في ظل «حرب بيولوجية» تستهدف اليمن.. «لا» تكشف تفاقم مشكلة بذور البطاطس الملوثة في ذمار
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
عادل بشر / لا ميديا -
لم تعد قضية شحنة بذور البطاطس المستوردة المصابة بمرض «العفن البني» مجرد خرق خطير لإجراءات الحجر النباتي، كما كشفت (لا) في تقريرها العدد (1847) بتاريخ 27 نيسان/ أبريل الفائت، وإنما تحولت -وفق وثائق رسمية وبيانات حديثة حصلت عليها الصحيفة-إلى كارثة مفتوحة تتفاقم يومًا بعد آخر، وسط استمرار التجاهل، وتسرب أجزاء من الشحنة إلى جهات ومواقع غير معروفة.
التقرير السابق تناول كيف جرى نقل الشحنة المصابة، التي يبلغ وزنها 139 طنًا، من منفذ عفار الجمركي في محافظة البيضاء، بعد ثبوت إصابتها بمرض حجري خطير، إلى محافظة ذمار، وتسليمها إلى معمل لإنتاج السماد العضوي، في خطوة أثارت حينها تحذيرات واسعة من كارثة زراعية وبيئية. لكن ما تكشفه الوثائق الجديدة يذهب أبعد من ذلك. فالشحنة لم تعد تحت السيطرة الكاملة، في وقت تؤكد فيه جهات رسمية وفنية أن الإجراءات المتخذة «باطلة وخطرة»، وأن ما يحدث قد يقود إلى تلوث واسع النطاق للتربة والمياه، يهدد الأمن الغذائي الوطني لعقود.
استمرار الخطر
في واحدة من أخطر الوثائق، وجهت الهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي، التابعة لوزارة الصحة والبيئة، مذكرة رسمية بتاريخ 4 أيار/ مايو 2026، إلى القائم بأعمال وزير الزراعة، طالبت فيها بإيقاف عاجل لكل ما يتعلق بالشحنة. وتؤكد الهيئة في مذكرتها، بشكل قاطع، أن ما يجري يمثل خرقًا صريحًا للقانون، حيث جاء فيها أن «الموافقة على استيراد وتمرير شحنة مصابة بمرض حجري والسماح بدخولها الأراضي اليمنية يُعد مخالفة صريحة لأحكام المادة (22) من قانون حماية البيئة»، وهو نص قانوني يحظر استخدام البيئة اليمنية لإلقاء أو تجميع أو دفن ملوثات تضر بالموارد الطبيعية أو الكائنات الحية.
ولا تقف خطورة هذه المذكرة عند الإطار القانوني، وإنما تمتد إلى تقييم فني شديد اللهجة، إذ تحذر الهيئة من أن بكتيريا العفن البني «تُعد من أخطر مسببات الأمراض النباتية، نظراً لقدرتها على البقاء في التربة والمياه لفترات طويلة وصعوبة استئصالها بعد انتشارها»، مضيفة أن تسليم هذه الشحنة إلى معمل لإنتاج السماد العضوي «يمثل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي الوطني، وينذر بتلوث واسع النطاق للتربة الزراعية والموارد المائية». وتذهب الهيئة أبعد من ذلك حين تؤكد أن تحويل الشحنة إلى سماد «إجراء غير سليم فنياً ويُشكل خطراً بيئياً جسيماً»، لأن «عمليات التسميد لا تضمن القضاء على المسبب المرضي، بل قد تؤدي إلى إعادة نشره عبر التربة الزراعية».
الأهم في هذه الوثيقة أنها لا تكتفي بالتحذير، وإنما تكشف عن خلل مؤسسي عميق، حين تشدد على أن إجراءات إتلاف المواد الخطرة «تندرج ضمن اختصاصها الحصري، وتتم وفق ضوابط ومعايير فنية معتمدة تضمن عدم حدوث أي تلوث ثانوي واضرار بالموارد الطبيعية»، ما يعني أن ما جرى يمثل تجاوزًا واضحًا لصلاحياتها، وخرقًا للإطار المؤسسي المنظم للعمل البيئي في البلاد.
وطالبت الهيئة بـ«الإيقاف الفوري لكافة أعمال النقل أو التوزيع أو المعالجة أو التحويل المتعلقة بهذه الشحنة، والتحفظ الكامل على الكمية المتبقية، وتمكين فرق الهيئة من الإشراف المباشر على إجراءات النقل والتخزين والإتلاف الآمن وفقاً للمعايير البيئية المعتمدة، وموافاة الهيئة بكامل الوثائق المتعلقة بعملية الاستيراد وتصاريح الدخول وشهادات الفحص والتقارير المخبرية والإجراءات المتخذة، خلال 48 ساعة».
تحذيرات مبكرة
قبل مذكرة الهيئة، كانت الشركة العامة لإنتاج بذور البطاطس، التابعة لوزارة الزراعة، قد دقت ناقوس الخطر مبكرًا، في مذكرة رسمية بتاريخ 26 نيسان/ أبريل، وصفت فيها ما يجري بأنه: «كارثة بيئية تهدد الأمن الغذائي الوطني».
وأكدت الشركة في مذكرتها المرفوعة إلى القائم بأعمال وزير الزاعة، أن نقل الشحنة المصابة (139 طنا) إلى ذمار وتحويلها إلى سماد عضوي «إجراء كارثي بكل المقاييس، ويستوجب التدخل الفوري دون أي تأخير».
وتلفت الشركة إلى أن مرض العفن البني يُعد من أخطر الأمراض الحجرية عالميًا، نظرًا لقدراته العالية على الانتشار والبقاء في التربة لسنوات طويلة، وتشدد على أن الإجراءات المتبعة عالميًا «حتى في حال الاشتباه فقط، تقوم على التحريز الفوري للشحنة وعزلها ومنع تداولها أو إعادة استخدامها تحت أي ظروف».
لكن ما حدث، كما تكشفه الوقائع، كان عكس ذلك تمامًا، حيث جرى نقل الشحنة وتفريغها والتعامل معها كمدخل إنتاج، في بيئة زراعية مفتوحة.
تسرب الشحنة.. الخطر يخرج عن السيطرة
التطور الأخطر، والذي ينقل القضية إلى مستوى جديد تمامًا، جاء في بيان عضو مجلس الشورى الشيخ صادق أبو شوارب، الذي أكد أن «الشحنة ليست بكاملها في موقع واحد، وأن جزءًا منها تسرب إلى أماكن غير معروفة».
هذا المعطى -إن ثبت فعلاً- يرفع مستوى الخطر إلى حد غير مسبوق، إذ يعني أن مادة ملوثة بمرض حجري خطير لم تعد تحت السيطرة الكاملة، وأن احتمالات انتشارها باتت مفتوحة.
أبو شوارب، الذي أعلن إضرابًا عن الطعام احتجاجًا على ما وصفه بـ«جريمة إدخال شحنات موبوءة بطاعون التربة»، حذر من أن هذا المرض قد يؤدي إلى «تدمير التربة وإصابة أكثر من 200 محصول تنتمي لأكثر من 50 عائلة نباتية»، وأن آثاره قد تمتد لأكثر من عشرين عامًا. وفي بيان لاحق له، أكد أن الجهات المختصة لم تكلف حتى صدور البيان في 3 أيار/ مايو، فرق الوقاية والحجر بالنزول إلى منطقة يفاع لتطهيرها، رغم دخول موسم الأمطار، الذي قد يسهم في تسريع انتشار المرض، مشددًا على أن «الكمية ليست بكاملها في هذا المكان، وهذه جريمة كبيرة».
يفاع.. من موقع إكثار إلى بؤرة تلوث
الصورة على الأرض تبدو أكثر قتامة مما تكشفه الوثائق الرسمية وحدها. ففي بيان صادر عن إدارة ونقابة موظفي الشركة العامة لإنتاج بذور البطاطس، بتاريخ 4 أيار/ مايو، يتم التأكيد على أن الشحنة المصابة وُضعت «وسط الأراضي الزراعية والحي السكني في منطقة وادي يفاع بمحافظة ذمار»، وهو ما أدى، بحسب البيان، إلى «تلوث التربة بالمرض»، محذرين من أن هطول الأمطار قد يسهل انتشاره إلى مساحات أوسع، بما يشكل «ضررًا بالغًا على الاقتصاد الوطني والأمن الغذائي».
ولا يخفي البيان حجم الغضب داخل الأوساط الفنية، إذ يندد بما وصفه بـ«التجاوزات والمخالفات» في التعامل مع الشحنة، ويؤكد أن ما جرى يمثل «تعديًا واضحًا على دور مؤسسات وزارة الزراعة وأجهزتها الفنية»، ويعكس «حالة من العشوائية والتدخلات غير المسؤولة».
في السياق ذاته، عبّر كبار مكاثري بذور البطاطس في الجمهورية اليمنية، في بيان ومناشدة موجهة إلى السيد القائد، عن قلق بالغ من استمرار الوضع، مؤكدين أن نقل الشحنة إلى موقع زراعي محاط بحقول واسعة «يمثل خطرًا مباشرًا وخطيرًا»، وأن استمرار التعامل بهذه الطريقة «إجراء كارثي بكل المقاييس». ويشدد البيان على أن هذا الملف «لا يحتمل التهاون أو الاجتهاد»، نظرًا لما قد يترتب عليه من آثار طويلة المدى على الثروة الزراعية والأمن الغذائي، مطالبين بإعادة تحريز الشحنة وإتلافها وفق الإجراءات المعتمدة، قبل أن تتحول إلى كارثة لا يمكن احتواؤها.
كما ناشدوا السيد القائد بالتوجيه للجهات المعنية وذات الاختصاص بفتح أسواق خارجية لتصدير بذور البطاطس المنتجة محلياً عبر الشركة العامة لإنتاج بذور البطاطس، وبجودة تنافس المنتج الخارجي، نظراً لوجود كميات فائضة لديهم، تُقدر بـ(2000 طن) وبما يوازي 6 ملايين درينة، كحد أدنى.
الحرب البيولوجية.. الوجه الصامت
في خضم هذه المعطيات، يبرز بُعد أكثر خطورة، أشار إليه بوضوح بيان عضو مجلس الشورى صادق أبو شوارب، يتمثل في اعتبار ما يحدث جزءًا من «حرب بيولوجية» تستهدف اليمن. سواء كان ذلك عبر إدخال شحنات ملوثة، أو تسهيل انتشارها داخليًا، أو إضعاف منظومة الحماية الزراعية. فإن النتيجة واحدة، وهي «ضرب التربة، وتدمير الإنتاج الزراعي، وإعادة البلاد إلى الاعتماد على الاستيراد».
وهو ما يتقاطع بشكل مباشر مع ما حذر منه خبراء في التقرير السابق لـ»لا»، حين أكدوا أن تلوث ذمار، كمركز إكثار، يعني «انهيار مشروع الاكتفاء الذاتي من بذور البطاطس».
وفي بلد يخوض معارك متعددة، قد تكون هذه واحدة من أخطرها… لأنها لا تُرى بالعين المجردة، لكنها، إن تُركت، قد تُصيب كل شيء.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا