«لا» 21 السياسي -
بين ثقب الـ40 قدماً الذي أحدثه قارب الألياف الزجاجية في خاصرة المدمرة «يو إس إس كول» عام 2000، وبين الحصار الخانق الذي تفرضه طهران وصنعاء اليوم على شرايين العالم البحرية، ربع قرنٍ من الدروس القاسية التي يبدو أن واشنطن لم تستوعبها بعد.
فالصحافة الأمريكية («نيويورك تايمز»، «وول ستريت جورنال») تستعيد ذكرى الهجوم على «كول» في ميناء عدن، لا من باب التاريخ، بل من باب الرعب الوجودي. فالهجوم الذي نفذه رجلان بقارب بدائي كاد أن يُغرق مدمرة تبلغ قيمتها 789 مليون دولار، كان نقطة تحول دفعت البنتاغون لتطوير دفاعات «هيب بوكيت» وإضافة أسلحة آلية ومروحيات «سيهوك» متطورة.
لكن المفارقة الساخرة تكمن في أن كل تلك الترسانة المحدثة تقف اليوم عاجزة أمام أسراب المسيّرات والزوارق الانتحارية في مضيق هرمز. فكما يقول المحلل برايان كلارك، إن مواجهة 40 زورقاً مسيّراً في مساحات ضيقة تجعل التكنولوجيا الأمريكية مجرد أهداف عائمة؛ إذ يكفي أن يتسلل واحد منها ليصنع «كول» جديدة، وهو ما أثبته الأوكرانيون بإغراق مفخرة الأسطول الروسي «موسكفا» بمزيج من الصواريخ والمسيّرات.
وفي قلب المواجهة المفتوحة، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل صار منصة إعدام للهيمنة الأمريكية. فقرار ترامب محاصرة الموانئ الإيرانية فجّر معادلة التوازن لا الاستسلام؛ إذ أعادت طهران إغلاق المضيق، معلنةً بوضوح: «لا ملاحة لأحد ما لم تضمن واشنطن حرية الملاحة الكاملة لإيران».
الجديد في المشهد هو دخول صنعاء كلاعب محوري أربك حسابات وول ستريت. فالمعادلة الإيرانية اليوم لم تعد محلية، بل أصبحت «عالمية الممرات». فالتلويح بإغلاق باب المندب بالتنسيق مع صنعاء حوّل الحرب من مواجهة إقليمية إلى خنق للاقتصاد الدولي، ما أجبر واشنطن على الهرولة نحو هدنة الأسبوعين، والمفاوضات تحت وطأة أسعار الطاقة، التي لن تعود لتوازنها قبل العام 2030، بحسب «فايننشال تايمز».
وفي حين تستميت واشنطن وأدواتها الإقليمية لتحويل جزيرة ميون إلى مخفر استخباري متقدم يراقب «خرم الإبرة» اليمني، تدرك إدارة ترامب أن السيطرة على ضفة واحدة لم تعد تكفي لترويض «بوابة الدموع». لذا، يأتي الزحف الدبلوماسي الأمريكي نحو إريتريا، كاعتراف ضمني بفشل القواعد العائمة في تأمين الملاحة.
إن محاولة «إخراج إريتريا من عزلتها» هي محاولة أمريكية بائسة لخلق ضفة مضادة للضفة اليمنية السيادية. فواشنطن، التي فقدت السيطرة على الساحل الشرقي للبحر الأحمر بفعل الصواريخ اليمنية، تهرع الآن لترميم علاقتها بـ«كوريا الشمالية الأفريقية» - كما وصفتها «وول ستريت جورنال»، بحثاً عن موطئ قدم يؤمن لها الحد الأدنى من الرقابة. إنها لعبة المضائق، التي لم تعد تُدار من غرف البنتاغون، بل من خنادق السيادة؛ حيث تكتشف أمريكا متأخرة أن تحصين إريتريا لن يغلق «خرم الإبرة» في ميون، طالما أن أهل الأرض قد أحكموا قبضتهم على الضفتين.
ففي تطور لافت، دخل الصومال على الخط بقرار «سيادي» يحظر مرور السفن الصهيونية، رداً على تحركات الاحتلال في «أرض الصومال». ورغم التهوين الغربي، إلا أن «رأس المال جبان»؛ فمجرد التهديد يرفع كلفة التأمين ويجبر الشركات على الفرار، خاصة مع وجود ظهير يمني أعلن بوضوح استعداد اليمن لدعم الصومال ووضع أي وجود «إسرائيلي» كهدف عسكري مشروع.
هكذا، وبينما تنشغل أنظمة المنبطحين (السعودية والإمارات) بحروب الوكالة في السودان وتمويل المشاريع الصهيونية نكاية بعضهم ببعض، تبرز قوة محور المقاومة كلاعب دولي يفرض معادلاته بالحديد والنار والسيادة. إنها الحرب التي أعادت تعريف القوة؛ فلم تعد تقاس بعدد الطائرات، بل بالقدرة على «إغلاق المحبس» وتدويل الأزمة. ومن عدن عام 2000 إلى هرمز وباب المندب اليوم، تبقى الحقيقة واحدة: الأساطيل التي تهددنا لن تجد سوى الثقوب والغرق.