عادل بشر / لا ميديا -
فيما يبدو أن مراكز الأبحاث الأمريكية لن تتوقف عن دراسة الإخفاق الاستراتيجي للولايات المتحدة في البحر الأحمر، إبان خوض صنعاء المعركة ضد العدو الصهيوني إسناداً لغزة، فبعد مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وصنعاء مطلع أيار/ مايو 2025م، نشر مركز «ستيمسون» تقريراً مطولاً  كشف فيه كيف تحولت الحملة الأمريكية ضد اليمن إلى «درس استراتيجي» التقطته طهران بعناية، وهي تواجه اليوم واشنطن في مضيق هرمز.
التقرير الذي نشره المركز البحثي الأمريكي في 15 أيار/ مايو الجاري، بعنوان (ماذا علّم صراع البحر الأحمر بين الولايات المتحدة والحوثيين إيران؟) ينطلق من خلاصة صادمة للمؤسسة السياسية الأمريكية، تتمثل في أن الولايات المتحدة تدخل الحروب بأهداف كبرى، لكنها تخرج منها بأهداف أصغر مما بدأت به، بينما تخرج قوى المقاومة أكثر رسوخاً وقدرة على فرض الوقائع.
ويقول التقرير بوضوح إن «عملية الراكب الخشن» الأمريكية في البحر الأحمر، التي أُطلقت بزعم «حماية الملاحة الدولية» وإنهاء هجمات صنعاء، انتهت عملياً إلى مجرد ضمان عدم استهداف السفن الأمريكية، فيما بقيت صنعاء ممسكة بالبحر الأحمر سياسياً وعسكرياً.
ويضيف التقرير: «المهمة التي بدأت كحرية للملاحة انتهت كعملية لحماية السفن الأمريكية فقط، دون أي تغيير في السيطرة الحوثية الأساسية».
ويرى التقرير أن هذا التحول كشف نمطاً أمريكياً متكرراً «من لبنان إلى ليبيا»، حيث تبدأ واشنطن التدخلات بسقف مرتفع، ثم تنتهي إلى تسويات ضيقة تحفظ الحد الأدنى من مصالحها وتمنح خصومها فرصة إعلان النصر.

فشل الهيمنة الأمريكية
وأوضح التقرير أنه في الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار بين واشنطن وصنعاء، تعاملت قوى محور المقاومة مع ذلك الاتفاق بوصفه انتصاراً استراتيجياً، خصوصاً بعدما اضطرت واشنطن لإنهاء عمليتها العسكرية دون تحقيق أهدافها المعلنة.
وأشار التقرير إلى تناول وسائل إعلام المحور لهذا الأمر، باعتبار أن ما حدث يُعد «فشلاً للهيمنة الأمريكية»، فيما تحدث محللون عن أن «صنعاء أعادت كتابة مفهوم الحرب البحرية».
وقال: «جاء وقف إطلاق النار فجأة، بعد أسابيع من الخطابات المتشددة حول توجيه ضربات قوية للحوثيين».
أما الصدمة الأكبر، وفقاً لذات التقرير، فكانت في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في اليوم التالي للهدنة، عندما أشاد بقدرات «الحوثيين» وقال إنهم «أظهروا قدراً كبيراً من الشجاعة».
ويعلق التقرير على تلك اللحظة بالقول: «في المسافة بين وقف إطلاق النار والاستسلام، بدا أن الولايات المتحدة هي التي تراجعت، لا الطرف الآخر»، مؤكداً بأن «أخطر ما حدث هو خروج صنعاء والحوثيين من المواجهة بسمعة أقوى»، وهو ما انعكس لاحقاً على نظرة المؤسسات الأمنية والسياسية الغربية إليهم. فحين بدأ العدوان الأمريكي «الإسرائيلي» على إيران أواخر شباط/ فبراير 2026م -وفقاً للتقرير- لم يعد السؤال السائد في الأوساط السياسية والبحرية والاستخباراتية الغربية و«الإسرائيلية»: هل ما يزال الحوثيون قادرين على إغلاق البحر الأحمر؟ بل أصبح: متى سيعودون إلى المعركة؟

واشنطن صنعت الأزمة ثم فاوضت للخروج منها
تقرير مركز «ستيمسون» يكشف، أيضاً، عن مفارقة لافتة، مؤكداً بأن الولايات المتحدة ساهمت بنفسها في خلق التهديد الذي ذهبت لمحاربته، موضحاً أنه قبل نشر حاملات الطائرات الأمريكية في البحر الأحمر، لم تكن واشنطن عنصراً مركزياً في صورة ما وصفه البيت الأبيض بـ»التهديد الحوثي»، لكن الإدارة الأمريكية حوّلت نفسها إلى هدف مباشر عبر التصعيد العسكري، ثم انتهت إلى هدنة تلتزم فيها صنعاء فقط بعدم ضرب الأهداف الأمريكية التي جاءت أصلاً لمهاجمتهم.
ويصف التقرير هذا المشهد بأنه «منطق دائري»، مضيفاً: «الهدنة لم تطلب أكثر من إزالة مشكلة ساهمت الولايات المتحدة نفسها في خلقها».
ويرى التقرير أن إيران التقطت هذا الدرس جيداً، وهي اليوم تتعامل مع أزمة مضيق هرمز وفق القناعة نفسها، أن واشنطن قد تمتلك التفوق الناري، لكنها لا تمتلك النفس الطويل سياسياً وعسكرياً، حيث يربط التقرير بين ما جرى في اليمن وما يجري اليوم في مضيق هرمز، معتبراً أن طهران تستند إلى تجربة البحر الأحمر في إدارة المواجهة الحالية.
فعلى الرغم من الضربات القاسية التي تعرضت لها إيران، بما فيها استهداف قيادات عليا ومنشآت حساسة، يؤكد التقرير أن الجمهورية الإسلامية ما تزال قادرة على فرض معادلة الردع في هرمز.
ويلفت التقرير إلى أن لغة واشنطن نفسها بدأت تتغير، فمن هدف «منع إيران من امتلاك سلاح نووي»، تراجعت الأولويات الأمريكية تدريجياً نحو مجرد «إعادة فتح المضيق، الذي أُغلق في المقام الأول بسبب التدخل الأمريكي الإسرائيلي»، في تكرار واضح -بحسب التقرير- للنمط الذي حدث في البحر الأحمر.
ويقول التقرير إن الإيرانيين يراقبون بعناية ارتفاع أسعار النفط، وتزايد السخط الأمريكي من الحرب، وصعوبة استمرار العمليات العسكرية، ليستنتجوا أن الولايات المتحدة «ستفقد إرادتها السياسية قبل أن تفقد إيران قدرتها المؤسسية».
وفيما يتعلق بهدف إسقاط النظام في إيران، يؤكد التقرير أن التجربة اليمنية أثبتت أن التدخلات الأمريكية لا تنتهي بتغيير الأنظمة، فصنعاء لم تسقط وكذلك طهران. وجل ما تصل إليه تلك التدخلات هو «الخروج باتفاقيات محدودة».