جميل المقرمي

جميل المقرمي  / لا ميديا -
ليست الأزمة بين اليمن والسعودية خلافاً طارئاً، بل هي نتاج تراكم تاريخي من الدسائس والمؤامرات منذ نشأة ذلك الكيان. لقد حاربت الرياض المشاريع اليمنية كلها، الملكية والجمهورية والوحدة، وارتكبت مجزرة تنومة بحق الحجاج، وصولاً إلى «عاصفة الحزم» التي دمرت كل شيء، وأدخلت الحزن إلى كل بيت، مكرسة وعياً وطنياً جامعاً برفض هذه الوصاية.
من حق اليمنيين أن يتساءلوا بمرارة: لماذا تنظر السعودية بريبة وحقد لكل مشروع نهوض واستقلال يمني؟! ولماذا حاربت مشاريع بناء الدولة القوية، وصُفي رموزها كالشهيد إبراهيم الحمدي، بينما حظي بالقبول من يمثلون الضعف والتشظي؟!
هذه القناعات تدعمها عشرات الوثائق وتصريحات الشخصيات اليمنية التي كانت على تماس مع الرياض، كشهادات الشيخ عبد المجيد الزنداني حول ملف النفط والقيادات القبلية التي كافأتها السعودية على عمالتها وجازتها «جزاء سنمار»، كالحسن أبكر وأمين العكيمي وغيرهما الكثير.
وتظل محافظة الجوف النموذج الأبرز لسياسة الإقصاء، فهي تمتلك ثروة زراعية ونفطية كفيلة بنقل اليمن من الفقر إلى الاكتفاء، ولهذا بقيت مغيبة عن التنمية ومستهدفة بإحياء الثارات والنزاعات القبلية كلما اقتربت من الاستقرار.
لقد عشتُ في الجوف وعرفتُ قراها وعشائرها، وشهدتُ حجم معاناة الأهالي من الثارات التي بلغت حد عجز الرجل عن إسعاف مريضه خوفاً من القتل؛ لكن أبناء الجوف لم يكونوا يوماً ضد النظام والقانون، والتاريخ يذكر تجربة المحافظ محمد أحمد سيف، الذي فرض هيبة الدولة بإنصاف، فالتفّت حوله القبائل وصنعت نموذجاً ناجحاً.
اليوم، وبعد سنوات العدوان والحصار تشكلت قناعة جديدة لدى أبناء الجوف مفادها أن التنمية أعظم من الثأر، والدولة أكبر من العصبية، فدفنت الخلافات وعاد الناس لإعمار أرضهم. وهنا يبرز السؤال: من المستفيد من إعادة المحافظة إلى مربع الفوضى وإيقاظ الفتن؟!
إن يمن اليوم، والجوف اليوم، ليسا كالأمس؛ لقد تعلم الناس من التجارب القاسية، واستنشقوا عبق الحرية والاستقرار، ولن يقبلوا بالعودة إلى زمن الخوف والتبعية، والرهان على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء هو رهان على السراب.
ويبقى السؤال الموجّه لصنّاع القرار في الرياض: بعد عقود من الحروب والصراعات، أما آن الأوان للسعودية أن تراجع سياساتها وتتعامل مع اليمن كدولة وجار لا كتابع؟! أما آن الأوان لتنزل من على الشجرة؟! فاليمن باقٍ على أرضه وشعبه، وسياسات الهيمنة وإضعاف الآخرين مصيرها الزوال؟! أم أن إرادة الله مضت في زوال هذا الكيان؟

أترك تعليقاً

التعليقات