كشر حجة.. جغرافيا العطش ومقابر الحياة الجماعية
- تم النشر بواسطة بشرى الغيلي/ لا ميديا
بشرى الغيلي / لا ميديا -
أصواتٌ مبحوحةٌ ونداءاتُ استغاثةٍ صامتة تخترق حاجز العزلة في محافظة حجة، حيث تدور رحى «معركة وجود» قاسية بعيداً عن العدسات. القصة هناك، وتحديداً في مديرية كشر، لم تعد مجرد شحة في الموارد الطبيعية، بل تحولت إلى تراجيديا إنسانية يومية. تلك الأصوات لا تشكو الظمأ فحسب، بل خصت صحيفة «لا» بشهادات تروي فصولاً من معاناة يتحول فيها البحث عن «شربة ماء» إلى مشروع موت محتمل. هذا التقرير يوثق تلك الشهادات، ويرسم خارطة للألم الذي يعصِر السكان بين مطرقة الأسعار الباهظة وسندان الأمراض الفتاكة، في ظل مشاريع متعثرة وواقع ينزف بصمت.
الفشل الكلوي.. الموت البطيء في الأجساد المنتفخة
لم يعد الماء في هذه الجبال مصدراً للحياة، بل بات ناقلاً للموت عبر الكلى. البيانات والشهادات الحصرية لـ»لا» تشير إلى انفجار مخيف في حالات الفشل الكلوي، نتيجة اعتماد السكان على مياه مالحة وغير مفلترة، تفتك بأجسادهم في ظل جفاف قاسٍ.
تنقل المصادر معاناة «محمد»، وهو نازح من منطقة «مستبأ» يصارع الفشل الكلوي منذ 16 عاماً، والذي يلخص مأساة المئات من أمثاله الذين يعتبرون أنفسهم «منسيين تماماً». يروي محمد بمرارة كيف يلاحقهم الموت عبر أجهزة الغسيل في مستشفيات ريفية تفتقر لأبسط المقومات؛ فلا فلاتر، ولا محاليل، وأحياناً يتوقف كل شيء لانعدام الديزل.
المأساة الأكبر تكمن في العجز المادي؛ حيث يموت البعض في منازلهم بصمت لأنهم لا يملكون خمسة آلاف ريال أجرة المواصلات للوصول إلى مركز الغسيل، بينما ترفض المراكز استقبال حالات جديدة لامتلاء سعتها السريرية.
بورصة الماء.. صراع الموارد والحظر القاتل
اقتصاد المنطقة يئن تحت وطأة التضاريس التي فرضت قانونها القاسي. ووفقاً لشهادات محلية رصدتها صحيفة «لا»، فإن سعر الماء قد قفز إلى أرقام تعجيزية. الأمر لم يقف عند وعورة الطريق، بل وصل إلى «حرب موارد»؛ إذ يكشف يوسف الزعكري الحجوري لـ«لا» عن بُعدٍ آخر للأزمة، مؤكداً أن هناك أزمة خانقة تفاقمت بعد «منع القلابات من أخذ الماء من منطقة (عاهم) للحفاظ على مخزونهم المائي»، مما ضيق الخناق أكثر على السكان.
هذا الحظر، مضافاً إليه امتناع سائقي «الوايتات» عن الصعود إلى القرى الجبلية إلا بمبالغ طائلة لتعويض تهالك مركباتهم، جعل الحصول على «وايت» سعة 6000 لتر حلماً بعيد المنال، ووضع الأسر الفقيرة أمام خيارين أحلاهما مر: الموت عطشاً أو الموت جوعاً لتوفير ثمن الماء.
النساء والأطفال.. أجساد سُحقت في طوابير اليأس
المشهد الاجتماعي يكشف أن النساء والأطفال يدفعون الفاتورة الأغلى. وفي تصريح خاص لصحيفة «لا»، يصف أبو زيد الحجوري هول ما تتعرض له النساء، مؤكداً أن «النساء سقطن في الآبار نتيجة البحث عن المياه». ويضيف بأسى أن «منهن من تكسرت وأصبحت معاقة، ومنهن من أصيبت باليأس من طول انتظار أدوار مفرغ منها».
تتقاطع هذه الشهادة مع قصص نساء في عمر الزهور بدت ظهورهن محنية كعجائز، وشابات أصبحن قعيدات بعد انزلاق أقدامهن وهن يحملن الدلاء الثقيلة. أما الأطفال، فلم يعودوا يركضون خلف الكرة، بل يطاردون شاحنات المياه بعبوات فارغة، كما حدث للطفل «أمين» الذي سقط مغشياً عليه من الإعياء وهو يلاحق «وايتاً» رفض سائقه التوقف، المنطقة لا تحتاج إلى هِبات وحلول ومساعدات آنية، بل تحتاج إلى حلٍ جذري ينهي المشكلة..
آبار الموت.. الفاجعة التي ابتلعت الإخوة
البحث عن الماء في كشر قد يقود إلى القبر مباشرة. مأساة أسرة «آل جعدان» تظل الشاهد الأبرز على هذا الرعب، حيث لم يكن القصف هو القاتل، بل «بئر الماء».
رواية منير جعدان التي نقلها لـ«لا» تؤكد أن إحدى الآبار ابتلعت ستة شباب من دم واحد في دقائق معدودة. بدأت المأساة بنزول أحدهم لتشغيل الماطور فاختنق بالعوادم، وتتابع إخوته لإنقاذه ليلقوا حتفهم جميعاً. تحولت البئر من مصدر للري إلى مقبرة جماعية، وزرعت الرعب في قلوب الشباب الذين باتوا يخشون الاقتراب من مصادر الحياة.
مشاريع متعثرة وفساد يضاعف العطش
المشاريع والمنظمات تقف في قفص الاتهام وسط هذه المعاناة. يشير علي محمد زليل في حديثه للصحيفة إلى فجوة هائلة بين ما يُعلن عنه من مناقصات ومشاريع وبين الواقع المرير.
تعاني المنطقة من مشاريع «هشة» تفشل سريعاً بسبب الفساد وسوء التنفيذ، حيث تُرسى المناقصات على الأقل سعراً على حساب الجودة. ويزيد الطين بلة غياب لجان الصيانة المجتمعية، وسطوة نافذين محليين يسيطرون على مشاريع المياه العامة لتحويلها لري مزارعهم الخاصة أو بيعها للمواطنين.
النازحون.. الحلقة الأضعف في العراء
مخيمات النزوح العشوائية يعيش فيها النازحون فصلاً آخر من العذاب. يؤكد أمجد قعموص، وهو نازح من حرض، لصحيفة «لا» أن التدخلات الإنسانية تظل خجولة جداً مقارنة بحجم الكارثة؛ إذ لا تغطي سوى جزء يسير من آلاف الأسر المحتاجة. يضطر النازحون لشراء الماء بالدَّين، أو إرسال أطفالهم للتسول بحثاً عن الماء من المساجد والآبار الخاصة، ليعيشوا عطشاً مضاعفاً: عطش النزوح وعطش الأرض.
جريمة مركبة
توصيف ما يحدث في كشر بأنه مجرد كارثة طبيعية يعد اختزالاً مخلاً للحقيقة.. يرى يوسف المؤيد في حديثه لـ«لا» أن الأمر يرقى لكونه «جريمة مركبة» تتشابك فيها عوامل التغير المناخي مع الحرب والحصار، ويغذيها الفساد الإداري والإهمال الدولي.
نداء أخير من حافة الهاوية
لحظاتٌ أخيرة تفصل هذه المديرية المنكوبة عن كارثة إنسانية شاملة لا تُبقي ولا تذر.. الصمتُ الرسمي والدولي أمام مشهد الأجساد التي تتورم بالسموم والنساء اللواتي يسقطن في الآبار لم يعد مجرد تخاذل، بل هو مشاركة مباشرة في صنع الموت، كشر اليوم تطلق عبر صحيفة «لا» نداء استغاثة أخير: إما تدخل عاجل وجاد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بمشاريع مياه استراتيجية ومستدامة، وإما أن يتحول هذا الجبل الشامخ إلى مقبرة جماعية مفتوحة، ووصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء.










المصدر بشرى الغيلي/ لا ميديا