تقرير بريطاني: الحوثيون كسروا هيمنة الأساطيل الغربية وأعادوا صياغة مفاهيم القوة البحرية في البحر الأحمر
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
عادل بشر / لا ميديا -
لم تعد صنعاء مجرد عاصمة في دولة مُحارَبة ومحاصَرة، بل أصبحت، خلال معركة البحر الأحمر المساندة لغزة، مركز ثقل في واحد من أهم التحولات الاستراتيجية في تاريخ الصراع البحري المعاصر. فما بدأ كعمليات "إسناد" محدودة في سياق الحرب على غزة، انتهى إلى إعادة صياغة مفاهيم القوة البحرية لدى كبرى الأساطيل الغربية، وفي مقدمتها البحرية البريطانية، التي باتت تُقر، في دراساتها وتحليلاتها، بأن ما تسميه "نموذج الحوثي" فرض واقعاً جديداً في معادلات السيطرة على البحار.
من الهامش إلى قلب المعادلة الدولية
لعقود طويلة، كانت القوى البحرية الكبرى تنطلق من مسلّمة أساسية، هي أن التفوق التكنولوجي والسفن عالية القيمة (حاملات الطائرات، المدمرات المتقدمة، وأنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى) كفيلة بضمان السيطرة على أي مسرح بحري. غير أن معركة البحر الأحمر كسرت هذه القاعدة.
فصنعاء، بإمكانات محدودة قياساً بالإمبراطوريات البحرية، نجحت، وفقاً للقراءة البريطانية، في فرض "حرمان بحري" فعلي على أساطيل عالمية، في مقدمتها الأمريكية والبريطانية.
هذه القراءة نشرها، أمس الأول، موقع (Wavell Room) العسكري البريطاني، بالتزامن مع التوترات التي يشهدها الشرق الأوسط في ظل التهديدات الأمريكية المستمرة ضد إيران، وما يرتبط بذلك من استقواء واشنطن بحاملات طائراتها، التي تزعم أنها "قوة لا تُقهر"، الأمر الذي ربما دفع الموقع العسكري البريطاني إلى التذكير المُبطن بالفشل الأمريكي والبريطاني في البحر الأحمر أمام قوة متواضعة صاعدة.
وأكد التقرير البريطاني أن صنعاء نجحت في "حرمان مدمرات البحرية الأمريكية من السيطرة البحرية في البحر الأحمر"، مشيراً إلى أن مشاركة المدمرات البريطانية في العدوان على اليمن، كلّف لندن "ثمناً باهظاً لا يُحتمل".
ولفت التقرير إلى أن استخدام صنعاء للصواريخ الباليستية ضد السفن، وتحقيقها إصابات مباشرة من مسافات بعيدة من الساحل اليمني، مثّل صدمة كبيرة للبحريات العالمية؛ إذ لم يحدث أن تم استهداف أهداف متحركة بصواريخ باليستية، إلا في معركة إسناد غزة، عندما استهدفت القوات اليمنية عدداً من السفن "الإسرائيلية" والأمريكية والبريطانية، والسفن المتجهة إلى موانئ فلسطين المحتلة، أو المتعاملة مع كيان الاحتلال.
وأفاد التقرير بأنه "بينما خفّت حدة الصدمة الأولى الناجمة عن استخدام الصواريخ الباليستية المضادة للسفن، واستقرت أزمة البحر الأحمر نسبياً، إلا أن التداعيات الاستراتيجية للعمليات اليمنية لا تزال غير مُحللة بشكلٍ كافٍ في سياق العقيدة البحرية البريطانية المستقبلية".
وأضاف: "بالنسبة للبحرية الملكية، يبدو أن الصراع يُلقي بظلاله على العمليات البرمائية في المياه الساحلية، إذ يُتوقع أن تُجري كلٌّ من مجموعة حاملات الطائرات الضاربة ومجموعات الاستجابة الساحلية عملياتها"، مشيراً إلى أن "عمليات الحوثيين في البحر الأحمر قدمت نموذجاً قابلاً للتوسّع والتكرار لحرمان الخصم من السيطرة على البحر، بما يتحدى جذرياً الأسس التشغيلية والمالية لإسقاط القوة البحرية الغربية".
وأكد أن التقنيات العسكرية اليمنية التي برزت خلال معركة إسناد غزة "تُشكل تحدياً كبيراً للبحرية الملكية، التي تعتمد على أصول منخفضة الكثافة وعالية القيمة".
حسابات مخيفة
تقرير موقع (Wavell Room) العسكري البريطاني أوضح أن "الحسابات المخيفة للدفاع الجوي الحديث ترتكز على الدروس المستخلصة من معركة مضيق باب المندب؛ ففي الأشهر الأولى من حرب البحر الأحمر، خاضت المدمرات البريطانية اشتباكات قوية مع صواريخ ومُسيّرات صنعاء، وتمكنت المدمرة دايموند من إسقاط بعض موجات متتالية من الهجمات؛ إلا أنها دفعت ثمناً كارثياً، لاسيما في استنزاف مخزون البحرية الملكية من الأسلحة".
وأضاف: "ما إن تنفد الذخيرة لدى السفن المرافقة لحاملة الطائرات، تصبح الحاملة عديمة الجدوى عملياً، وتضطر للانسحاب قبل أن يتم إغراق أي سفينة حربية رئيسية".
وذكر التقرير أن وزارة الدفاع البريطانية أقدمت في آذار/ مارس 2025 على إخراج السفينتين (HMS Albion) و(Bulwark) -وهما منصتا الإنزال الرئيسيتان من فئة "ألبيون"– من الخدمة، في إطار سياسة لخفض التكاليف. وقد نتج عن ذلك فجوة كبيرة في القدرات. وتأتي هذه الفجوة في وقت تشهد فيه العقيدة المتعلقة بالعمليات البرمائية تحولاً ملحوظاً"، مشيراً إلى أن "العقيدة الحالية تفترض أن غواصة الاستطلاع بعيدة المدى، نظراً لقدرتها على الحركة وانخفاض بصمتها البصرية مقارنةً بحاملة الطائرات، قادرة على العمل داخل منطقة الاشتباك المسلح للعدو. إلا أن تجربة البحر الأحمر تُفند هذا الافتراض تماماً. فقد أثبت الحوثيون قدرتهم، باستخدام رادارات بحرية تجارية جاهزة وأنظمة استخبارات ومراقبة واستطلاع مُستمدة من طائرات مُسيّرة بسيطة، على الحفاظ على سلسلة استهداف ضد السفن السطحية على بُعد مئات الكيلومترات من الشاطئ".
من الخيال إلى الواقع
ويؤكد التقرير أنه "قبل أزمة البحر الأحمر، كان يُنظر إلى تهديد الصواريخ الباليستية المضادة للسفن على أنه وهمي في الغالب. لكن الحوثيين جعلوا هذا التهديد حقيقة وواقعاً ملموساً". وأوضح أنه "بينما تستعد المملكة المتحدة لنشر حاملاتها المستقبلية، يجب أن تستند الاستراتيجية إلى افتراض أن نموذج الحوثي في استخدام الصواريخ الباليستية المضادة للسفن سيكون متاحاً لدول أخرى حول البحر الأسود وبحر الصين الجنوبي وغرب أفريقيا".
وقال: "يُؤثر هذا الانتشار للصواريخ الباليستية المضادة للسفن تأثيراً بالغاً على حسابات المخاطر المتعلقة بعمليات حاملات الطائرات مستقبلاً. ففي السابق، كان بإمكان حاملة الطائرات أن تتمركز بثقة ضمن نطاق 200 ميل بحري من الساحل، مع يقينها النسبي بعدم وجود مدفعية ساحلية أو صواريخ قصيرة أو متوسطة المدى. أما نموذج الحوثيين فيتطلب إعادة التمركز إلى نطاق 500 ميل بحري. وهذا، بطبيعة الحال، يُؤثر على المدى الذي يُمكن لحاملة الطائرات من خلاله دعم طائرات (إف-35 بي) للدعم الجوي والبري، وعدد الطلعات الجوية، والحجم الإجمالي للعملية. ومن المفارقات أن منطقة الصراع الساحلية قد امتدت إلى مسافة أبعد في عرض البحر".
وحث التقرير حكومة لندن على استلهام الدروس من المواجهة مع قوات صنعاء، خصوصاً فيما يتعلق بالجانب الهجومي.
واختتم التقرير بالقول: "تُعدّ عملية الحوثيين أولى المواجهات التي يُرجّح أن تكون سلسلةً من الاشتباكات التي تُظهر أشكالاً متطورةً من ديمقراطية القتال. وتُثبت هذه العملية أن السيطرة على البحر، حتى في مواجهة أسطول بحري قويّ مُجهّز تجهيزاً تقليدياً، ستظلّ محلّ نزاع دائم".










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا