عادل بشر / لا ميديا -
نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية تقريراً أكدت فيه أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة و»إسرائيل» ضد إيران دخلت مرحلة معقدة، بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها الأساسية، وعلى رأسها إجبار طهران على تفكيك برنامجها النووي، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تراجع الموقف الأمريكي ميدانيا وسياسيا.
التقرير الذي بعنوان (حرب التراجع: كيف قصف ترامب الولايات المتحدة ووضعها في موقف أسوأ مع إيران)، أوضح بأن «الحرب التي كان من المفترض أن تستمر أربعة أيام فقط، تحولت إلى صراع ممتد كلف الولايات المتحدة ما بين 30 إلى 40 مليار دولار حتى الآن، في حين تتحمل إسرائيل نحو 300 مليون دولار يومياً، دون أن تنجح هذه العمليات العسكرية في فرض الشروط الأمريكية التي تم تقديمها لإيران في أيار/ مايو 2025 والمكونة من 15 نقطة».
وأشارت الصحيفة إلى أن واشنطن أصبحت اليوم أبعد عن التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع طهران مقارنة بما كانت عليه قبل العدوان، وهو ما يعكس فشل الاستراتيجية الأمريكية في تحقيق أهدافها المعلنة.
وأضافت بأن الحرب «لم تفشل فقط في إقناع إيران بالموافقة على تفكيك برنامجها النووي، بل إن واشنطن مضطرة الآن للتفاوض لإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي ظل مفتوحًا منذ اختراع المركب الشراعي، باستثناء حرب ناقلات النفط القصيرة في الثمانينيات بين إيران والعراق».
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن الخطر لا يكمن فقط في الهجمات المباشرة، بل في حالة القلق التي تسيطر على شركات التأمين ومالكي السفن، بسبب احتمالية تعرض الناقلات لإطلاق نار، وهو ما أدى إلى تراجع حركة العبور عبر المضيق بشكل حاد.
كما لفت التقرير إلى أن إيران بدأت في استغلال موقعها الجغرافي عبر إنشاء آلية تتيح للسفن التفاوض على رسوم عبور، في خطوة قد تحول المضيق إلى مصدر دخل اقتصادي كبير، حيث تشير تقديرات إلى إمكانية تحقيق عائدات تصل إلى 80 مليار دولار سنويًا، في حال تطبيق هذه السياسات بشكل كامل.
وقالت الصحيفة: «لا عجب أن ترامب يتخبط في حيرة من أمره. فالولايات المتحدة، بالتعاون مع إسرائيل، تواصل قصف إيران، لكنه أجّل مرتين موعد الضربات التي هدد بها على محطات الطاقة المدنية الإيرانية، وهو عمل يُعد جريمة حرب. ويصرّ على أن إيران قد هُزمت، بينما تتصرف إيران وكأنها لم تُهزم».
وأشارت إلى أن ذلك «يعود جزئياً إلى أن هذا الصراع لا يقتصر على مراكز القيادة فحسب، بل يمتد إلى قاعات التداول، حيث يُعد سعر النفط، إلى جانب مخزون إيران المتبقي من منصات إطلاق الصواريخ، المؤشر الرئيسي لنجاحها. ونتيجةً لذلك، لا تزال 95٪ من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز مغلقة، مما يحرم الأسواق من 10 إلى 13 مليون برميل من النفط يومياً. وقد بلغت قبضة إيران حداً جعل ترامب يصف سماحها للسفن بالمرور بأنه هدية للولايات المتحدة».
على الصعيد العسكري والسياسي، أشارت الغارديان إلى وجود حالة من التباين في التصريحات الصادرة عن الإدارة الأمريكية، حيث يواصل الرئيس الأمريكي التأكيد على أن إيران تعرضت لهزيمة، في حين تشير الوقائع الميدانية إلى استمرار قدرة طهران على التأثير في مجريات الصراع.
وسخرت الصحيفة البريطانية من مزاعم ترامب قائلة: «يُقال إن ماري الأولى قالت: عندما أموت ويُفتح قبري، ستجدون كاليه في قلبي -في إشارة إلى خسارة الإنجليز المؤلمة لكاليه لصالح الفرنسيين في يناير 1558. أما بالنسبة لترامب، فقد تكون الكلمة هي هرمز، الممر المائي الذي انتهت فيه رئاسته. فمن الصعب العثور على معلق جاد، من أي جنسية أو تخصص، يعتقد أن التفوق في هذه الحرب حاليًا لصالح الولايات المتحدة».
ونقل التقرير عن مسؤولين وخبراء غربيين أن إيران أظهرت مرونة في إدارة الأزمة، من خلال توزيع قدراتها العسكرية واتخاذ قرارات مبكرة ساعدتها على الصمود، إضافة إلى قدرتها على نقل مركز الصراع إلى مضيق هرمز، ما منحها نفوذًا استراتيجيًا.
وفي هذا الإطار، قال أليكس يونغر، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطاني MI6، إن إيران «هي التي تمتلك اليد العليا في هذه المعركة». وأضاف: «الحقيقة هي أن الولايات المتحدة استهانت بالمهمة، وأعتقد أنها خسرت زمام المبادرة لصالح إيران».
من جانبها، قالت كبيرة المحللين لشؤون «إسرائيل» في مجموعة الأزمات الدولية «ميراف زونزين»: «يتضح جلياً أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا فقط الخاسرتين في هذه الحرب، بل إنها واحدة من أكبر الإخفاقات الاستراتيجية للغرب، ولها عواقب وخيمة على الجغرافيا السياسية الإقليمية والاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الثانية». وأضافت أن الولايات المتحدة بعيدة كل البعد عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية الأصلية، وأنها لم تُسفر إلا عن مشاكل جديدة.
وفي الداخل الأمريكي، أشار التقرير إلى تصاعد المخاوف من تداعيات الحرب على الوضع السياسي، خاصة في ظل تزايد الضغوط لإنهاء الصراع، مع قلق من تحوله إلى حرب طويلة الأمد قد تؤثر على مستقبل الإدارة الحالية.
كما تناول التقرير السيناريوهات المحتملة في المرحلة المقبلة، حيث رجّح خبراء أن إيران لن تستجيب للمطالب الأمريكية، بما في ذلك التخلي عن برنامجها النووي أو السيطرة على مضيق هرمز، ما يضع واشنطن أمام خيارات صعبة تتراوح بين التصعيد أو التراجع أو البحث عن تسوية تفاوضية مماثلة لتلك التي عرضتها إيران في مارس/ آذار.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن المجتمع الدولي لا يبدو مستعدًا لدعم أي تحرك عسكري واسع لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، موضحاً بأن «الأمم المتحدة لن تستخدام القوة لإعادة فتح المضيق، ولن تشارك أوروبا في ذلك، ولن تُؤيده مجموعة السبع».
ونقلت الغارديان عن أحد الدبلوماسيين الذين شاركوا مؤخراً في محادثات السلام أنه يخشى أنه إذا لم يجد ترامب مخرجاً، فسيلجأ إلى السلاح النووي.
وأضافت: «يشعر إميل هوكايم، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، بأن ترامب يريد تجنب حرب استنزاف طويلة ومطولة، لذا فإن البنتاغون يمنحه خيارات عالية المخاطر وعالية الاستثمار ذات تأثير محتمل كبير، كما لو أن ضربة كبيرة واحدة ستغير مسار الحرب، أو على الأقل تصورها، أي أن إيران تحتفظ بنفوذ استراتيجي من خلال تحديدها وتطوير سيطرتها على مركز ثقل الحرب، هرمز».
واختتمت الصحيفة البريطانية تعليقها على ذلك بالقول: «هذا يذكرنا بالوقت الذي كان فيه المحللون والمسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون يجادلون بأن عملية رفح في أيار/ مايو 2024 ستكون الضربة القاضية في حرب غزة. كيف سارت الأمور؟».