دمشق: خاص / لا ميديا -
بشكل مفاجئ، تم الإعلان عن زيارة «رئيس السلطة الانتقالية في سورية» أبو محمد الجولاني إلى موسكو، وهي الثانية خلال أقل من عام، وهذا يؤكد أن ثمة ملفات ملحة، تتطلب البحث فيها بين الجانبين.
 الموقف الأهم في هذه الزيارة، أنها جاءت بعد المعارك التي دارت بين جيش النظام السوري وقوات سورية الديمقراطية «قسد» والتي تنقلت من حلب إلى مناطق غرب الفرات، ثم شرق الفرات، وتحديداً الرقة ودير الزور، والتي انتهت بسيطرة وحدات الجيش التابعة لنظام الجولاني على معظم المناطق كانت تسيطر عليها «قسد»، والتي كانت تشكل حوالي ثلث الأراضي السورية، وتضم معظم ثروات سورية الاستراتيجية، من نفط وغاز وقمح وقطن، لتتوقف هذه المعارك على تخوم مدينة الحسكة، التي تعتبر معقل «قسد» بانتظار إيجاد تسوية بين الجانبين، برعاية إقليمية ودولية، وبما يتوافق مع الشكل الذي يتم رسمه للدولة السورية، وهويتها الوطنية والقومية، والنقاش الذي يجري بين أن تكون دولة فيدرالية أولا مركزية موسعة، لكن بكل الأحوال، ما جرى أكد سيطرة الدولة على معظم المناطق، وأنهى الجانب العسكري لـ«قسد»، ونقل الخلاف مع سلطة الجولاني إلى الحل السياسي.
اللافت والمفاجئ في هذه المعارك، أنها جاءت بضوء أخضر أمريكي، رغم أن أمريكا تعتبر الراعي الوحيد لقوات «قسد»، وهي التي أنشأتها تحت شعار محاربة تنظيم «داعش»، مما أكد التوجه الأمريكي، للتعامل مع قيادات الدول، والسير في خطة تفكيك التنظيمات المسلحة، العاملة من خارج الجيوش النظامية، وهذا يتجاوز سورية، ليطال بشكل رئيسي، الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان.
كما برز هنا الموقف الروسي، باستباق هذه المعارك بالانسحاب الكامل لقواتها من مطار القامشلي، في محافظة الحسكة، والذي كانت تتمركز فيه منذ تدخلها في سورية عام 2015، مما أعطى الانطباع، بأن ما جرى كان بمعرفة موسكو، وبضوء أخضر منها، واعتبر مؤيداً للدولة السورية، وقرارها بالسيطرة على المناطق التي تقع تحت سيطرة «قسد».
زيارة الجولاني لموسكو بعد هذه التطورات الدراماتيكية، تؤكد ارتباطها الوثيق معها، كما تؤكد وجود ملفات أخرى عديدة، تتطلب البحث، وتتعلق بالترتيبات التي تتم لتحديد شكل الدولة السورية وهويتها وأهمها:
- تنظيم الوجود العسكري الروسي، في قاعدتها الجوية في مطار حميميم، والبحرية مرفأ طرطوس، خاصة وأن تواجد روسيا في منطقة الساحل السوري، يتعلق بشكل مباشر، بوضع الساحل في إطار البحث الذي يجري حول شكل الدولة السورية التي يتم بناؤها، بين الفيدرالية أو اللامركزية، ودور روسيا الذي يشكل توازناً مع الموقف التركي، في المنطقة المتاخمة لها، وهذا التواجد يحظى بالرضا من المجتمع المحلي، رغم المآخذ على الدور الروسي، في التغيير الذي حدث في سورية.
- بحث مسألة استمرار تزويد روسيا لـ«الجيش السوري» بالمعدات العسكرية، خاصة وأن تسليح «الجيش السوري»، كان يعتمد منذ ستينيات القرن الماضي على روسيا، وسورية اليوم بأمس الحاجة إلى هذا التسليح، بعد قيام الكيان الصهيوني، بتدمير معظم ما يمتلكه «الجيش السوري»، من معدات وتجهيزات ومواقع، بعد سقوط نظام الرئيس الأسد بعدة أيام، ويؤكد أهمية هذا الجانب من العلاقات بين البلدين، أن وزير الدفاع في نظام الجولاني، مرهف أبو قصرة، زار موسكو خمس مرات، خلال ستة أشهر، ورافق الجولاني في زيارته الأخيرة.
- استكمال الحديث عن وضع الرئيس بشار الأسد، والعدد الكبير من القيادات السياسية والعسكرية من النظام السابق، والمتواجدين في روسيا، حيث يعتبر إغلاق هذا الملف، حاجة لـ»السلطات السورية»، أكثر مما هو للسلطات الروسية، ويجري الحديث هنا، عن مخرج مريح للجانبين، بتشكيل محكمة دولية للرئيس الأسد في روسيا، بدون أن يتم توقيفه، وبوجود محامين دوليين، ويتم في نهايتها تبرئته، من كل التهم الموجهة إليه، باعتبار أن كل ما قام به من العام 2011، وحتى سقوط نظامه، أواخر العام 2024، جاء وفق صلاحياته القانونية والدستورية، وإغلاق هذا الملف بشكل نهائي.
- بحث التعاون الاقتصادي بين الجانبين، خاصة في ظل وجود اتفاقات استراتيجية بين البلدين، من عهد النظام السابق، وتواجد القوات الروسية في الساحل السوري، حيث تؤكد الدراسات، وجود النفط والغاز في المنطقة، إضافة إلى الديون الروسية المترتبة على سورية ويؤكد أهمية هذا الجانب، قيام «السلطات السورية» بطباعة كميات كبيرة من عملتها الجديدة في روسيا.
ومع هذا التشابك في العلاقات السورية -الروسية، كان لا فتاً الكلمات التي افتتح بها الجولاني زيارته إلى موسكو، والتي جاءت في عز الشتاء، والثلج يغطي الأراضي الروسية، حيث أشاد بحضور الرئيس بوتين، بشجاعة الجيش الروسي، في التصدي للأعداء، وبمساعدة قوى الطبيعة، في إشارة إلى فشل محاولات غزو روسيا، من قبل الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، والنازيين الألمان، وهي الكلمات التي لاقت إعجاباً من الرئيس بوتين، الذي يخوض جيشه حرباً في أوكرانيا، ومن ورائها أوروبا، التي تعتبر اليوم صديقة للنظام في سورية، لكنها لاقت جدلاً واسعاً، خاصة في أوساط المؤيدين للجولاني الذين يتهمون روسيا بالوقوف ضد «الثورة السورية»، كما يتوقع أن تلاقي صدى غير جيد في فرنسا، التي تعتبر إحدى الدول المؤثرة اليوم بالوضع في سورية، وفي ألمانيا، التي كان من المقرر أن يزورها الجولاني قبل زيارته لموسكو، وألغيت الزيارة بسبب خلافات حول ترتيباتها، وأيضاً في تركيا التي تعتبر «أم الصبي» للنظام السوري الجديد، والتي خاضت خلال تاريخها، سبع عشرة معركة مع روسيا، وخسرتها كلها، باستثناء واحدة فقط، وقد كان واضحاً أن الزيارة لم ترق لأنقرة.
كل هذه العوامل، أملت زيارة الجولاني الثانية إلى موسكو، خلال أقل من عام، وحظيت بضوء أخضر أمريكي، خاصة مع التوافق الأمريكي -الروسي على بقاء سورية دولة موحدة.
أما النتيجة الأهم التي ثبتتها هذه الزيارة، وهي أن سورية، بما تمتلكه من موقع جيوسياسي هام وفريد، لا يمكن أن تكون في جانب واحد، مع أي من القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، وإنما لا بد أن تكون في الموقع الوسط بين الجميع، رغم وقوعها عملياً تحت الهيمنة الأمريكية، وهو ما بات يدركه الجميع، وسيكون له التأثير الكبير على شكل الدولة السورية وهويتها الوطنية والقومية التي يتم رسمها اليوم.