عادل بشر / لا ميديا -
مع دخول العدوان الأمريكي- الصهيوني على الجمهورية الإسلامية في إيران يومه التاسع، كشفت تقارير وتحليلات صادرة من داخل الإعلام الأمريكي نفسه عن صورة مغايرة تماماً للرواية الرسمية التي تسوقها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول الحرب ضد إيران. فبينما يتحدث البيت الأبيض عن «تدمير القدرات العسكرية الإيرانية» و»إنهاء تهديدها»، تؤكد تقارير صادرة عن مؤسسات إعلامية ومراكز تحليل أمريكية أن واشنطن انزلقت إلى حرب مفتوحة بلا أهداف واقعية، وأن الدافع الحقيقي وراءها لم يكن المصالح الأمريكية بل حسابات «إسرائيل».
وفي هذا السياق، نشرت مجلة «ناشيونال انترست» تحليلاً لاذعاً اعتبرت فيه أن ترامب «أغرق الولايات المتحدة في حرب مفتوحة مع إيران» تفتقر إلى أي استراتيجية واضحة أو نهاية قابلة للتصور، محذرة من أن واشنطن تسير مجدداً نحو مستنقع جديد في الشرق الأوسط.

حرب بلا أهداف
التقرير الذي بعنوان «صناعة حرب أبدية في إيران»، يرى أن أخطر ما يميز هذه الحرب هو غياب الأهداف المحددة والقابلة للتحقيق. فإدارة ترامب، بحسب المجلة، بدأت الحرب دون خطة واضحة، ثم راحت تبحث عن استراتيجية بعد اندلاعها، وثبت أن هذه الحرب «أصعب مما كان متوقعاً».
وتوقع التقرير أن «يتصاعد الصراع مع تمسك إيران بموقفها ودفع الأصوات المتشددة ترامب نحو أهداف قصوى، وهي أهداف يصعب تحقيقها إلى حد كبير»، مشيراً إلى أن المبررات التي قدمها البيت الأبيض للحرب متناقضة وغير واضحة وتغيرت أكثر من مرة. ففي البداية تحدثت الإدارة الأمريكية عن تدمير البرنامج النووي الإيراني، رغم أن ترامب نفسه كان قد أعلن قبل عام أنه دمر هذا البرنامج خلال عملية عسكرية سابقة. ثم تحول الخطاب إلى استهداف برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، قبل أن يصل إلى الدعوة الصريحة لتغيير النظام في طهران.
هذا التناقض في الأهداف، وفق التحليل، يعكس ارتباكاً استراتيجياً داخل واشنطن، ويؤكد أن الإدارة الأمريكية دخلت الحرب دون تصور واضح لنهايتها.

الحرب التي أرادتها «إسرائيل»
النقطة الأكثر حساسية في تحليل المجلة الأمريكية هي تأكيدها أن «المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة لم تكن الدافع الرئيسي لهذه الحرب، بل الأولويات الإسرائيلية»، مشيرة إلى أنه «تم تضخيم التهديد الذي تشكله إيران على الولايات المتحدة بشكل كبير داخل واشنطن، رغم أن إيران لم تكن تشكل تهديداً وشيكاً للأراضي الأمريكية، ولم تكن طهران تسعى لامتلاك سلاح نووي، بل كانت تقدم تنازلات في المفاوضات النووية تتجاوز، من حيث القيود، الاتفاق النووي الذي وُقع عام 2015 قبل أن ينسحب منه ترامب عام 2018، وقد جعلت الحرب الآن تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة».
وأفادت المجلة بأن الطرف الذي كان يدفع باتجاه المواجهة العسكرية هو «إسرائيل»، التي مارست ضغوطاً طويلة الأمد على واشنطن لشن حرب ضد إيران.
وأوضحت أن «إسرائيل لعبت دوراً محورياً في عرقلة الاتفاق النووي بين ترامب وطهران، من خلال إدراج سلسلة من البنود السامة لإفشال المفاوضات ودفع واشنطن نحو الحرب»، لافتة إلى أن «نتنياهو سعى إلى استغلال الظروف الإقليمية والتوترات الواسعة في المنطقة التي أعقبت حرب غزة، لدفع واشنطن نحو الحرب، قبل أن يتغير المزاج العام في الولايات المتحدة تجاه العلاقة مع إسرائيل».

وهم إسقاط النظام
ورغم الخطاب الأمريكي المتشدد حول تغيير النظام في طهران، تؤكد التحليلات الأمريكية أن هذا الهدف مستحيل تحقيقه، سواء أكان عبر الضربات الجوية أو من خلال تسليح ودعم المليشيات الكردية والدفع بها للحرب مع الدولة الإيرانية.
وذكرت «ناشيونال انترست» في تقريرها أن «إيران عازمة على القتال، وتستعد لحرب استنزاف طويلة الأمد». وحتى مع اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، تؤكد المجلة أن «النظام الإيراني لم يضعف، فهو يمتلك بنية سياسية وعسكرية متجذرة بقوة، وقد وضع خططاً قبل الحرب لمواصلة القتال في جميع الظروف».
ولفتت إلى أن النظام في إيران يستند إلى شبكة مؤسسات قوية، أبرزها الحرس الثوري الإسلامي، موضحة أن «اغتيال خامنئي، رغم تأثيره الرمزي، لن يكون كافياً لإسقاط النظام؛ لأن مؤسسات الدولة الإيرانية تمتلك آليات واضحة لضمان انتقال السلطة واستمرار الحكم».

تقرير استخباراتي يفضح الخطة
في السياق نفسه، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن تقرير استخباراتي سري أعدته المخابرات الأمريكية، خلص إلى نتيجة صادمة بالنسبة لإدارة ترامب، وهي أن «القصف الجوي حتى لو كان واسع النطاق لن يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني».
وبحسب التقرير فإن أي حملة عسكرية جوية ضد إيران لن تكون كافية لتفكيك المؤسسة الدينية والعسكرية الراسخة في الجمهورية الإسلامية.
وأوضح التقييم الاستخباراتي أن هذه المؤسسات تمتلك بروتوكولات واضحة للحفاظ على استمرارية السلطة حتى في حال استهداف قادتها.
كما خلص التقرير إلى أن احتمال سيطرة المعارضة الإيرانية، التي تعاني انقسامات حادة، على الحكم يبقى احتمالاً ضعيفاً للغاية.
وتشير الصحيفة إلى أن هذا التقييم أُنجز قبل أيام فقط من اندلاع الحرب في 28 شباط/ فبراير الفائت، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان ترامب قد تجاهل تحذيرات أجهزة الاستخبارات قبل اتخاذ قرار الحرب.

غطرسة أمريكية
تخلص التحليلات الأمريكية إلى أن «ترامب دفع الولايات المتحدة إلى الحرب معتقداً أنها لن تتكبد خسائر سياسية واقتصادية وبشرية فادحة. وهذا يجسد الغطرسة التي وجهت سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لعقود، ولم يُسفر عنها استقرار إقليمي أكبر ولا فوائد ملموسة للولايات المتحدة».
وتواصل إيران بقوة عملية «الوعد الصادق 4» رداً على العدوان الأميركي - الصهيوني على أراضيها، مستهدفة القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، إضافة إلى ضربات متواصلة لعمق كيان الاحتلال، متوعدة المعتدين بجحيم مستعر.