دمشق - خاص / لا ميديا -
شكّل العدوان (الأمريكي -«الإسرائيلي») على إيران، وجنوب لبنان، مادة خصبة لحديث السوريين، ومواقفهم ونقاشاتهم وحواراتهم، وفي منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
لاشك أن ما جرى في سورية، منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، ومجيء سلطة جديدة، تتخذ موقفاً معادياً من إيران، يتحكم كثيراً بمواقف المجتمع السوري من هذه الحرب، بسبب دور إيران في الأزمة السورية، ووقوفها إلى جانب نظام الأسد، وأيضاً لتراكمات تاريخية، تتحكم بمواقف وعقول شريحة لا يستهان بها من المجتمع، وبسبب الضخ الإعلامي، الذي تتفوق فيه وسائل الإعلام الموالية للغرب، وتتخذ موقفاً سلبياً من إيران، لكن باعتبار أن الأمر هنا يتعلق بالكيان الصهيوني والولايات المتحدة، كطرف معتد على إيران، والنظر إلى إيران كضحية، ونجاحها إلى حد كبير في الصمود ومواجهة هذا العدوان، يعدل كثيراً من المزاج العام والمواقف، حيث تقف الغالبية العظمى من المجتمع السوري، والمجتمعات العربية عموماً، ضد هذا الكيان، وضد الغطرسة الأمريكية، خاصة وأن ما جرى في غزة لا يزال مستمراً وحاضرا في وجدان الغالبية العظمى من هذه المجتمعات.
تحليل مواقف المجتمع السوري من هذه الحرب لا يمكن أن يخرج عن المعايير والقيم الموجودة في كل المجتمعات العالمية، التي تنقسم بين مؤيد متطرف، ومعارض متطرف، وغالبية تتخذ مواقف بحسب مصالحها وانتماءاتها وقناعاتها، وهي الفئة الأهم في المجتمعات، وتضم معظم النخب من كل الشرائح، وهي التي يتم الاهتمام بها وبمواقفها، وخاصة في المجتمعات الديمقراطية، وعند الانتخابات، وفي الدراسات التي تحاول معرفة مواقف المجتمعات وتوجهاتها ورأيها، من القضايا المطروحة، ولذلك تبذل كل المحاولات، من قبل القادة والأحزاب والتنظيمات، لاستمالة هذه الكتلة، وجذبها لتأييد برامجها ومواقفها، والطرف الذي ينجح بذلك، هو من يفوز في الانتخابات، أما الفشل في استمالة هذه الكتلة، فيعتبر مؤشراً سلبياً، ونراه بشكل خاص في العزوف عن المشاركة في الانتخابات، أو في رفض تأييد البرامج والمواضيع المطروحة، أما في القضايا المصيرية والحساسة، فيصبح من الصعب الوقوف على الحياد، ولابد من اتخاذ موقف ورأي، في القضية المطروحة، وهو ما ينطبق على العدوان (الأمريكي -«الإسرائيلي») على إيران، وجنوب لبنان.
وفي موقف الشعب السوري، من هذا العدوان، يمكن رصد عدة شرائح:
- الأولى: وهي تمثل الشريحة الأكثر تطرفاُ، بمعاداتها لإيران، لأسباب دينية وطائفية، وبسبب دور إيران في سورية، وهذه الفئة تقف حتى مع «إسرائيل» ضد إيران، وفرح الكثير من هؤلاء بضربها، وخاصة في المراحل الأولى من الحرب وفرحوا لمقتل خامنئي، والقادة السياسيين والعسكريين، والبعض رقص عند سماع الخبر، لكن هذه الفئة، تتميز بأنها قليلة ومتعصبة، ومن سوية اجتماعية وعلمية منخفضة.
- الثانية: وهي الشريحة التي لا تنظر إلى إيران بعين الود، لكنها لا تريد لـ»إسرائيل» أن تنتصر، وبعض من هذه الشريحة، يتمنون أن تستمر الحرب، وبدون أن ينتصر أي من الطرفين.
- الثالثة: وهي الشريحة التي تنظر إلى إيران والمقاومة اللبنانية بإيجابية، وتقف ضد «إسرائيل» بكل وضوح، وهي المتأثرة بشخصية السيد حسن نصر الله، وتعبر عن موقفها، بأن تتمنى النصر لإيران والمقاومة.
- الرابعة: وهي الشريحة التي لا تهتم كثيراً بمواقف إيران، وحيادية تجاهها، لكنها تقف ضد «إسرائيل»، وتتمنى أن تنتصر إيران والمقاومة، والأهم ألا تخرج «إسرائيل» منتصرة، في هذه المواجهة.
هذه الشريحة هي الأكبر في المجتمع السوري، وهي الأكثر تنوعاً ونضجاً، والأكثر تعليماً ووعياً، وتدعو إلى التغاضي عن الحسابات الضيقة، في العلاقة مع إيران، أمام ما يشكله المشروع («الإسرائيلي» -الأمريكي)، من مخاطر وتحديات.
وتحلل هذه الفئة الوضع من كافة جوانبه، وهي مدركة لمخاطر أن يخرج الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية منتصرين في هذه المواجهة، لأنها تعني انتصار لمشروع الشرق الأوسط الجديد، وبأن أمريكا ومعها «إسرائيل» لن تتوقف عند إيران، وإنما سيكون هناك خطوات كثيرة، أولها محاولة السيطرة والهيمنة الكاملة، على القرار والإرادة السورية، وقد تتمدد أكثر، وتحتل أراضي جديدة في الجنوب السوري، وأن حلم الانسحاب «الإسرائيلي» من الجولان، سينتهي، على الأقل حتى تتغير موازين القوى الحالية، مع عدم وجود أفق لهذا التغيير في المدى المنظور، لو تحقق النصر «الإسرائيلي».
كما تدرك هذه الشريحة، أن المشروع الصهيوني سيستهدف المنطقة كلها، وسيستهدف دولها الواحدة تلو الأخرى بعد إيران، وفي مقدمتها مصر والسعودية وتركيا، وهو ما يتوافق مع مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، الذي يستهدف الهيمنة (الأمريكية -»الإسرائيلية»)، على دول وشعوب المنطقة، والسيطرة المباشرة، على اقتصادياتها وثرواتها.
إدراك هذه الشريحة لما يجري، يجعلها تتخذ مواقفها، بناء على ما تعرفه، من مخاطر «المشروع الإسرائيلي -الأمريكي»، وبناء على المصالح الوطنية والقومية، وهو ما يجعل أي خلاف مع إيران، يتراجع أمام مخاطر «المشروع الإسرائيلي -الأمريكي» في سورية والمنطقة.
أيضاً لا يمكن تجاهل، أن فضائح جزيرة إبستين، والدور «الإسرائيلي» فيها، والتورط الكبير للنخب الأمريكية والغربية، ومن بعض شخصيات المنطقة والعالم، وفي مقدمتها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لا يحظى بأي تأييد وازن، عند الشعب السوري، وشعوب المنطقة عموماً، كان له تأثير لا يستهان به، في رسم مواقف المجتمع السوري، من الحرب («الإسرائيلية» -الأمريكية) ضد إيران، بسبب تكون قناعات راسخة، وخاصة عند النخب، بأن الأخلاقيات المنحطة، التي ظهرت في فضائح «إبستين»، سيحاولون تعميمها، في كل مكان يستطيعون فرض هيمنتهم عليه.
على الصعيد الرسمي، يبدو الصمت هو سيد الموقف، وهذا يؤكد حساسية موقف السلطات السورية الجديدة، التي تجاهر في عدائها لإيران، منذ وصولها إلى السلطة، بسبب دورها قبل التغيير الدراماتيكي الذي حصل في سورية، حيث كانت إيران، المساند الأول لنظام الرئيس بشار الأسد. كما أن هذه السلطة، فتحت قنوات اتصال علنية وقوية، مع السلطات «الإسرائيلية»، وجرت اتصالات ولقاءات واجتماعات وعلى مستويات عالية، وتوصلت معها إلى تفاهمات حول العديد من المواضيع، ومنها الوضع في السويداء، وجنوب سورية، لكن حساسية الوضع، وضبابية الصورة، والمزاج العام عند الشعب السوري، جعل الصمت والترقب سيد المواقف.