دعاة التخلف والتكفير والعبودية في الجامعات اليمنية
- د. حسن علي مجلي الأحد , 11 ديـسـمـبـر , 2016 الساعة 12:30:45 PM
- 0 تعليقات

دخلت اليمن مرحلة خطيرة في مجال الإرهاب الدموي والفكري والسياسي ذي المسوح الدينية، وذلك باغتيال كبار المفكرين وأساتذة الجامعات والضباط والجنود، وبتفجير السيارات المفخخة في أماكن مختلفة.. ومن الجرائم الإرهابية التي حدثت قبل فترة وجيزة من الزمن، ارتكاب جريمة تفجير سيارة في السجن المركزي، وتهريب عدد من مسجوني تنظيم القاعدة الإرهابي وآخرين، وقبلئذ جرائم معسكر ومستشفى (العرضي) الإرهابية المروعة، وقبل ذلك بفترة انفجار سيارة معبأة بالديناميت أمام السفارة الأمريكية بالعاصمة (صنعاء)، ترتب عليه قتل وجرح مجموعة من الأبرياء.
وقد توالت وتفاقمت جرائم الإرهاب، فطالت مرافق الدولة ومعظم أجزاء الوطن، وسفكت دماء المواطنين، وألحقت أفدح الأضرار بأموالهم وحقوقهم.
في يوم الاثنين 21/5/2012م، تم ارتكاب جرائم ميدان السبعين الإرهابية المروعة التي قتل وجرح فيها مئات الجنود من الأمن المركزي.. إلخ، وصدر ضد المجرمين حكم قضائي مخفف عزاه البعض إلى ميول القاضي السياسية.
ثم تلاها وسبقها عدد من التفجيرات الإرهابية الانتحارية في المحافظات الشمالية والجنوبية، وقد كانت وما تزال العصابات الإرهابية تتوج جرائمها باجتياح بعض المدن اليمنية، وفرض سيطرتها عليها فترة من الزمن، كما حدث في (جعار - أبين) و(شبوة) وغيرهما.
وهناك جرائم أخرى ترتكب بين الحين والآخر، مثل اختطاف الأجانب واغتيالهم والشروع في ذلك، وغيرها من الأفعال الإرهابية التي أسفرت عن قتل وجرح عدد كبير من اليمنيين والأجانب عبر جرائم الاغتيالات والسيارات المفخخة والتفجيرات التي لا زالت تدمر حياة اليمن واليمنيين، وتشيع الرعب والفوضى في البلاد.
وفي تاريخ 8/8/2014م، حدثت مذبحة روعت العالم أجمع، حيث ارتكب أحد التنظيمات التكفيرية الإرهابية جرائم قتل عشرات الجنود ذبحاً في إحدى مناطق (حضرموت)، لأنهم من (الجغرافيا الزيدية) وموالون للثوار (أنصار الله) وزعيمهم قائد المسيرة القرآنية السيد (عبدالملك بدر الدين الحوثي)، وهذا النوع من جرائم القتل هو أخطر أنواع الجرائم طبقاً لقانون المحكمة الجنائية الدولية، ويندرج ضمن جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
أسباب الإرهاب
يحتار كثيرون عن سبب تفشي الإرهاب في اليمن التي قال الرسول الكريم عنها وعن أهلها إنها بلد الإيمان والحكمة (الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية) و(الفقه يمانٍ).. (قد أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً) حديث شريف.
وقد جاءت انتفاضات 2011 و2012م الثورية، وحدثت تحولات وتبدلات في قيادة النظام الحاكم، وتمت إعادة اقتسام السلطة والمال بين مراكز القوى الطغيانية الفاسدة المتخلفة، ولم يقف المجتمع الدولي مكتوف اليدين، ففرض وما زال وصايته على اليمن بحجة عجز أهلها من حكم أنفسهم، وتفاقم أخطارهم على العالم المحيط بهم، وخلال هذه الوصاية الدولية تزايد الإرهاب، وانتشرت الدعوات التكفيرية، وتمددت مجالات تعدد التنظيمات الإرهابية والجرائم المرتبطة بها، وتنوع داعموها والمحرضون عليها والمساهمون فيها.
ومن أهم أسباب تفشي الأفكار الظلامية والإرهابية في اليمن، ومن ثم، انتشار التكفير وتكاثر جراثيم الإرهاب، تغلغل الآراء الصحراوية المتخلفة فيها، وعلى رأسها معظم أفكار الاتجاه الوهابي وفتاواهم.
ويكفي للتدليل على مدى تغلغل الفكر الصحراوي المتخلف والمتطرف (الوهابي) في الجامعات اليمنية الحكومية والخاصة، وصيرورة المناهج التعليمية تكفيرية في معظمها، وتغلب القوى المتخلفة، وعلى رأسها جماعات الوهابيين ودعاة الوهابية.
ويعتقد كثيرون أن الحل العسكري أو القمع البوليسي هما الكفيلان بـ(اجتثاث) آفة الإرهاب، وتوفير الأمن للوطن والمواطنين، وهذا جزء من الحل فقط، ذلك أن جذور الإرهاب الفكرية عامل خطير في نموه وصيرورته سرطاناً يهدد المجتمع المحلي والدولي.
وهذه الجذور أمست منغمسة في كافة نواحي المجتمع اليمني، ابتداءً بالمدارس، مروراً بالجامعات والمعاهد، ووصولاً إلى المساجد والجوامع.
ونحن إذ نتناول الاتجاه التكفيري الذي غزا المدارس والمعاهد والجامعات اليمنية، وخاصة كليات (الشريعة والقانون) وكليات (الحقوق)، سواء في الجامعات الحكومية أو الأهلية التي يعمل فيها أساتذة الجامعات الحكومية، ويديرونها كمؤسسات تجارية خاصة بهم ومراكز إعلامية لنشر أفكارهم، كالجامعة اليمنية وجامعة الإيمان وغيرهما، فإننا سوف نركز على مجالات الفقه والشريعة والتقنين باعتبارها من أخطر وأهم المجالات المرتبطة بالحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتي جعل منها أصحاب ذلك الاتجاه، وما زالوا، منطلقاً لنشر أفكارهم التكفيرية الظلامية وآرائهم المتخلفة، متخذين من الدين ستاراً يغلفون به طبيعتهم الإرهابية، ويسوغون باسمه هجماتهم الشرسة ضد الإسلام المستنير والوطن والشعب وكل من يخالفهم الرأي.
المشهد
قبل سنوات عديدة ظهر مشهد دال بذاته على ما يضمره أصحابه وسيطرة الفكر المتخلف والمتطرف على الجامعات منذ وقت طويل، وذلك هو ما فعله الطلاب والطالبات يوم 20/10/2005م، حين حملوا على رؤوسهم بعض كتب الفقه المتطرف لتأكيد الفكر التابع لـ(حزب التجمع اليمني للإصلاح)، والذي تعتبر هذه الكتب من مراجعه (الفقهية) والدعوية الرئيسية، كما حمل الطلبة بجانب ذلك، النعوش التي كتب عليها (الديمقراطية في الجامعة) لإعلان موتها، ولم يحدث ذلك فقط في (جامعة تعز)، بل حدث في (جامعة صنعاء) أيضاً وغيرهما من الجامعات (1). وقد كانت تلك هي بداية إعلان الجماعات التكفيرية عن نفسها سياسياً على نحو علني من داخل الحرم الجامعي.
وبالرغم من أن النظام الحاكم وأعوانه قد فتح للتكفيريين الباب على مصراعيه، واستفادوا من صراع مراكز القوى العسكرية والقبلية للتوسع والسيطرة، إلا أنهم استمر ولا زال تكفيرهم، للنظام الحاكم رغم رجعيته وفساده، في النقاشات والمحاضرات والمحاورات في قاعات الدرس الجامعية الحقوقية، وفي كتبهم التي تعتبر صورة تكاد تكون طبق الأصل لأوراق السلفيين والوهابيين في عقر دارهم، بل هي أكثر تشدداً وظلامية ونفوراً من التقدم.
ويرى البعض أن هذا الأمر مرتبط بالسياسة التعليمية الدينية، والحضور الرجعي الوهابي الحامل الثقافي للهيمنة السعودية على اليمن، كان هو الأساس في محاربة البنية الأيديولوجية والسياسية الوطنية والقومية التحررية في اليمن، وفكر اليسار الإسلامي المتمثل في فقه الثورة على الفساد والحاكم الظالم وتغليب العقل على النقل والاجتهاد على التقليد والتسامح على التعصب والاعتدال على التطرف، ففي مواجهة التيار التحرري الوطني والقومي الصاعد والمعقد في كل الساحة اليمنية، وكذا في مواجهة الحضور التدريسي التعليمي لمصر، وسوريا، والعراق بعد ذلك، والذي وفد اليمن بعد انقلاب (26 سبتمبر 1962م)، حيث كان ذلك الحضور سنداً تعليمياً وفكرياً وتربوياً لها، في قطاع التعليم والثقافة (المدرسة والمراكز الثقافية)، كما أنه ترك آثاراً طيبة في قطاع التعليم (مناهج وطرق تدريس ومحتويات تعليمية)، وفي الفكر الثقافي والاجتماعي والسياسي الوطني، ففي مواجهة هذا المد والامتداد التعليمي والثقافي الوطني والقومي التحرري، حاولت السعودية وطوفان الوهابية فيها عن طريق هذه المجالات، تخريب وتعويق كل ما تم إنجازه، ومن هنا كان تركيزها على التعليم العام، ومحاولة اختراقه بتعليم سياسي ديني موازٍ له، وكذا بإعلام وثقافة موازية للوزارة الرسمية (وزارة الإعلام والثقافة). [قادري أحمد حيدر].
لم تعمل السلطة الحاكمة ودكاترتها على نشر منهج تعليمي حداثي وفكر مستنير، بل ساهمت في الترويج للفكر الرجعي التكفيري إرضاءً لشركائها في السلطة، وحفاظاً على المصالح المشتركة القائمة على الفساد والتخلف والانتهازية.
ولا يؤثر في ذلك أن التنظيم السياسي للسلطة الحاكمة (المؤتمر الشعبي العام) التابع لها في الجامعات قد دفعها لتعديل (قانون الجامعات) مرات عديدة بقصد السيطرة على الجامعات عن طريق الإجراءات الأمنية والنصوص القانونية، بحيث صار يتم تعيين رؤسائها وعمداء الكليات وليس انتخابهم حفاظاً من دكاترة السلطة الحاكمة على مصالحهم، وليس باعتبار ذلك وسيلة للقضاء على الفكر التكفيري والتطرف باسم الدين في الجامعات اليمنية.
وسوف نتناول في الحلقات القادمة أهم أسباب انتشار التكفير في الجامعات، ومن ثم، تفاقم الجرائم الإرهابية وتكريس كافة قيم أفكار التخلف والجمود والتبعية للرجعية الوهابية والتنظيمات الإرهابية لـ(الإخوان المسلمين) ومن لف لفهم، مع إيراد الأمثلة الدالة على ذلك من الكتب والملازم التي يتم تدريسها في الجامعات اليمنية.
(1) بُثَّ هذا المشهد من قناة (الجزيرة) صباح يوم 20/10/2005م في برنامج (حديث الصباح)، حيث تناول البرنامج (الديمقراطية في الجامعات اليمنية).
* أستاذ علوم القانون الجنائي - جامعة صنعاء










المصدر د. حسن علي مجلي
زيارة جميع مقالات: د. حسن علي مجلي