حزب الله واستراتيجية الخوف الصهيونية
- كمال البرتاني الأثنين , 13 أبـريـل , 2026 الساعة 12:17:10 AM
- 0 تعليقات

كمال البرتاني / لا ميديا -
في «كريات شمونة» المستوطنة الواقعة في سهل الحولة، بالقرب من الحدود اللبنانية، وقعت سلسلة حوادث مرورية متزامنة، خلال التوجه إلى الملاجئ.
كان الهلع هو المسيطر بسبب دوي الانفجارات وصفارات الإنذار؛ ولذلك فرّ البعض من شبح الموت إلى أحضان الموت، ووجد آخرون أنفسهم يتابعون أخبار الحرب من الأسرّة في المستشفيات، أو يجترّون الأمنيات في الأقفاص المحصّنة.
يومها، ظن الجميع أن الصواريخ التي اخترقت الأجواء وزلزلت (الفردوس المنهوب) أُطلقت من إيران، وبعد أن أزالوا الغبار عن عقولهم وعيونهم اتضحت الحقيقة الصادمة: كانت الهجمات الصاروخية والمسيرة دليل انبعاثٍ قادماً من لبنان.
«كريات شمونة» بُنيت عام 1949 على أنقاض بلدة الخالصة التابعة لقضاء صفد شمالي فلسطين، وخلال أكثر من سبعة عقود ظل مغتصبوها يعيشون على حقائق فيروسية أُنتجت في مختبرات «تل أبيب»، حتى جاءت عمليات المقاومة -خلال معركة إسناد غزة- لتضعهم أمام مرآة التاريخ وتفتح لهم نافذةً لمعرفة سبب شعورهم الدائم بالتهديد الوجودي.
قلةٌ اختارت البقاء والعيش على المعلبات وعلى دعوات ومواعظ النخبة الحاخامية المنفصلة عن الواقع، بينما أُجبر الآلاف على مغادرة المستوطنة.
نتنياهو تعهد بإعادتهم، كما أقسم برب التوراة ألا تستضيفهم حكومته في الفنادق مرة أخرى، ومنذ الثاني من مارس 2026، تعقدت الأمور وانهمرت عليهم الوعود والتطمينات من جديد، لكنها لم توقف اتساع رقعة الدمار وتقلُّص هامش الهدوء وساعات النوم، ولم تمنع من تحويل حياتهم اليومية إلى نشاط مقسم بين البحث عن الطعام والدواء، والبقاء في الملاجئ.
تساءلوا: هل هذا يعني فشل خطة القضاء على المقاومة ونزع سلاحها؟!
عند التوصل لوقف إطلاق النار أواخر العام 2024، كان نتنياهو واثقاً أنه أمام فرصة تاريخية لا يجب تضييعها، بعد إخراج السيد حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين من المشهد.
كان يرد على منتقديه أن القوة هي وسيلة الحوار التي يفهمها أعداء المسخ التلمودي المزروع في أرض فلسطين، ويؤكد أن اغتيال فؤاد شكر، وإبراهيم قبيسي، وإبراهيم عقيل، وعلي كركي، ونبيل قاووق وغيرهم، جعل حزب الله أشبه بآليةٍ مدرعةٍ تنحدر بدون قائد، ولن يطول الوقت حتى تسقط في الهاوية، وتصبح قطع خردة في الجانب المَتْحَفي من التاريخ.
بعد ذلك، وعلى مدى شهور طويلة، تمتع الصهاينة بحرية الحركة على الأرض وفي الأجواء اللبنانية لاصطياد المقاومين واستهداف مواقعهم ومنعهم من إعادة تنظيم صفوفهم وبناء قدراتهم.
بدا أن اتفاق نوفمبر 2024 كان شهادة وفاة حزب الله، وهذا ما صدّقه المتربصون في الداخل اللبناني؛ ولذلك وضع البعض أنفسهم مع العدو الصهيوني في فريق واحد وإن بقمصان مختلفة، بينما اكتفى آخرون بهتافات التشجيع وتصريحات التخويف والتنمر.
ضمان التفوق والتطور العسكري الصهيوني مع الإبقاء على المحيط العربي منزوع السلاح هو جزء من اشتراطات السلام بمفهومه الاحتلالي، وجزء من استراتيجية الخوف الصهيونية المُعتمَدة لترسيخ أوهام البقاء وتعزيز أطماع التوسّع، وبما أنها أثمرت في صحراء سيناء، يرى قادة الكيان أنها ستنجح في القنيطرة السورية وفي غزة وجنوبي لبنان.
بناء على ذلك، دفعوا قواتهم للتوغل في لبنان واستنساخ التدمير الشامل الذي أحدثوه في غزة، وأعلنوا أنهم سيفرضون واقعاً جديداً بجعل مناطق جنوب الليطاني خاليةً من المقاومة ومن الحياة.
بعد الثاني من مارس 2026 اكتشفت أجهزة الأمن الصهيونية أنها تواجه إصداراً جديداً ونسخةً محدثةً من حزب الله، وأن الشهور التي ملئت بالغطرسة وبسلسلة الخروق، استثمرها الحزب في إعادة البناء، عقب استخلاص الدروس من عمليتي البيجر وأجهزة اللاسلكي ومن مسلسل الاغتيالات.
تم تشديد معايير الثقة والانضباط، وتبديل أدوات الحماية، وتطوير منظومة الاتصال لتفادي الاختراق الأمني الذي تسبب في الكبوات السابقة، كما تم تجديد بنية الحزب التنظيمية وأصبحت قياداته الجديدة تتحرك خارج نطاق الرقابة الصهيونية، وتنتشر مع عناصر الحزب خارج الضاحية وبلدات وقرى الجنوب ومناطق البقاع.
وميدانياً، ارتبك العدو أمام كثافة النيران العابرة للحدود، وتحرك المقاومين المرن، واحتفاظهم بعنصر المفاجأة خلال التصدي للتوغلات ورصد واستهداف تحركات القوات المؤللة التي أنيطت بها مهمة الاحتلال والتدمير.
«نهاريا» و»المطلة» و»أفيفيم» و»مسكاف عام» وغيرها من المستوطنات واجهت ما حدث في «كريات شمونة» من الخراب وانعدام الأمن، كما فوجئ الجنود الصهاينة بواقع مماثل خلال الاستهداف اليومي للقواعد والثكنات التي وضعت كدروع تحمي الوجود الصهيوني في الجليل وفي مربع عكا، حيفا، طبرية وصفد.
رؤساء البلديات وزعامات «المجتمع» اللقيط اتهموا نتنياهو بالكذب، وبأنه قايض مخاوفهم الشبحية بالرعب اليومي، ونصحه إعلاميون بتغيير اسم العملية التي أطلقها ضد إيران واتسعت لتشمل لبنان، من «زئير الأسد» إلى «مواء القطط»، لكنه لم يكن يكذب بالمعنى المألوف للكلمة، وإنما بالغ في الادعاء انطلاقاً من سوء التقدير، ومن اعتقاده أن المقاومة التي ترنّحت على وقع الضربات المؤلمة يمكن أن تسقط؛ خصوصاً أنها موجودة في بيئة حاضنة لنسخة عربية من الأمنية العبرية المستحيلة: أن تأفل شمس الحقيقة وتموت روح المقاومة.










المصدر كمال البرتاني
زيارة جميع مقالات: كمال البرتاني