دمشق - خاص / لا ميديا -
تطورات وتغيرات كثيرة شهدتها المنطقة، وضعت المقاومة اللبنانية، أمام توازنات وأوضاع جيوسياسية مختلفة كثيراً عما كان في السابق، أهمها التغيير الدراماتيكي الذي حصل في سورية، والذي نقلها من ضفة إلى أخرى، وغير موازين القوى في المنطقة، ثم العدوان الأمريكي -«الإسرائيلي» على إيران، والعدوان «الإسرائيلي» على لبنان.
تغيرات تفرضها قوانين الجغرافيا، وبات على المقاومة اللبنانية، أن تقرأها وفق هذه القواعد والتحديات، فكيف تبدو الصورة الآن؟
سورية التي كانت عمود حلف المقاومة، والعمق الاستراتيجي للمقاومة اللبنانية، باتت اليوم في ضفة أخرى، ليست على وفاق معها، وتتهمها السلطة الجديدة (سلطة الجولاني) في دمشق، بأنها «كانت السند الرئيسي للنظام السابق»، وبأنها «ساهمت في قتل الشعب السوري».
كما كان واضحاً، أن السلطة الجديدة في دمشق، أظهرت منذ الأيام الأولى لها في الحكم، أن لها لغة جديدة في التعامل مع الكيان «الإسرائيلي»، مختلفة كلياً عن اللغة التي كانت سائدة قبل التغيير، وأن العلاقة تسير وفق لغة الأمر الواقع، وليس (الشعارات) -كما تقول السلطة الجديدة- وبات الإعلان عن اللقاءات بين الجانبين، وعلى مستويات عالية، علنيا بعدما كان من المحرمات.
كما أن طبيعة التغيير الذي حدث في دمشق، أوجد علاقات وولاءات جديدة للسلطة، مختلفة عن التي كانت سائدة قبل التغيير، وبما يجعل خياراتها مرتبطة بالقوى التي أوصلتها إلى السلطة، وهي على عداء مع المقاومة.
أخطر ما في هذه التطورات، أنها جاءت مترافقة مع «مشروع إسرائيلي» أعلنه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، من على منبر الأمم المتحدة، وفيه العودة إلى «مشروع إسرائيل الكبرى»، وبأنه سيغير خريطة المنطقة لصالح كيانه.
وسط هذه التطورات، كثرت المعلومات والتقارير الإخبارية والتسريبات، التي تتحدث عن إمكانية قيام السلطة الجديدة في دمشق، بعملية عسكرية ضد حزب الله، لتصفية الحساب معه، على دوره في الأحداث السورية قبل التغيير، أو توافقاً مع الاصطفاف الذي دخلته السلطة الجديدة، مع المنظومة المعادية للمقاومة اللبنانية، ووصل الأمر إلى حد الحديث عن سيناريوهات الدخول والتنفيذ، لكن على أرض الواقع، بدأ يتكشف بأن هذا الخيار ليس من السهل على الحكومة السورية دخوله، لأسباب عديدة منها:
- عدم موافقة العديد من الفصائل المسلحة، التي تتشكل منها السلطة الحالية، على الدخول في قتال مع حزب الله، رغم الخلاف معه.
- وجود مزاج شعبي كبير، في المجتمع السوري، يرفض الدخول في صدام مع المقاومة اللبنانية.
- فتح هكذا مواجهة، سيؤدي إلى فتح مواجهات أخرى، منها تهديد الحشد الشعبي العراقي، بالدخول إلى الأراضي السورية، في حال تم تنفيذ هكذا عملية.
- عدم وجود تشجيع على هذه الخطوة، من معظم الدول والقوى الإقليمية الفاعلة.
- أما العامل الأهم، الذي يجعل مثل هذه المواجهة صعبة، وفق الظروف الحالية، وهو أن العدوان الأمريكي -«الإسرائيلي» على إيران، فشل في تحقيق أهدافه، رغم الخسائر الكبيرة، التي أوقعتها هذه الحرب في إيران، وربط إيران الملف اللبناني، بأي مفاوضات لوقف القتال.
مجمل هذه التطورات، ستجعل من الصعب تنفيذ مواجهة عسكرية، بين فصائل سورية والمقاومة اللبنانية، خاصة وأن الأوضاع باتت تؤكد أن خيار العودة إلى استئناف العدوان الأمريكي -«الإسرائيلي» على إيران، بات خياراً صعباً، لأسباب عسكرية، وبسبب انتهاء المهلة التي يجيزها الدستور الأمريكي، للرئيس بالقيام بعملية عسكرية، بدون موافقة الكونغرس، والمحددة بستين يوماً، وبات يتحتم على الرئيس أخذ موافقة الكونغرس، وهو من الصعب تأمينه اليوم، خاصة بعد التحذيرات التي أطلقها العديد من جنرالات البنتاغون، الذين تمت إقالتهم، من العودة إلى القتال، أو الدخول في مواجهة برية، لأن النتائج غير مضمونة.
وعلى الجانب «الإسرائيلي»، الذي يبدو المتضرر الأكبر من وقف العدوان على إيران، بدون تحقيق الأهداف، بسبب التداعيات الكبيرة التي سيؤدي إليها هذا الفشل، فيحاول قادة الكيان، استغلال الفترة بين وقف القتال، والتوصل إلى اتفاقات على شروط وقف القتال، لتكريس واقع على الأرض، في جنوب لبنان، حيث بيئة المقاومة، ومسرح عملياتها، عن طريق فرض السيطرة على المنطقة، وتدمير القرى والمزارع فيها، لمنع السكان من العودة إليها، وتم الكشف عن خط أصفر، شبيه بالشريط الحدودي السابق، ودويلة العميل أنطوان لحد، وقبل الانسحاب «الإسرائيلي» من لبنان، ويمتد هذه المرة ليشمل أجزاء من الأراضي السورية المحتلة.
هذه المخططات «الإسرائيلية»، تفرض على المقاومة اللبنانية، التعامل مع واقع جديد، لم تكن تتوقعه إلى فترة قريبة مضت، وهو ما يؤكد أنها ستعود من جديد، لكي تخوض حرب استنزاف، تكسر واقع الاحتلال، وتمنع فرض واقع احتلالي جديد.
وهذا الإجراء، يأتي في سياق مشابه لما آلت إليه الأوضاع في قطاع غزة، حيث تم التوصل إلى وقف إطلاق نار برعاية أمريكية، إلا أن «الجيش الإسرائيلي» لم يلتزم به فعليًا على الأرض.
التعامل مع هذا الواقع الجديد، لن يكون عبر المسارات الدبلوماسية فقط، بل سيتحدد من خلال موازين القوة على الأرض، حيث يشكل الخط الأصفر تهديدًا وجوديًا، على لبنان والمقاومة، وهو ما يجعل من خيار «حرب الاستنزاف الذكية» الخيار الوحيد المتاح، للتعامل مع هذا الواقع، بهدف رفع تكلفة الوجود «الإسرائيلي» بشريًا واقتصاديًا، بما قد يجبر المجتمع الدولي لاحقًا، على التدخل لإعادة التوازن، وضمان السيادة اللبنانية.
هذا الواقع، ربما يكون فاتحة لمواجهة قد تمتد لفترة طويلة، وحسم هذا الصراع لن يختلف كثيراً عن القواعد التي تحسم المواجهة الأمريكية -«الإسرائيلية» في مضيق هرمز، والذي لن يكون وفق حسابات القوة العسكرية فقط، وإنما في القدرة على الصمود، وخوض حرب استنزاف طويلة، وهو ما يعطي المقاومة أفضلية على العدو «الإسرائيلي»، الذي بات منهكاً من معارك يخوضها منذ «طوفان الأقصى»، والتي تتم وفق قواعد مختلفة عن عقيدته العسكرية، القائمة على خوض حرب قصيرة، وفي أراضي العدو، وفرض وقف إطلاق النار وفق شروطه.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو لبنان والمقاومة اليوم، أمام تحد كبير، يجعل لبنان وعموم المنطقة، على أعتاب مرحلة جديدة من الصراعات غير التقليدية، حيث تتداخل الحروب الدبلوماسية والعسكرية، مع الاستراتيجيات الذكية، ويصبح الصمود، وإدارة الموارد، عاملين حاسمين في تحديد ملامح النصر، بعيدًا عن المفاهيم الكلاسيكية للحروب، وعلى ضوء نتائج هذا الصراع، سترسم الخرائط الجيوسياسية الجديدة للمنطقة.