‎حرب.. حبر.. بحر
 

‎محمد صالح السبتي

 ‎هذه ثلاثة أحرف: الحاء والباء والراء... تستطيع أن تشكل ‎منها كلمات كثيرة (حرب، حبر، بحر، ربح، رحب)... وتختلف هذه الكلمات بمعانيها وآثارها ومدلولاتها. فهذه ثلاثة أحرف قد تكون حرباً، وينتج عنها مآسٍ وقتل وهدم وجروح، وقد تكون حرباً كلامية ينتج عنها مشادات ومهاترات وأخذ وجذب وسباب وشتائم. وقد تكون هذه الأحرف الثلاثة بحراً، ويعني العطاء والعمل وتغير الحال من مد وجزر وهكذا... وتكون حبراً وترمز للثقافة والإبداع، إذ إن الحبر مداد القلم، وهو آلة الكتابة التي حفظت أدبنا وشعرنا وتراثنا، وسطرت إبداعاتنا، وتكون ربحاً وهو رمز الإقدام والتفاؤل والمضي في أمور الحياة الى الأمام، وعدم الوقوف على أطلال الماضي، وتكون رحابة وهو الواسع من الأمور، وترمز الى النظرة التفاؤلية في الحياة، ومشاهدة هذا الكون رحباً واسعاً يستوعبنا جميعاً، ونستطيع أن نغرف من عطاياه.
هناك أناس لا يستطيعون أن يشكلوا من هذه الأحرف إلا كلمة حرب، فهم في صراع دائم مع كل وأي شيء، وعندما تسمع نقاشاتهم، أو تصريحاتهم، أو انتقاداتهم، كأنك تسمع بياناً حربياً لا تصريحاً صحافياً، ويعتقد هؤلاء أن استخدام الكلمات العنترية واستخدام مصطلحات الحروب، يحقق انتصاراً، ولا يمكن لهؤلاء تشكيل أية كلمة أخرى من هذه الأحرف سوى كلمة حرب.
وهناك آخرون يستمتعون بتشكيلات أخرى لهذه الأحرف؛ فمرة تراهم يرونها بحراً، ومرة يرونها حبراً، أو رحابة، أو ربحاً. الأحرف ذاتها لكننا نختلف في تشكيل الكلمة منها، ونختلف بعدها في كيفية نظرتنا للأمور والتعامل معها... هناك واقعة أو موقف يستطيع أحدنا أن يجعل منه حرباً، لكن آخر من الممكن أن يجعل منه عطاء، أو أن يبدع فيه ثقافة، أو أن يراه من ناحية رحبة واسعاً يقبل فيه الخلاف.
في حياتنا اليوم هناك فئة من البشر، وللأسف أنهم أخذوا بزمام الأمور، لا يرون من هذه الأحرف إلا كلمة حرب، ولأنهم أصحاب قرار يوجهون الرأي العام، فقد أدخلوا المجتمع بأسره معهم في هذه الحروب، ولأن الحرب قرار يتخذه الكبار ويدفع ثمنه الصغار، فها نحن ندفع ثمن رؤيتهم هذه، وثمن حروبهم التي يخوضونها كل يوم بسبب وبلا سبب، تأخراً وصراعات ومشاكل لها أول ولكن ليس لها آخر... أفقدونا معنى البحر، والرحابة، والربح، لم نعد نحس بطعم هذه الكلمات لسوء سريرة هؤلاء الذين جثموا على صدورنا.
ونصيحتي لكل من تقع عيناه على هذا المقال لا تتبع أمثال هؤلاء بتشكيل هذه الأحرف. انظرها بحراً، انظرها حبراً، انظرها رحابة، وربحاً، انطلق في هذه الدنيا الرحيبة بكل معانيها الجميلة. ‎
@كاتب كويتي

أترك تعليقاً

التعليقات