يواصل قائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، حديثه عن قصة موسى عليه السلام كما وردت في «سورة القصص»، مستلهماً منها مزيداً من الدروس العظيمة.
وفي محاضرته الرمضانية التاسعة عشرة، تحدث السيد القائد عما أولاه القرآن الكريم من أهمية للعمل، موضحاً أن موسى عليه السلام لم يأنف طبيعة العمل الذي عرضه عليه الشيخ الصالح في مدين، التي هاجر إليها فراراً من المخاطر التي أحدقت به في مصر الفراعنة.
وهنا يشير السيد القائد أيضاً إلى أهمية الهجرة في سبيل الله، فأرض الله واسعة، كما يوضح القرآن في غير موضع.
ويبيّن قائد الثورة أن هجرة موسى عليه السلام وعمله في مدين، كان ضمن تحركه العملي لتحقيق التدبير الإلهي الهادف إلى إنقاذ المستضعفين، والانتقام من الطغاة والمستكبرين.
وبعدما وصل موسى عليه السلام إلى هذه المرحلة من تحركه العملي، وفي طريق عودته إلى مصر، آنس ناراً، فأراد أن يأتي بخبر من هناك، أو يأتي منها بالدفء لأهله؛ ناداه الله تعالى نداء قدسياً: «إني أنا الله رب العالمين». وبيّن الله له، بحسب ما ذكر في موضع قرآني آخر، أن «وجئت على قَدَرٍ يا موسى»، ولقد كان قدره ذاك هو حمل رسالة الله تعالى بالبشرى إلى قومه، وبالتحذير والوعيد لفرعون وجنوده.


نص المحاضرة الرمضانية التاسعة عشرة لقائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي 19 رمضان 1447هـ/ 8 مارس 2026م:

أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.

أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:

السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

كنَّا في المحاضرة الماضية، تحدَّثنا عن الاتِّفاق الذي تمَّ بين نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" والشيخ الصالح في مدين، وما يترتب على ذلك الاتِّفاق من نتائج مهمة هيَّأها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لمصلحة موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، فيما يحتاج إليه في الاستقرار في مدين، حيث يتهيَّأ له الأمن والاطمئنان، وتتهيأ له من خلال ذلك الاتِّفاق في الاستئجار لمدِّةٍ من الزمن، ما بين ثمان إلى عشر سنوات، بحسب أي الأجلين، وما يترتب على ذلك في واقعه هو بالنسبة لموسى من استقرارٍ معيشيٍ، توفَّرت له الزوجة، والسكن، والعمل، ومتطلبات المعيشة... وغير ذلك، وفي مهمةٍ ومسؤوليةٍ لرعاية شؤون تلك الأسرة الكريمة.

تحدثنا عن بعضٍ من الدروس المتعلِّقة بهذا: فيما يتعلَّق بعمل موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" كأجير لتلك السنوات، وعن أهمية العمل، وأهمية السعي لكسب الحلال، والتربية القرآنية والإسلامية هي تربية على العمل، لا تقبل بالبطالة، والفراغ، والإهمال، والتسيُّب.

الإنسان المؤمن في واقعه الشخصي، والأُمَّة كأُمَّة بحاجة إلى العمل من جوانب كثيرة، العمل من الجانب الضروري فيه، لتوفير متطلبات الحياة، وللاستخلاف في الأرض، في إطار المفهوم المهم للاستخلاف في الأرض، في العمل فيها، وعمارتها وفق هدى الله، وتعليمات الله، والسعي في واقع الأُمَّة لأن تكون أُمَّةً قويةً، توفَّر المتطلَّبات اللازمة لقوتها، في إطار مهامها العظيمة كأُمَّة تتحرَّك لإقامة القسط، لإقامة دين الله، للجهاد في سبيل الله، وأيضاً في إقامة الدين نفسه، وعلاقته بالحياة في كل مجالاتها.

فالإنسان أصلاً خُلِقَ للعمل، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}[الملك:2]، يعني: دوره، حتَّى التهيئة، وحتَّى ما جعله الله من خصائص لهذا الإنسان، وما وهبه من طاقات وقدرات، كلها تهيئه للعمل، لأن يكون في عمل في هذه الحياة، بحسب الأدوار المختلفة للناس في المهام والأعمال، في تدبير الله الحكيم، حيث هيأهم على قاعدة التكامل فيما منحهم من طاقات، ومواهب، وقدرات، وقابليات في مسار هذه الحياة المتنوع، بحيث يتكامل الناس في مواهبهم، طاقاتهم، قدراتهم، مجالات أعمالهم... إلى غير ذلك.

فالإسلام يمقت حالة البطالة، وحالة الفراغ، والتسيب الاختيارية، التي يسير فيها الانسان من تلقاء نفسه كارهاً للعمل، لا يحمل الروح العملية، يتنصَّل عن مهامه في الحياة، التي تبنى عليها التزامات معيَّنة، بل ورد حتَّى في الحديث النبوي الشريف: ((كَفَى بِالمَرءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُول، أَوْ يَكُون عَيَالاً عَلَى النَّاسِ))، يعني: أن يفرِّط في مسؤوليته تجاه أسرته، وأن يتحوَّل هو- بسبب إهماله، بسبب كسله، بسبب تسيُّبه، بسبب نفوره من العمل، وانعدام الروح العملية لديه- إلى متَّكل على الناس، بعيداً عن ما يقوم به من دور تجاه نفسه، تجاه أسرته من حوله، تجاه من عليه مسؤولية تجاههم، موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" لم يأنف من طبيعة الأعمال والأنشطة التي سيقوم بها في إطار رعايته لتلك الأسرة.

وتحدَّثنا في المحاضرة السابقة عن أهمية الأعمال التي تحتاج إلى جهد بدني: أعمال زراعة، أعمال اهتمام بالثروة الحيوانية، أعمال صناعية... وعن السلبية الكبيرة التي تتعمَّم من خلال الروحية (روحية الكسل) لدى الكثير من الناس، الذين ينفرون من كلِّ الأعمال التي تحتاج إلى جهد بدني، ويتَّجهون فقط إلى الأعمال التي هي أعمال ذات طابع مكتبي وإداري، بعيداً عن أي جهد بدني، ولكن مثل هذا النوع من الأعمال لا يتَّسع للناس جميعاً، ولا يبني لوحده الحياة، يحتاج الناس إلى جهود عملية، وروحية عملية لتلك الجهود، تثمر نتائج في واقع الحياة من كل الجوانب، هذا من الدروس المهمة في قصة موسى "عَلَيْهِ السَّلَام".

نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" استفاد من هجرته تلك، في إطار تأهيله مع الحصول في تلك الهجرة على الأمن، ضمن التدبير الإلهي الحكيم، في مدين هناك أمن واطمئنان على حياته، خروج أيضاً من ضغط المخاطر والملاحقة التي كانت في مصر، خروج من ضغوط الوضع في مصر، بما يساعده على التَّأمُّل، على التفكير في ظروف هادئة ومستقرة، مع الوضع الذي كان قائماً في حالة المستضعفين في مصر، وهو يعيش في ذلك الجو، حالة ضاغطة، حالة مقلقة باستمرار، حالة مؤثِّرة بضغوطها على الوضع النفسي، الوضع الذهني، فالأجواء كانت مناسبة في إطار هجرته تلك في مدين للمزيد من تأهيله، وإعداده لمهمته الكبرى، الرسالية، المقدَّسة، العظيمة.

إضافةً إلى أنه من الممكن، خلال تلك المدَّة الزمنية التي أمضاها في مدين، أن يصنع الله بعض المتغيرات في مصر، المتغيرات التي تساعده مستقبلاً على أداء مهامه الرسالية، ومهمته العظيمة في إنقاذ أُمَّةٍ مستضعفة.

وهنا أيضاً نشير إلى أهمية الهجرة في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، هناك من الناس من ظروفهم تقتضي الهجرة، لا يتهيَّأ لهم في بلدانهم، أو في مناطقهم، أن يتحرَّكوا في إطار مهامهم الإيمانية، وأن يكونوا في وضعية الاستقامة، والطاعة لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بتمكُّنٍ من ذلك؛ نتيجةً للوضعية القائمة في مناطقهم وبلدانهم، من سيطرة الطغاة، والمجرمين، والظالمين، والمضلِّين، وقد تكون الوضعية وضعية استضعاف شديد، لا يتمكنون معها من التحرُّك، لا يتمكنون معها من القيام بشيءٍ فعَّال، له تأثيره، له نتيجته، فالحل في مثل هذه الحالة هو الهجرة، إلى الأماكن التي يتهيأ لهم فيها أن يكونوا في إطار وضعيةٍ يتمكنون فيها من الطاعة لله، من الاستقامة على أساس هدى الله، من الاستجابة لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

ولهذا يأتي حتَّى في القرآن الكريم: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}[النساء:100]، إضافةً إلى أنَّ الهجرة نفسها هي تأتي دائماً في القرآن الكريم، أو في أغلب الأحوال، إن لم يكن هناك حالات استثنائية، مثل: حالة موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، حالة مؤقَّتة، لكن هناك في الأغلب تأتي الهجرة في إطار تكوين أُمَّة، تجتمع في منطقة مهيأة، في بيئة حاضنة، وتسعى من خلال اجتماعها لتكوين قوَّة، تعمل للتحرك كأُمَّةٍ مؤمنةٍ مجاهدةٍ، تنهض بمهامها المقدَّسة والعظيمة، فتكون المسألة لها أيضاً هذه الإيجابية الكبرى، التي تسهم في تكوين مجتمعٍ مؤمن، كما حصل في هجرة الرسول محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم" من مكَّة إلى المدينة، هجرة نتج عنها بناء أُمَّة، وتكوين مجتمع في بيئة حاضنة، مناصرة للرسالة الإلهية، ثم نشأ عن ذلك نتائج كبرى في إقامة دين الله، وانتصار أمر الإسلامي العظيم.

ولهذا يأتي في القرآن الكريم الآيات الكثيرة، منها قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}[العنكبوت:56]؛ لأن البعض- مثلاً- قد يكون في وضعية يعيش فيها حالة القهر والاستعباد لغير الله، يصل به الحال في الوضعية التي هو فيها- مثلاً- في منطقته أو في بلده، في حالة صعبة جداً، حيث يسيطر الطغاة، الظالمون، الجائرون، المضلُّون، المفسدون، الذين يرغمونه على الخنوع للباطل، وعلى الخضوع لأمر الطاغوت، فوق أمر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وقد يكون البعض مِمَّن تتهيَّأ له مع ذلك فرصة الانتقال إلى مكانٍ آخر، يختلف فيه الحال، يتهيَّأ له فيه التَّوَجُّه إلى الله بالطاعة والعبادة، والتَّحَرُّر من تلك الوضعية.

وقد أتى في القرآن الكريم العذر للنوعية التي لا يتهيأ لها أصلاً الانتقال من وضعيةٍ كتلك، أتى في الآية القرآنية المباركة، التي تحدَّثنا عنها سابقاً: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ}[النساء:98-99]، يعني: لهم عذرهم عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

أيضاً في قول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ}[الزمر:10]، نجد هنا هذا التعبير: {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ}، في الآية السابقة: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ}[العنكبوت:56]، يعني: قد وسَّع الله الأرض، ليست المسألة منحصرة في تلك المنطقة، أو ذلك البلد الذي يعيش فيه الإنسان وضعية استضعاف واستعباد من دون الله، {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}[الزمر:10]؛ لأن المسألة قد تتطلَّب حالة من الصبر للهجرة، والانتقال إلى وضعية يتمكَّن الإنسان فيها من أن يكون في إطار أُمَّة مؤمنة، مجاهدة، في وضعٍ مستقر، ووضع عِزَّة.

وهناك مثلما قرأنا في الآيات المباركة فيما يتعلَّق بنبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، تهيأت له ظروف ولو لمرحلة مؤقَّتة، يخرج فيها من تلك الوضعية الضاغطة، ويتهيأ فيها بناؤه أيضاً في بيئة مختلفة من جوانب كثيرة؛ لأنه هنا عاش ظروفاً مختلفة عمَّا كان عليه وضعه في مصر، عاش هنا أجيراً يعمل، يكد، يشتغل في بيئة قد تكون من الناحية الاقتصادية بيئة فيها صعوبة، تختلف عمَّا كان حتَّى عليه وضعه المعيشي في مصر، لربما تختلف بكثير، ولكنها أجواء تساعده على البناء، حتَّى على مستوى تحمُّل الشدائد المختلفة، والاعتياد عليها، والصعوبات المتنوعة في الحياة، والتعوُّد عليها، والتعوُّد أيضاً حتَّى على مشاق الغربة عن أسرته، عن والدته، عن إخوته، عن أخيه وأخته، الحال الذي فيه غربة، وفيه متاعب، وفيه كد، وفيه أجواء معيَّنة، تساعده أيضاً على الابتناء بقوَّة في تحمُّل الشدائد والصعوبات، والتمرُّن على ذلك، والتعوُّد على ذلك.

واستقر تلك المدَّة هناك، وأتى في الآيات القرآنية المباركة: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ}[القصص:29]، بمعنى أنَّه أكمل الأجل المتَّفق عليه، وبعد إكماله، قرر أن يسافر، أن يعود إلى مصر، {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}[القصص:29].

نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، بالتأكيد كان قد استفاد من تلك المدَّة الزمنية في الأجل، في إطار تأهيله، وحفظه، ورعايته ضمن التدبير الإلهي، مع تهيئة الأجواء، وصناعة متغيرات حتَّى في مصر، ومهمة موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" كانت صعبة، بالنظر إلى مواجهة جبابرة الأرض، وتخليص أُمَّة من أَسْرهم، بل وحتَّى غسل آثار الأسْر الثقافي، والأثر من سياسة القهر والإذلال من نفوس تلك الأُمَّة المستضعفة؛ ولهذا تهيأت له ظروف خارج ذلك الضغط الشديد، والمخاطر الضاغطة، في تلك المرحلة من تأهيله وإعداده، ولمَّا آن الأوان، وأكمل موسى الأجل المتَّفق عليه، أتى هذا القرار بعودته إلى مصر ومعه أهله، يأخذ معه أهله، وبالتأكيد أصبح له أولاد خلال تلك الفترة من زوجته.

الملفت أنَّ موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" اتَّخذ هذا القرار بالعودة إلى مصر، بالرغم من أنَّ المخاطر لا تزال قائمة، ومشكلته لم تُحَلّ بعد، التي هاجر بسببها عندما حدثت، ولكن هذا في تدبير الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، كان جزءاً من تدبير الله؛ ولهذا سيأتي لنا في الآيات المباركة في الوحي الإلهي له عند بعثته بالرسالة، وهو في الطريق عائداً إلى مصر: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى}[طه:40].

عودته في تلك الظروف، وسفره إلى مصر من مدين، وهو- كما ذكرنا- لا يزال يواجه المخاطر، مخاطر الاستهداف، لا يزال مطلوباً لدى الأعداء، يريدون أن يقتلوه، هناك أوامر بقتله، فهي عودة في ظروف خوف، وظروف قلق، ولربما كانت هذه الظروف أيضاً دافعاً في أن يكون مهتماً في طريقه إلى مصر، بأن يكون لديه استعلام، وسؤال عن الأوضاع في أي مكان يصل فيه، إلى من يعرف الأخبار عن مصر، وعن الطريق نفسها، وأن يكون حريصاً على الحركة إلى مصر بطريقة محسوبة، محسوبة من حيث:

- اختيار الطريق المناسب.

- الأوقات المناسبة للحركة.

- الأوقات المناسبة التي سيدخل فيها إلى مصر، لربما كان يفكِّر كيف يكون دخوله من دون أن ينتبهوا له.

فلديه أيضاً- في هذا السياق- الحرص على السؤال، على الاستعلام عن الأوضاع، التركيز على اختيار الوقت الأكثر اطمئناناً للحركة.

هنا يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا}[القصص:29]، يعني: لمَّا وصل إلى (سيناء)، وهو عائد من مدين، في طريقه إلى مصر، والطور جبل، جبلٌ من تلك الجبال التي في (سيناء)، والطور الذي كانت عنده هذه الحادثة المقدَّسة المباركة، في نزول الوحي الإلهي، والبعثة بالرسالة، اكتسب من ذلك البركة، يعني: صار جبلاً مقدَّساً مباركاً، ونبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، وهو قريبٌ من الجبل، لربما شيئاً ما ليس قرباً كبيراً، لكن بالشكل الذي يمكن أن يشاهد ما يحدث في ذلك الجبل، من مثل هذه: مثل نار يراها في جانب الطور، وبالتأكيد رآها في أسفل الجبل، وهو في ليلةٍ معتمةٍ باردةٍ، بالقرب من ذلك الجبل المبارك (طور سَيناء)، هنا شاهد هذا المشهد العجيب الملفت، في ظروف هو بحاجة فيها إلى الدفء لأهله، وإلى الخبر عن الطريق، ومعلومات يحتاج إليها فيما يتعلَّق بالأوضاع في ما قبله في الطريق.

ولهذا لفت نظره ما يشاهده من مشهد تلك النار، وأتى التعبير القرآني هنا: {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ}[القصص:29]، {آنَسَ} يقول البعض من المفسِّرين أنها تعني: أنَّه رأى تلك النار، وعادةً يستخدم عبارة (آنَسَ) لِمَا يأنس الإنسان برؤيته حينما يراه، يعني: حينما ترى شيئاً، لكن مما يسرُّك أن رأيته، ورآها بعيدةً عنه، {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ}[القصص:29]، الجبل يسمى الطور، وذلك الجبل بنفسه هو جبلٌ من جبال سَيْنَاء، في الطريق إلى مصر.

موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" حينما رأى تلك النار؛ استأنس بها، وهو يتوقع عادةً يعني يكون لدى النار من يضيئها، من يشعلها، فهو سيستفيد من أولئك الخبر عمَّا يتعلَّق بالطريق، سواءً مثلما يقول البعض من المفسِّرين أنه بحاجة إلى معرفة الطريق بنفسها، أو فيما يتعلَّق بمعلومات أوسع من ذلك، عمَّا قبله، عن الأوضاع في الطريق؛ لأنه- كما قلنا- لديه أيضاً مخاوف مِمَّا ينتظره فيما قبله من جهة الأعداء، وقد تكون المعلومات التي يحتاجها الإنسان أحياناً عن الطريق معلومات متنوِّعة: الوضع الأمني فيها، الأوضاع الأخرى، والاعتبارات الأخرى، التي عادةً ما يحسب الإنسان حسابها في طريقه وسفره، فلذلك هو أمَّل هذا الأمل، {قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}[القصص:29]، إمَّا خبر على الطريق، وكان بحاجة إلى هذه المعلومات اللازمة، {أَوْ جَذْوَةٍ}[القصص:29]، يعني: عود فيه شعلة نار، {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}[القصص:29]، يعني: تستدفئون، يهمه أمر أهله، وما هم فيه من البرد، يريد لهم التدفئة.

وذهب موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" إلى تلك النار، في تلك الليلة المعتمة، الباردة، إلى جهة جبل الطور، {فَلَمَّا أَتَاهَا}[القصص:30]، لمَّا وصل إلى حيث تلك النار، كان مشهداً عجيباً، في تفاصيل الروايات والأخبار: أنَّه حينما وصل:

- أولاً: لم يجد أحداً حول تلك النار، وكان هذا ملفتاً، نار مشتعلة، لكن ليس حولها أي أحدٍ من الناس.

- ثانياً: يذكرون أنَّ المشهد لتلك النار كان مشهداً عجيباً، حيث كانت مشتعلةً في الشجرة، لكن دون أن تحرق الشجرة، وكانت بمشهدٍ ملفت، في شجرةٍ خضراء مشتعلةً، منيرةً، مضيئةً، وأكيد أيضاً تبعث الدفء في المكان بكله.

فكان مشهداً ملفتاً، ولعله يتساءل عند ذلك المشهد: [ما قصة هذه النار؟ لماذا هي هكذا؟]، ويبدأ بالشعور بأنه في وضع مختلف عن الوضع الطبيعي، يعني: أنَّ الحالة ليست حالة في إطار ما كان يتوقعه سابقاً- أنها نار يشعلها ناسٌ من البشر، يتواجدون في تلك البقعة، ولديهم المعلومات التي ينشدها عن الطريق، وقد يستفيد منهم أيضاً فيما يتعلَّق بوضعه في تلك الليلة مع أسرته- أنَّ المشهد قد يكون مشهداً مختلفاً.

{فَلَمَّا أَتَاهَا}[القصص:30]، آتاها ولم يجد عندها أحداً من الناس، ووجد ذلك المشهد العجيب كما شرحنا، {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}[القصص:30]، أتاه النداء العظيم، نداء الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وهو موقف يفوق تخيلنا في عظمة ذلك المقام، في رهبته، في قدسيته، مقام في غاية القدسية، والعظمة، والجلال، فوق مستوى شعورنا، وتخيلنا، وإحساسنا، حظي بهذا النداء من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

في البداية حينما يسمع النداء: {أَنْ يَا مُوسَى}[القصص:30]، ينادى باسمه، قد يتفاجأ من هو الذي يناديه باسمه ويعرفه، وهو في تلك البلاد المقفرة، التي لا يتوقَّع أن يكون فيها أحداً يعرفه، لكن أتى أيضاً الإخبار له من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أنَّ الله هو الذي يكلِّمه: {أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}[القصص:30]، الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" جعل ذلك النداء، وهو يكلِّم عبده ونبيه موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، كما في هذه الآية المباركة: {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ}[القصص:30]، يعني: أنَّ الله جعل النداء الذي سمعه موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" في تلك الشجرة، وانطلق منها، كما نسمع الأصوات من الراديو تماماً في واقعنا، كمثال تقريبي نستوعبه، عندما- مثلاً- نسمع الصوت من الراديو، فالشجرة انطلق منها النداء، وهو بصوت رفيع وعظيم، وفق قدسية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يعني: بالقدر الذي قدَّره الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فانطلق من الشجرة.

هذه الشجرة {فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ}[القصص:30]، البقعة مكان الشجرة، وهو مكان متميِّز عن غيره من الأرض، بارتفاعه عن محيطه في ذلك الوادي، وهذه البقعة هي في {شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ}[القصص:30]، يعني: في جانب الوادي، وهذا الواد اسمه كما في آياتٍ قرآنيةٍ أخرى: {طُوًى}[طه:12]، وهو بجانب الجبل، بجانب جبل الطور.

فالآية القرآنية حدَّدت بدقَّة هذا المكان، ووصفت حتَّى تلك البقعة:

- أولاً: وصفت الواد الأيمن، هناك- مثلاً- في القرآن الكريم آيات مباركة تبيِّن قدسية الجبل بنفسه، (جبل الطور) الذي كلَّم الله موسى عنده.

- وأيضاً نجد هذا التقديس للواد نفسه: {شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ}[القصص:30]، يقولون: من اليُمن والبركة.

- وأيضاً للبقعة نفسها: {الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ}[القصص:30].

هذا المقام العظيم، في نداء الله لعبده موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، وبعثته بالرسالة، وتكليفه بمهمةٍ عظيمةٍ مقدَّسة، أتى الحديث عنه في القرآن الكريم في عِدَّة سورٍ مباركة، وأيضاً في السور نفسها يأتي بحسب ما يتعلَّق بالسياق نفسه، ما يتعلَّق بالسياق نفسه، مثلاً: نجد في (سورة النمل)، في قول الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[النمل:8]، في هذه الآية يبيِّن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أنه أنزل من البركات في تلك الساحة المقدَّسة، وفي ذلك المقام العظيم، في تلك الليلة المباركة، على موسى، والحضور من ملائكة الله المقرَّبين في ذلك المقام العظيم، الذي ينزل فيه من وحي الله وأمره ما سيتم به إحداث أكبر تغيير في الساحة العالمية آنذاك، وإسقاط أكبر طاغوت على وجه الأرض، وإنقاذ أُمَّةٍ مستضعفة، وإعادة الوصل للمجتمع البشري بوحي الله وهدايته المباشرة.

والقدسية العظيمة للرسالة الإلهية، هي قدسية- كما ذكرنا- فوق تخيلنا، فوق معرفتنا، فوق إحساسنا، قدسية عظيمة جداً للرسالة الإلهية؛ ولهـذا تأتي حتَّى مسألة البعثة بالرسالة في أجواء مقدَّسة وعظيمة، تنزل معها البركات، بل تأتي هذه القدسية وتمتد حتَّى إلى الزمان والمكان، حتَّى إلى الزمان والمكان، ويأتي هنا في الآية المباركة التسبيح لله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[النمل:8].

نكتفي بهذا المقدار، ونكمل- إن شاء الله- في المحاضرة القادمة.

نَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.

وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛