حاوره:طارق الأسلمي / لا ميديا -
لم تكن الملاكمة بالنسبة ليحيى الرفيق مجرد رياضة لتبادل اللكمات، بل كانت مساحة للصمود وإثبات الذات في حلبات عالمية لا تعترف إلا بالأقوى. من جاكرتا إلى وارسو، ومن الدوحة إلى باكو، خاض الرفيق نزالاته بقلب مقاتل يمني يحمل على عاتقه أحلام وطن مثقل بالجراح فاستحق أن يعتلي منصات التتويج الدولية بذهبها وفضتها.
اليوم، يخلع الرفيق قفازات اللعب ليرتدي سترة التدريب في نادي وحدة صنعاء، منتقلاً من هم الفوز الفردي إلى مسؤولية صناعة الأبطال. في جعبته رصيد هائل من الخبرة الميدانية وشهادات دولية معتمدة والأهم من ذلك رؤية نقدية ثاقبة لواقع رياضي يرى فيه الموهبة "هبة ربانية" تضيع وسط ركام الإهمال وغياب الإمكانيات، مما يجعل من تجربته التدريبية اليوم بمثابة معركة استعادة لمكانة الملاكمة اليمنية.
في هذا الحوار، تحدث الرفيق عن مسيرته وواقع اللعبة وعن المسافة الشاسعة بين موهبة الملاكم اليمني الفطرية وبين الواقع الذي يقيد أحلامه، مستحضرا تجارب شخصية صنعت وعيه الرياضي ورسالة يسعى لترسيخها في نفوس اللاعبين الشباب.
 بين الأمس كلاعب واليوم كمدرب.. ما الذي تغير في مفهوم المسؤولية والفوز لديك؟ وكيف تلخص لنا رصيد هذه السنوات بين قميص المنتخب وقيادة جيل جديد؟
- مسيرتي بكل تواضع، هي قصة التزام لهذه اللعبة ولهذا الوطن. كلاعب في المنتخب الوطني كانت شرفاً ومسؤولية، تعلمت معنى الانضباط والتضحية وأن الفوز الحقيقي هو عندما ترفع علم بلادك. كانت سنوات اكتسبت فيها الخبرة الميدانية وعرفت كيف ينبض قلب اللاعب في الملعب وما يحتاجه من دعم نفسي وتكتيكي. تلك السنوات هي رصيدي العملي والأعز على قلبي. وكمدرب دولي في نادي وحدة صنعاء هي امتداد طبيعي وتحويل المسؤولية إلى رسالة. هنا، لم أعد أفكر كفرد بل كجزء من مؤسسة تاريخية. مهمتي تحولت من التركيز على أدائي الشخصي إلى مسؤولية تطوير أداء جيل كامل وصناعة أبطال جدد. الفرق الجوهري بين المرحلتين: اللاعب يحمل هم الفوز في المباراة، والمدرب يحمل هم بناء نظام يضمن الفوز المستمر وخلق بيئة تخرج أبطالاً على مدى سنوات.
 تمتلك مسيرة رياضية حافلة محلياً ودولياً، هل يمكنك تلخيص أهم المؤهلات التدريبية التي حصلت عليها وأبرز الإنجازات التي حققتها خلال مسيرتك في رياضة الملاكمة؟
- حصلت على شهادة مدرب Star 1 من الاتحاد الدولي للملاكمة (IBA) في القاهرة -مصر، إلى جانب شهادات تدريب معتمدة من الاتحاد اليمني للملاكمة، ومشاركات تدريبية في بطولة المحترفين وبطولات الجمهورية اليمنية (الدورات 22 و23 و24) في صنعاء. دولياً، حققت الميدالية الذهبية في بطولة قطر المفتوحة عامي 2014 و2016، والميدالية الفضية في بطولة فليبس الدولية ببولندا عام 2014 وبطولة تركيا الدولية عام 2017، والميدالية البرونزية في بطولة فليبس الدولية 2016، وبطولة بيلاروسيا الدولية 2014، وبطولة قطر الدولية 2015، إضافة إلى برونزية دورة الألعاب العربية بالدوحة 2011 وبرونزية دورة الألعاب العربية العسكرية بدمشق 2010، كما أحرزت المركز الخامس في بطولة العالم للأوزان الخفيفة بجاكرتا 2015، وشاركت في بطولات دولية عدة بالأردن 2019 والمجر 2014 وأذربيجان 2014. أما محلياً، فقد توجت بثماني ميداليات ذهبية متتالية في بطولة الجمهورية للملاكمة ضمن فئات الناشئين والشباب والمفتوحة.
 من لاعب في صفوف المنتخب الوطني إلى مدرب دولي في نادي وحدة صنعاء... كيف تصف مسيرتك التدريبية حالياً؟
- الحقيقة الانتقال من كوني لاعباً في المنتخب الوطني إلى مدرب في ناد عملاق وله قاعدة جماهيرية كنادي وحدة صنعاء هو شعور بالفخر والمسؤولية الكبيرة. مسيرتي التدريبية في النادي لا تزال في بداياتها لكني أرى نفسي جزءاً من مشروع تطوير لعبة الملاكمة.
 ما الذي ميز تجربتك مع نادي وحدة صنعاء تحديداً؟ وهل ترى أن النادي قدّم نموذجاً مختلفاً في رعاية لعبة الملاكمة مقارنة بغيره؟
- أولاً الارتباط التاريخي والوجداني، الوحدة ليس مجرد نادٍ رياضي بل هو مؤسسة وطنية فأنت لا تدرب فريقاً فقط بل تشارك مسؤولية مضاعفة ولكنها مسؤولية تشرفنا وتدفعنا لبذل المزيد. ثانياً العقلية الاحترافية الطموحة ضمن إطار مؤسسي. الإدارة تقدم دعماً لوجستياً وتفهم متطلبات اللعبة على مستوى عالٍ، هناك رغبة حقيقية في التطوير وليس فقط المشاركة. نعمل ضمن هيكل واضح للمواهب من الفئات السنية وحتى المنتخب الأول.
 ما الصفات التي تبحث عنها في الموهبة الحقيقية بعيداً عن القوة البدنية فقط؟
- عند تقييم الموهبة بعيداً عن القوة البدنية فقط، أبحث عن هذه الصفات: الذكاء الرياضي والقدرات المعرفية. سرعة البديهة واتخاذ القرار. الفهم التكتيكي، استيعاب الاستراتيجية للقتال، ومعرفة متى يهاجم ويتراجع يستهلك طاقة الخصم. القدرة على التعلم والتكيف: كيف يستجيب لتوجيهات المدرب وهل يُصحح أخطاءه بسرعة في الجولة التالية.
 من موقعك كمدرب دولي وخبير ميداني، كيف تقيم واقع لعبة الملاكمة في اليمن اليوم فنياً وتنظيمياً؟ وما الفجوة الأكبر بين الطموح والواقع؟
- الموهبة الخام اليمن لا تزال تنتج مواهب استثنائية من حيث الشجاعة البديهية والقوة الطبيعية والقلب القتالي هذه هبة ربانية وميزتنا عبر التاريخ القوة البدنية الملاكم اليمني معروف بصلابته وقدرته على التحمل مما يمنحه ميزة في الحلبة. الجانب التنظيمي والبنية التحتية هنا تكمن الفجوة الهائلة بين طموحنا الكبير والواقع. بكل صراحة الملاكم اليمني يفتقد الدعم بسبب الأوضاع.
 ما أبرز التحديات التي تواجه اللعبة وتطورها؟
- عدم توفير الصالات والتجهيزات، معظم الصالات تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الدولية مثل: إضاءة، تهوية، أرضيات مطاطية آمنة، معدات تدريب متنوعة وحديثة، عدم توفير صالات مجهزة للملاكمة في الأندية.
 ما أبرز الأخطاء الإدارية أو الفنية التي تعيق تطور اللعبة من وجهة نظرك؟
- من وجهة نظر تحليلية، يمكن تحديد أبرز الأخطاء الإدارية والفنية التي تعيق تطور الرياضة بشكل عام وهي: تهميش المواهب والأنشطة في المحافظات والمناطق النائية. انتشار المحسوبية والوساطة في اختيار اللاعبين في صفوف المنتخب. عدم توفير دورات تحكيمية وتدريبية كون الملاكمين يعانون من ظلم كبير في مجال التحكيم.
 إلى أي مدى أثرت الظروف العامة في البلاد على استمرارية اللعبة وتطورها؟
- تأثرت الرياضة بشكل عام والألعاب المختلفة في اليمن تأثراً بالغاً ومباشراً بالظروف العامة الصعبة التي تمر بها البلاد منذ سنوات.
 هل لا تزال الملاكمة اليمنية قادرة على إنجاب نجوم جدد؟
- نعم المواهب موجودة والملاكمة اليمنية دائماً حاضرة بقوة في أي مشاركة دولية ولكن ينقصنا المشاركات الخارجية لأنها متوقفة بسبب الأوضاع الراهنة.
 من هو الملاكم اليمني الذي ترى أنه كان مشروع بطل كبير ولم يُستثمر بالشكل الصحيح؟
- يوجد الكثير من الملاكمين الذين لم تُستغل مواهبهم بشكل صحيح، وأبرزهم الملاكم علي الرفيق.
 ما أصعب مواجهة خضتها بقميص المنتخب؟ ولماذا ما زالت عالقة في ذاكرتك؟
- أصعب مواجهة كانت في بطولة فليبس الدولية أمام الملاكم البريطاني كان الأداء جيداً، تعلمت منها أن التحضير النفسي أهم حتى من المهارة في اللحظات الحاسمة. حتى اليوم، أتذكر تلك اللحظة لأتحدى نفسي.
 ما دور الإعلام الرياضي في إنصاف لعبة الملاكمة مقارنة بالألعاب الأخرى؟
- الإعلام الرياضي يساهم في ظلم الملاكمة عبر تجاهلها أو تغطيتها بشكل سطحي وموسمي مقارنة بكرة القدم. إنصاف الملاكمة إعلامياً هو استثمار في بقاء الرياضة وتطويرها.
 كيف ترى مستقبل الملاكمة اليمنية خلال السنوات القادمة إذا استمر الوضع على ما هو عليه؟
- بصراحة وواقعية مستقبل الملاكمة اليمنية في ظل استمرار الوضع الراهن دون تغيير جذري سوف يتسبب في الهجرة المستمرة للمواهب والكفاءات، سيستمر أفضل الملاكمين والمدربين الواعدين في البحث عن فرص في دول الجوار مما يفقد الساحة المحلية أي فرصة للتنافس الداخلي أو بناء جيل من الملاكمين.
 عندما يُذكر اسم نسيم حميد عالمياً، ماذا يعني لك ذلك بوصفك ملاكمًا يمنيًا سابقًا؟
- نسيم حميد هو مصدر إلهام لي وهو سبب أن أكون ملاكماً وهو يعني للملاكمة اليمنية الكثير، عند سماع اسمه فهو يمثل كل يمني وكل عربي وهو فخر لنا.
 هل ترى في تجربة نسيم حميد دليلاً على أن المشكلة في الملاكمة اليمنية ليست في الموهبة بل في البيئة؟
- نعم نسيم حميد هو الدليل الحي والأكثر وضوحاً على أن مشكلة معظم الرياضات ليست في الموهبة بل في البيئة، والكثير من الملاكمين اليمنيين ظهروا في دول أجنبية، مثل البطل الأولمبي جلال اليافعي والحاصل على الميدالية الذهبية في طوكيو، وشقيقيه أبطال في WBA أقوى منظمة احترافية.
 إلى أي مدى يشعر اللاعب اليمني اليوم أن نجاح نسيم حميد يمثّله ويعبّر عنه؟
- نسيم حميد يمثل حلمنا لكنه لا يعبر عن واقعنا هو دليل على أن الموهبة اليمنية قادرة على صنع العظمة لكنه أيضاً تذكير بأن عظمتنا لا تتحقق إلا إذا هاجرت مواهبنا، هذا الشعور المعقد هو ما يدفعه أحياناً للتمسك بالرياضة وأحياناً يُشعره بالإحباط.
 ما الرسالة التي تحب إيصالها للجيل الجديد من الملاكمين اليمنيين؟
- رسالتي أيها الأبطال الصغار نجوم اليمن القادمون، كلماتي لكم لا تأتي من موقع المدرب فقط بل من قلب لاعب عاش نفس أحلامكم وقف على نفس الحلبة وشعر بنفس الرهبة والأمل.
أتمنى لكم مستقبلا زاهرا، وكما علمني مدربي رحمة الله عليه كابتن طه البيضاني «التمرين هو البطل» فالاستمرار في التدريب يجعل منك بطلا كبيرا بإذن الله.