رمضان.. القمر الذي يهبط إلى منازلنا من السماء
- تم النشر بواسطة لا ميديا
لا ميديا -
الناس تترقب. الفرح يمطر في كل مكان. مالكو مولدات الكهرباء يجهزون قدراً كافياً من مادة الديزل استعداداً لإضاءة البيوت بحلول الشهر الكريم. الأطفال يشترون "الكشافات" الصفراء الليلية. الرجال في القرى ينظفون المساجد، والنساء يعلقن بعض الزينة في البيوت. انتظروه مدة 11 شهراً كاملة. الشعور المختلف لا يأتي إلا مع قدوم هذا الشهر الكريم. وقد اتفق الناس منذ القدم، ومنذ بزوغ الإسلام، على تسميته بـ"الشهر الكريم"؛ نعم، لأن كل حاجة يفتح الله لها تدبيراً في هذا الشهر. سكينة خفية تهبط إلى الروح. سلام نفسي كبير ممزوجاً بالنشوة والسرور.
كل ليالي العام مظلمة إلا من فوانيس خافتة يتسامر الناس بها إلى العاشرة وينامون.
كل ما سبق ذكره كان عبارة عن إعلان رسمي بدخول شهر الخير والبركات والرحمات. تجتمع أكثر البيوت، الأطفال والنساء والكبار، حول شاشة تلفزيون واحدة، منذهلين بكل ما يرونه؛ القصص التاريخية المليئة بأحداث ووقائع الإسلام والفتوحات الإسلامية والمعارك التي خاضها المسلمون في الجزيرة العربية وما حولها... كنا نحفظ أسماء الأبطال، نقلد ملابسهم، كلماتهم، حركاتهم، نصنع سيوفاً خشبية، ننتظر بكل شغف الحلقة التالية كأننا جزء من الحكاية، نقلق حول مصير بطل حكاية ما، نترقب مصير شخصية أخرى...
ولأن ليالي رمضان في القرية كانت طويلة ومليئة بالحركة، ننطلق في الأزقة، في الأرجاء، بعد الإفطار. كانت الأنوار الصغيرة في أيدينا تجعل الليل أجمل، وكأن القرية كلها تحتفل بطريقتها الخاصة. بالنسبة لنا، كان رمضان يعني الليل، الضحكات في الطرقات، الزيارات، والسهر حتى وقت متأخر...
الشيوخ يحيون ليالي الشهر الفضيل بقراءة القرآن. الوقار يملأ المساجد، والبهاء يغمر المجالس. لن تسمع أحداً يشكو ارتفاع الأسعار، ولن تسمع أحداً يشكو ضيق العيش أو الأكل... الناس سواسية، لا غني ولا فقير.
قبل أذان المغرب كانت مسامعنا وعيوننا تترقب الأذان من مسجد القرية، دون وجود مكبر صوت حتى، فقط يقف المؤذن في ناحية من المسجد، يضع راحتي كفيه على أذنيه عند رفع أذان المغرب. أشياء تظل عالقة في الذهن والقلب، لا تنتهي.
ذلك هو رمضان، الرفيق الذي ما زال يحرك هدوء القرى والمدن، برغم أن أشياء كثيرة تغيرت، والذي تغير اليوم كان تغيراً عميقاً إلى حد ما. إقبال الناس بشراهة على شراء كل أصناف الطعام والملابس. طمرت في المدن عادة التراحم بين الناس. ضاع الفقير والمسكين بين تشعبات الجشع والطمع. اقتحمت القنوات السخيفة وخدشت الكثير من طقوس الشهر الجميل. وبين المرحلتين اختلاف عميق يشير إلى أن البساطة كانت أقرب إلى صناعة الفرح وحفظ طقوس الشهر الكريم، حتى أن كل الناس كانوا يتحولون إلى مؤمنين حقيقيين دون افتعال مظاهر التقوى والإيمان، ما يعني احترام الشهر بكل تفاصيله.
كانت أياماً بسيطة؛ لكنها مليئة بالحياة. واليوم، كلما جاء رمضان، تعود تلك الصور القديمة: صوت مولدات الكهرباء، ضوء الكهرباء الأول في القرية، تجمع الناس حول التلفاز، الأطفال يحملون سيوفاً خشبية يحلمون بأن يكونوا أبطال الحكايات... ربما تغيرت أشياء كثيرة؛ لكن تلك الذكريات ما زالت تحمل دفء رمضان كما عرفناه أول مرة.










المصدر لا ميديا