تـقرير / لا ميديا -
زار قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران، السيد علي خامنئي، أمس، ضريح الإمام الخميني في طهران، عشية الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، في مشهد حمل دلالات سياسية واضحة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات الأمريكية المتكررة. الزيارة، التي تأتي سنوياً ضمن مراسم "عشرة الفجر"، اكتسبت هذا العام بعداً إضافياً مع تصاعد الخطاب العدائي من الولايات المتحدة والعدو الصهيوني، ما دفع المسؤولين الإيرانيين إلى التشديد على الجهوزية الشاملة والتمسك بخيار الردع.
التوقيت لم يكن عابراً؛ إذ تزامنت الزيارة مع ردود فعل إيرانية غاضبة على تهديدات أمريكية طالت القيادة الإيرانية بشكل مباشر، واعتُبرت في إيران تجاوزاً خطيراً للأعراف السياسية. ووفق مراقبين محليين، فإن الرسالة الأساسية من الزيارة كانت التأكيد أن القيادة مستمرة في أداء مهامها بشكل طبيعي، وأن التهديدات لا تؤثر في بنية القرار داخل الجمهورية الإسلامية.
وخلال مراسم تجديد ميثاق الحكومة مع مبادئ الإمام الخميني، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده يجب أن تسلك طريق العدالة والإنصاف في إدارة الشأن الداخلي، معتبراً أن معالجة المشكلات المعيشية والاقتصادية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الضغوط الخارجية. وقال إن المسؤولين ملزمون بالاستماع إلى صوت المواطنين؛ لكن في الوقت نفسه حذّر من "محاولات منظمة لتحويل المطالب المحقة إلى فوضى أمنية تخدم أجندات خارجية".
وأضاف بزشكيان أن "الأعداء، وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني وبعض الداعمين الغربيين، يسعون دائماً إلى إثارة الانقسام داخل المجتمع الإيراني"، مشيراً إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن وحدة الداخل كانت العامل الحاسم في إفشال هذه المحاولات. وشدد على أن الحكومة ماضية في مسار الإصلاح الاقتصادي وتحسين الخدمات، بالتوازي مع الحفاظ على الاستقرار.
من جهته، قال حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، إن "الرسالة الجوهرية للثورة كانت وما زالت وحدة الأمة"، معتبراً أن استهداف التماسك الاجتماعي هو المدخل الرئيسي لأي مشروع معادٍ. وأكد أن قوة إيران "لا تُختزل في السلاح فقط، بل في ثقة الناس بالنظام"، في إشارة إلى الرهان الرسمي على الجبهة الداخلية.
على المستوى الدبلوماسي، أوضح وزير الخارجية، عباس عراقجي، أن طهران لا ترى في الظروف الحالية أرضية ملائمة لمفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، في ظل استمرار سياسة الضغوط والتهديد. إلا أنه أكد أن بلاده "لا تغلق باب الدبلوماسية"، شرط أن تقوم على الاحترام المتبادل ورفع العقوبات ووقف لغة التهديد. وقال إن أي مفاوضات حقيقية تحتاج إلى إطار واضح وقواعد متفق عليها، مضيفاً أن "الاتفاقات المفروضة لا تصمد".
وقال عراقجي إنّ تغيير النظام في إيران "مجرّد وهم، والبعض يعيش هذا الوهم"، مشدّداً على أنّ النظام "راسخ جداً، وأساساته قوية للغاية، لدرجة أنّ تبدّل الأشخاص لا يحدث فرقاً".
عراقجي أشار أيضاً إلى أن واشنطن تواصل إرسال رسائل عبر وسطاء؛ لكن طهران تقيّم هذه الاتصالات بناءً على سلوك الطرف الآخر على الأرض. وحذّر من أن أي عمل عسكري ضد إيران "سيُواجَه بردّ قاسٍ ومؤلم"، مؤكداً أن القدرات الدفاعية الإيرانية تطورت بشكل يجعل أي حسابات لعمليات "محدودة وسريعة" غير واقعية.
عسكرياً، أعلن القائد العام للجيش الإيراني، اللواء أمير حاتمي، أن القوات المسلحة في حالة جهوزية كاملة، مشيراً إلى أن "العدو حاول في الأشهر الماضية الاستثمار في اضطرابات داخلية لتهيئة الظروف لاعتداء خارجي؛ لكنه فشل". وأكد أن الصناعات الدفاعية المحلية، من الصواريخ إلى أنظمة الدفاع الجوي، شهدت تطوراً ملحوظاً، وأن التجارب الميدانية الأخيرة ساهمت في رفع مستوى الكفاءة العملياتية.
حاتمي شدد على أن إيران "لا تسعى إلى الحرب؛ لكنها مستعدة لها"، مضيفاً أن أي اعتداء سيؤدي إلى اتساع نطاق المواجهة؛ لأن أمن المنطقة مترابط. كما لفت إلى أن معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية تمثل جزءاً من معادلة الأمن القومي، في خطاب يربط بين الاستقرار الداخلي والردع الخارجي.
في السياق نفسه، نفى حرس الثورة الإسلامية تقارير تحدثت عن اغتيال قيادات عسكرية أو استهداف مواقع تابعة له، واعتبرها جزءاً من حرب نفسية تقودها جهات معادية. وأكد، في بيان رسمي، أن هذه الشائعات تهدف إلى إرباك الرأي العام؛ لكنها "لن تؤثر في المعنويات أو الجهوزية الميدانية".
إلى ذلك تتواصل ردود الفعل من المؤسسات الإيرانية ضد قرار إدراج الاتحاد الأوروبي لحرس الثورة على "قوائم الإرهاب"؛ إذ اعتبرت وزارة الاستخبارات الإيرانية القرار خطوة سياسية تصب في إطار الضغوط الغربية، مؤكدة استمرار دعمها للحرس بوصفه مؤسسة عسكرية رسمية تضطلع بدور محوري في مكافحة التنظيمات المتطرفة.
في الملف النووي، أكد رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، محمد إسلامي، أن إيران لا تحتاج إلى سلاح نووي لتحقيق الردع؛ لكنها ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي ضمن الأطر الدولية. وأشار إلى أن المنشآت النووية خضعت للتفتيش وفق آليات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، محذراً من أن أي استهداف عسكري لها سيقود إلى تداعيات واسعة.
توازياً مع ذلك، تتحدث تقارير إعلامية عن تحركات إقليمية تدفع نحو تشديد الضغط العسكري على إيران، وهو ما تعتبره طهران مؤشراً إضافياً إلى حساسية المرحلة. وفي هذا المناخ، يبرز الخطاب الرسمي الإيراني الذي يجمع بين إبراز الجهوزية العسكرية، والتشديد على الوحدة الداخلية، وترك نافذة مفتوحة أمام الدبلوماسية المشروطة.
وفي سياق متصل، ‏كشف موقع "أكسيوس" الأمريكي، أمس، أن وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان، حرض الأمريكان على القيام بـ"عمل عسكري" ضد إيران، وذلك في اجتماع مغلق مع الجانب الأمريكي، يوم الجمعة الماضي، في واشنطن، مبيناً أن التراجع عن هذا العمل العسكري "قد يضعف الردع الإقليمي ويعزز موقف النظام الإيراني" حسب قوله.
تحريض وزير الدفاع السعودي، الذي نقلته لموقع "أكسيوس" أربعة مصادر حضرت الاجتماع، تؤكد أن السعودية ترفض، في العلن فقط، شن عدوان عسكري أمريكي على إيران، خوفاً من الغضب الإيراني ولتجنب ردود الفعل الإيرانية؛ لكنها، في السر، تطلب من الأمريكان الإسراع بشن هذا العدوان ضد إيران.
ويؤكد مراقبون أن السعودية هي الجهة التي ستمول تكاليف هذا العدوان الأمريكي على إيران؛ لأن ترامب بالنهاية لن يقوم بأي عملية عسكرية "مكلفة" من دون وجود ممول لهذه العملية.

ترامب يهرب للتفاوض
وفي تناقض في اللهجة الأمريكية، أكد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أمس، أن خطة واشنطن تقوم على "التفاوض مع إيران"، في وقت تواصل فيه إدارته التصعيد الإعلامي واستعراض القوة في المنطقة. ويعكس هذا الموقف، وفق مراقبين، إدراكاً أمريكياً لخطر أي مواجهة مباشرة مع طهران، والبحث عن مخرج سياسي يخفف كلفة التوتر، بعد تصاعد الرسائل الإيرانية الحازمة بشأن الجهوزية للرد.