بشرى الغيلي / لا ميديا -
حين تطأ قدماك أسواق الأغنام في صنعاء هذه الأيام، تدرك سريعاً أنك أمام مشهد تختلط فيه وفرة الريف بقسوة الحياة، وتتصادم فيه قدسية العيد مع واقع اقتصادي أنهك الناس حتى العظم.. فمع اقتراب عيد الأضحى المبارك تتدفق إلى الأسواق قوافل المواشي القادمة من تهامة والأرياف اليمنية، محملة بخيرات الأرض وروائح القرى وأحلام المربين بموسم يعوضهم بعض خسائر السنوات الماضية؛ لكن المشهد داخل الأسواق لم يعد كما كان، الأسواق التي كانت تضج بالمساومات وضحكات المشترين، وأصوات الأطفال في منازلهم وهم يلتفون حول خروف العيد تحولت اليوم إلى ساحات صامتة يطغى عليها القلق والانكسار.. كثير من العائلات التي اعتادت تجهيز أماكن الأضاحي، وشراء العلف، ووضع الحناء على رؤوس الخراف، باتت اليوم تكتفي بالنظر من بعيد.. صحيفة (لا) تشاركت الهموم مع المواطنين وتجاذبت معهم أطراف الحديث من خلال جولة استطلاعية في الأسواق.

وفرة بلا مشترين
في سهول الحديدة وحجة وتعز وإب وذمار، تبدو مزارع المواشي هذا العام أكثر والعرض أكثر من المواسم الماضية.. المربون يتحدثون عن وفرة جيدة في الإنتاج المحلي، وعن موسم كانوا يأملون أن ينعش الأسواق ويحقق لهم عائداً يعوض تكاليف الأعلاف والنقل والتربية لكن هذه الآمال تتبدد فور وصول المواشي إلى أسواق صنعاء.
وأثناء تجول عدسة (لا) في سوق الغنم (المواشي) بشارع خولان، تصطف الأغنام والأبقار بأعداد كبيرة، فيما يقف الباعة لساعات طويلة بانتظار مشترين قلائل.. كثير ممن يدخلون السوق يكتفون بالسؤال عن الأسعار، ثم يغادرون بصمت بعدما يكتشفون أن الأضحية أصبحت أبعد من قدرتهم المالية.
حميد الشاوش، وهو أحد باعة المواشي يقول: «المواشي متوفرة بكثرة، لكن الناس لم تعد تملك القدرة على الشراء، أغلب من يأتون إلى السوق يسألون فقط، ثم يغادرون، وتبدأ أسعار الأغنام البلدية من نحو مائة وثلاثين ألف ريال، فيما تتجاوز بعض الأنواع حاجز المائتي ألف ريال، وهي أسعار تبدو صادمة بالنسبة لأسر فقدت مصادر دخلها أو تعيش على أنصاف رواتب لا تكفي أساساً لتوفير الغذاء اليومي، وتكاليف التربية ارتفعت بشكل مخيف، وحتى التاجر أصبح مهدداً بالخسارة».

غياب المستورد يضاعف الأزمة
اقتصادياً لم تكن الأسواق اليمنية تعتمد في مواسم الأعياد على المنتج المحلي فقط، بل كان الاستيراد من دول القرن الأفريقي يشكل عامل توازن مهماً يحد من ارتفاع الأسعار ويوفر خيارات مناسبة لذوي الدخل المحدود، لكن هذا التوازن اختفى تدريجياً.. فخلال السنوات الماضية، توقف استيراد المواشي نتيجة لحرص الجهات المختصة على الاكتفاء بالإنتاج المحلي وكذلك بسبب القيود وتعقيدات النقل وارتفاع تكاليف الشحن، ما أدى إلى اعتماد شبه كامل على المواشي البلدية الأعلى تكلفة.
عدنان التاج يتذكر مواسم سابقة كانت فيها الأسواق أكثر استقراراً، حيث يقول: «في السابق كانت تدخل آلاف الرؤوس من الصومال وجيبوتي والحبشة، وكانت الأسعار أخف على الناس، اليوم أصبح الاعتماد على البلدي فقط، وهذا ضاعف الأعباء على المواطن».
ويشير عاملون في السوق إلى أن غياب المنافسة الخارجية ساهم في ارتفاع الأسعار بصورة كبيرة، وجعل الأضحية أقرب إلى ترف موسمي بالنسبة لشريحة واسعة من اليمنيين.

الموظفون يخفون وجع العيد
داخل أحياء صنعاء وحارات المدن اليمنية تبدو المعاناة أكثر قسوة من أي أرقام اقتصادية. الموظفون الحكوميون الذين كانوا يمثلون الطبقة الوسطى في المجتمع، يعيش أغلبهم اليوم بلا مرتبات منتظمة، أو بأنصاف رواتب لا تكفي لتغطية أبسط الاحتياجات الأساسية.
صالح الريمي (موظف حكومي) يقول: «حتى لو استلم الموظف نصف راتب فلن يستطيع شراء أضحية.. المبلغ بالكاد يكفي للدقيق والزيت وبعض الاحتياجات الضرورية».
ويضيف الريمي: «قبل سنوات كانت الأضحية تُشترى بأقل من نصف راتب، أما اليوم فهي تحتاج إلى أكثر من راتب كامل».
أما فاطمة الحيمي التي تعيل أربعة أطفال فتصف معاناتها مع اقتراب العيد: «أطفالي يسألونني كل يوم عن الأضحية بعدما يسمعون الأطفال الآخرين يتحدثون عنها.. أحاول أن أخفي حزني أمامهم، لكنني بالكاد أستطيع شراء القليل من اللحم».
وتضيف الحيمي: «لم نعد نبحث عن الأضحية، بل عن أي شيء يجعل الأطفال يشعرون أن العيد ما زال موجوداً».

حلول لإنقاذ العيد
أمام هذا الواقع الصعب، بدأت العائلات اليمنية بابتكار وسائل جديدة للتكيف مع الواقع والحفاظ على ما تبقى من طقوس العيد.. في الكثير من الأحياء لجأت الأسر إلى فكرة الاشتراك في الأضحية، حيث تتشارك عدة عائلات في شراء خروف ولو لم يجزئ دينيا، بحسب مفتي الديار اليمنية، رئيس رابطة علماء اليمن العلامة شمس الدين شرف الدين في جوابه على سؤال «لا» بعدم جواز الاشتراك في ثمن أضحية الماعز أو الضأن (الخروف) من حيث الأضحية.. فالأصل أن الشاة (ماعز أو ضأن) تكفي عن الرجل وأهل بيته فقط، أما الاشتراك في الثمن فلا يجزئ إلا في الإبل والبقر حيث يجوز اشتراك حتى سبعة بيوت في البقرة أو البدنة، ومع هذا الناس يتشاركون.
حمزة الوصابي يقول: «كنا نعتبر شراء الأضحية لكل بيت أمراً ثابتاً مهما كانت الظروف، لكن الأسعار اليوم أصبحت فوق طاقة الجميع».
ويضيف الوصابي: «الناس بدأت تتشارك في الأضحية لأن شراء خروف كامل صار أمراً شبه مستحيل».
وفي المقابل، برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في الإقبال على ذبح إناث المواشي بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالذكور، وفي هذا السياق حذرت الطبيبة البيطرية انتصار عبدالله من خطورة استمرار هذه الظاهرة، مؤكدة أن ذبح الإناث يهدد مستقبل الثروة الحيوانية في اليمن.
وأضافت: «إناث المواشي تمثل أساس عملية التكاثر والحفاظ على السلالات المحلية، واستمرار ذبحها سيؤدي مستقبلاً إلى تراجع أعداد المواشي، وارتفاع أسعار اللحوم بصورة أكبر، وحماية الإناث المنتجة لم تعد قضية بيطرية فقط، بل قضية أمن غذائي واقتصادي وطني».

مبادرات خيرية
ورغم قتامة المشهد لا تزال المبادرات المجتمعية والخيرية تحاول الحفاظ على شيء من فرحة العيد داخل البيوت الفقيرة.. مازن عبدالله (دلال مواشٍ) يوضح لـ(لا) أن عدداً من التجار والجمعيات الخيرية يشترون أضاحي لتوزيع لحومها على الأسر المحتاجة خلال أيام العيد.
ويضيف عبدالله: «ما يزال الخير موجوداً بين الناس، وهناك من يحاول إدخال الفرحة إلى بيوت الفقراء بعيداً عن الإعلام».. كما أعلنت جهات رسمية وخيرية عن مشاريع لتوزيع لحوم الأضاحي على الأسر الأشد فقراً، إلى جانب تشديد الرقابة الصحية على الأسواق والمسالخ عبر فرق بيطرية ومفتشين صحيين.
 
مفارقة موجعة
الأضحية أصبحت مرآة تعكس حجم الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المواطنون. بين أسواق ممتلئة بالمواشي، وبيوت عاجزة عن الشراء، تتجسد مفارقة موجعة تختصر حال بلد أنهكته الأزمات الطويلة.. ورغم ذلك يواصل اليمنيون البحث عن أي نافذة صغيرة للفرح، ولو عبر اشتراك بسيط في أضحية، أو قطعة لحم تصل من مبادرة خيرية، أو محاولة أم لإقناع أطفالها بأن العيد ما زال قادراً على منحهم شيئاً من البهجة.