيحة الأسد"، مطالبين بتسليمهما ومحاكمتهما.
أبرز هذه المنشورات كان للتكفيري عبدالله الراجحي، الذي نشر صورة للطبيب سامر حسن مرفقة باتهامات مباشرة، وادعى أنه ارتكب "جرائم" خلال عمله في مشفى تشرين العسكري بدمشق.
وقال التكفيري الراجحي في منشوره على منصة فيسبوك والذي وجهه كبلاغ إلى ما يسمى أمن عدن: "هذا واحد من كبار أطباء مستشفى برج الأطباء -عدن، الطبيب الشبيح سامر حسن طلع من كبار شبيحة الأسد، لديه سوابق وجرائم عديدة في سوريا، حيث كان يعمل في مشفى تشرين العسكري، المعروف ببشاعة جرائمه وانتهاكاته بحق السوريين، والذي يعتبره السوريون لا يقل إجراماً عن صيدنايا، وربما أكثر".
وزعم قائلا: "هذا الطبيب، حسب كلام وشهادات سوريين، أنه هرب إلى عدن مع بداية سقوط النظام، واستقر فيها، واستقبله برج الأطباء عندنا.!! لا حول ولا قوة، بختنا بالمجرمين بهذي البلاد، وين نودي وجوهنا من أهل سورية؟ اليوم هناك مطالبات عزيزة من أهلنا السوريين بالفزعة، وسرعة تسليمه إلى الحكومة السورية، للمحاكمة والعدالة. لا تسودوا وجوهنا".
وبحسب مراقبين، فإن هذه الحملة التحريضية، التي لاقت تفاعلاً من ناشطي الخونج وقناة سهيل، وضعت الطبيبين في دائرة الاستهداف، حيث صوّروا وجود الكفاءات الطبية السورية في عدن وكأنه استحواذ على القطاع الطبي المحلي، في محاولة لتهييج الشارع ضد الأطباء من غير التكفيريين أو المحسوبين عليهم.
وأكد المراقبون أن الآلة الإعلامية للخونج عمدت إلى ربط وجود أطباء سوريين بمواقف سياسية كيدية، عبر إطلاق اتهامات مبطنة ومباشرة تصف هؤلاء الأطباء بالعمالة أو الاختراق الأمني، وادعاء ارتباطهم بالرئيس بشار الأسد، وهو الأسلوب المعهود للجماعة لتبرير استهداف خصومها أو تصفية الحسابات السياسية، مما جعل الأطباء والمنشآت الطبية هدفاً معنوياً مستباحاً قبل أن يصبح هدفاً عسكرياً برصاص المليشيات المنفلتة.
وعقب وقوع الجريمة، لوحظت محاولات مستميتة من المنصات الإعلامية التابعة للخونج لتمييع القضية وتحويلها إلى حادث جنائي فردي بدافع الجنون، متنصلين تماماً من البيئة التحريضية التي وفرتها خطاباتهم وتحريضاتهم المستمرة استجابة لعصابة الجولاني التي سيطرت على الحكم.

خلفية الطبيبين
الدكتور سامر أحمد حسن استشاري أمراض الكلى وزراعتها، وزوجته الدكتورة سماهر الموسى استشارية أمراض الروماتيزم والمناعة الذاتية، عملا في "برج الأطباء" بالمنصورة. ورغم تداول معلومات عن عملهما السابق في مشفى تشرين العسكري بدمشق، فإن منصة "تأكد" المتخصصة في التحقق من المعلومات أكدت أن خلفيتهما المهنية لا تتضمن أي أدلة موثقة على تورطهما في انتهاكات أو ابتزاز، مشيرة إلى أن الاتهامات مجرد مزاعم غير مثبتة.
ووفقا للمعطيات، فإن الحادثة تندرج ضمن سلسلة عمليات تصفية ممنهجة تنفذها الفصائل التكفيرية في اليمن، دعماً لمشروع أبو محمد الجولاني في دمشق، حيث تتقاسم هذه الجماعات مشروعاً واحداً يقوم على القتل والإقصاء في مختلف البلدان العربية. فالتكفيري في عدن هو ذاته في إدلب، والهدف واحد: تصفية كل من لا ينتمي إلى مشروعهم الدموي.

دلالات الجريمة
وتكشف الجريمة عن تواطؤ سلطات الارتزاق التي حاولت تصويرها كحادثة عرضية، وعن خطاب تكفيري ممنهج سبقها واحتفى بها، وعن مشروع الجولاني الذي يوحّد أهداف الفصائل التكفيرية في اليمن وسوريا، وعن استهداف مباشر للكفاءات الطبية في رسالة ترهيب للمجتمع، وعن انفلات أمني شامل يبرهن على انهيار المنظومة الأمنية وانتشار العصابات المسلحة في مدينة عدن ومختلف محافظات الجنوب المحتلة.