«لا» 21 السياسي -
تدور خلف ستار الأحداث وأمام جدار الكتمان حرب صامتة لا تقل ضراوة عن حرب الصوت والصورة؛ حرب لا تستهدف الأرض بالبارود، بل تستهدف العقل والولاء بالخديعة. إن ما كشفته الأجهزة الأمنية في صنعاء من ضبط خلايا شبكة التجسس الأمريكية- «الإسرائيلية»، وما أوردته مجلة «لكسبريس» (L'Express) الفرنسية حول اختراقات الموساد، يضعنا أمام حقيقة صادمة: العدو لم يعد يبحث فقط عن خائن تقليدي يبيع بلده بحفنة دولارات، بل صار يصطاد ما يمكن أن يطلق عليه اسم «الوطني الموهوم» ليخدم «تل أبيب» وهو يظن واهماً أنه ينقذ وطنه!

المهمات الجزيئية.. كيف تُصنع مربعات السودوكو؟
أثبتت اعترافات شبكات التجسس الموقوفة في صنعاء (حزيران/ يونيو 2024) أن الموساد و(CIA) يعتمدان تكتيك «العميل غير الواعي» عبر ما يسمى «المهمات الجزيئية». هنا يتم تقسيم الجريمة الاستخباراتية إلى «فتات معلوماتي» يبدو تافهاً:
يُطلب من الأول تصوير زاوية شارع عفوية، ومن الثاني رصد توقيت انقطاع الكهرباء أو أسعار الوقود، ومن الثالث إحداثيات بئر مياه أو مخزن غلال بذريعة المساعدات الإنسانية...
في ظن هؤلاء، المهمة «بسيطة ولا تضر»؛ لكن في غرف العمليات المشتركة (في «تل أبيب» وواشنطن)، تُجمع هذه القطع عبر تكنولوجيا «البيانات الضخمة» (Big Data) لتشكل صورة كاملة لإحداثية ضربة عسكرية أو خطة اغتيال، كما كشفته سابقاً وثائق إدوارد سنودن.

«العلم الزائف» (False Flag)
كشف التحقيق المطول لمجلة «لكسبريس» الفرنسية عن الثغرة التي نفذ منها الموساد لتفجير مفاعل نطنز الإيراني؛ إذ تم تجنيد عاملين داخل المفاعل وإيهامهم بأنهم يعملون لصالح «معارضة وطنية» داخلية. لم يدرك هؤلاء أنهم أدوات صهيونية إلا بعد فوات الأوان. إنه الفخ نفسه الذي ينصبه «المستعربون الرقميون» (من وحدات مثل 8200)، الذين يتقمصون لهجتنا اليمنية في الدردشات العفوية لاستدراج الشباب، قبل جرّهم إلى وحل الإسقاط الأخلاقي والابتزاز الرقمي (Sextortion) كما توثق تقارير «المجد الأمني» الفلسطيني.

المنظمات الدولية.. واجهات للمسح الاستخباراتي
لم تعد الوظائف المرموقة في المنظمات الدولية مجرد فرص عمل، بل باتت في كثير من الأحيان غطاءً لعمليات المسح الميداني. العدو يفتش عن المُحبَطين مهنياً أو الذين يعانون ثغرات نفسية، ليدخل إليهم تحت عناوين «دراسات الدخل» أو «تحسين مستوى المعيشة»، وهي في الحقيقة «مسح سيادي» لدراسة الثغرات الاجتماعية التي يمكن النفاذ منها لضرب الجبهة الداخلية.

المسؤولية الإيمانية والتحصين الوطني
إن مواجهة تكتيك «الأسد الصاعد»، الذي يتبعه العدو (الصبر الاستراتيجي لسنوات)، تفرض على مؤسساتنا نَفَساً طويلاً يتجاوز الملاحقة الأمنية إلى:
• الأمن السيبراني الشخصي: رفع الوعي تجاه الوظائف الوهمية واستبيانات المنظمات المشبوهة.
• التحصين الفكري: إعادة ربط المجتمع بهويته الإيمانية التي تمثل «القبة الحديدية» الحقيقية ضد الاختراق.