دمشق - خاص / لا ميديا -
شهدت الأيام القليلة الماضية، والتي لا تتجاوز الشهر الواحد، تطورات مهمة جداً في الملف السوري، كان أبرزها من حيث التأثير والمؤشر على نوع التغيرات، الاجتماع الذي جرى في الأردن بوساطة أمريكية، وجمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، مع رئيس «الموساد الإسرائيلي» رومان غوفمان، تلاه حديث عن تقدم في الملف الأمني بين الجانبين.
سبق اللقاء، قصف مطار أبو الظهور العسكري، شمال غرب حلب، والذي يبعد فقط مسافة 70 كيلومتراً عن الحدود التركية، في خطوة استهدفت منع تركيا من بناء بنية عسكرية، ليس فقط في المطار، وإنما في عموم سورية، وحديث عن خسائر بشرية تركية تم التكتم عليها.
تلى لقاء الأردن، رفع اسم سورية من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وإيجاد حل نهائي لموضوع قوات سورية الديمقراطية «قسد» وفق برنامج حظي بدعم الطرفين، والقوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري.
وفي مؤشر له دلالاته أيضاً، تم الإعلان عن أول مشروع يجد طريقه إلى التنفيذ، لشركة سعودية لبناء حي سكني، وما يتضمنه من منشآت مدنية وتجارية وترفيهية، في منطقة ضاحية دمر القريبة من دمشق.
هذه التطورات، لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، لأنها توضح المحاولات التي تجري، لتحديد هوية سورية، وموقفها وتموضعها الإقليمي والدولي، والصراع التركي -«الإسرائيلي» -السعودي، لضمان بقاء دمشق في المجال الحيوي لهذه الدول، لأنها أصبحت تشكل بيضة القبان، والكفة المرجحة، لكل الدول التي تعمل لدور إقليمي وزعامة المنطقة.
ومع التطورات المتسارعة، التي تشهدها المنطقة والعالم، وخاصة العدوان الأمريكي -«الإسرائيلي» على إيران، وأزمة مضيق هرمز، والحرب في أوكرانيا، والمحاولات الجارية لربط الموانئ السورية مع العراق والخليج، وتأمين خطوط لإنتاج ونقل النفط والغاز بديلة عن مضيق هرمز، والتي تمر حكما في سورية، وتنتهي في موانئها، إضافة إلى الصراع الأمريكي -الصيني لقيادة السياسات والاقتصاديات العالمية، والمشروع الصيني طريق الحرير، ومنافسه طريق (الهند -الخليج -أوروبا) والتي تحتاج بدورها إلى سورية كنقطة مرور تنتهي في الموانئ السورية.
يضاف إلى كل ذلك، أن سورية تعتبر محطة رئيسية لخطوط وكابلات الاتصالات العالمية، والنظام المالي الرقمي العالمي الجديد، والتي تأتي في إطار مشروع الحكومة العالمية، للتحول الرقمي، والتي تشمل كل قطاعات الحياة والاقتصاد، لتتحول سورية بموقعها الجيوسياسي الفريد والهام إلى نقطة تقاطعات وتشابكات لكل هذه المشاريع والمخططات.
أخبار وتطورات غير عادية تتجاوز الميدان السوري، لتصل تأثيراتها وتداعياتها إلى كل القضايا الإقليمية والعالمية الساخنة، والعمل الجاري لتحديد توازنات القوى والقوة في المنظومة الدولية المتعددة الأقطاب، التي تتشكل على أنقاض المنظومة المتداعية، بقطبها الأمريكي الأوحد، وهو ما يتطلب الأمن والهدوء والنمو في سورية، وهو ما تؤكده التقارير والمعلومات، التي تتحدث عن سورية، وكيفية نظر القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، في الملف السوري إلى دور سورية المستقبلي وموقعها.
هنا يمكن التأكيد، أن هذه الإيجابية اللافتة تجاه سورية، لا تأتي حباً بالشعب السوري، أو حرصاً على أمنه ومستقبله، وإنما استجابة لمصالح تلك القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، وأصبح من مصلحة الجميع تكريس أجواء الأمن والهدوء والنمو في سورية.
بالتأكيد لن تكون هذه الخطوة بلا ثمن، وإنما سيكون الثمن الأهم فيها، يتعلق بالاتفاق الأمني المتوقع مع الجانب «الإسرائيلي»، والذي بدأت خطواته الأولى من لقاء باريس، الذي عقد في 24 تموز/ يوليو الماضي، وجمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ومسؤولين من الخارجية والمخابرات، مع وزير الشؤون الاستراتيجية «الإسرائيلي» رون ديرمر، وتلاه اجتماعات عديدة، في دمشق، وفلسطين المحتلة، وعدة عواصم عربية وأجنبية، وآخرها اجتماع عمّان، الذي ركز -بحسب بيان وزارة الخارجية السورية عن اللقاء- على «وضع آليات لوقف الاعتداءات، وإحياء التفاوض على اتفاق أمني» حيث تؤكد المعلومات، أن هذا الملف، وصل إلى مرحلة متقدمة، وبقيت الخلافات على بعض النقاط، ويتوقع أن يرى النور قريباً.
الاتفاق السوري -«الإسرائيلي»، سيؤدي فور إقراره إلى تغيرات جيوسياسية كبيرة في المنطقة، وسيكون له تأثير مباشر على توازن القوى فيها، ولذلك تؤكد المعلومات وجود ريبة تركية من التواصل السوري -«الإسرائيلي»، واحتمالات التوصل إلى الاتفاق الأمني ليس حرصاً من تركيا على حقوق ومصالح الشعب السوري، وإنما لأنه سيكون بالدرجة الأولى على حساب محاولات القيادة التركية بناء قوة إقليمية وتزعُّم المنطقة، وهذا غير ممكن بدون سورية.
أما عن انعكاسات ما يجري، على الداخل السوري فيتوقع أن تشهد الفترة القريبة المقبلة، تغيرات مهمة في بنية السلطة السورية، أهمها إبعاد المتشددين والأجانب من مراكز السلطة والقرار، وإيجاد حل لموضوع المسلحين الأجانب في الجيش والفصائل المسلحة، وهو ما بدأ الشهر الماضي، مع حملة التغييرات الكبيرة التي طالت عزل قادة كبار في الجيش السوري الحالي المكون من الفصائل المسلحة، مع «حركة تحرير الشام»، التي تمكنت من إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، بقرار إقليمي ودولي.
كما يتوقع اتخاذ خطوات عديدة، في الملفين السياسي والداخلي، أهمها إقرار دستور جديد، وإقرار عدة قوانين، لتتواكب مع المرحلة الجديدة، منها قانون الأحزاب، إضافة إلى قوانين مطلوبة في المجالين الاقتصادي والمالي، لتتواءم مع الوضع الجديد، بعد رفع العقوبات عن سورية.
كما يتوقع أن يكون للاتفاق مع قوات سورية الديمقراطية تداعيات إيجابية على بقية المناطق التي تحتاج إلى معالجة خاصة، مثل السويداء والساحل السوري، ويؤكد نجاح التجربة مع «قسد»، رغم التعقيدات التي كانت تتحكم بها، أن كل الملفات الأخرى ليست عصية على التوصل إلى الحل، خاصة وأن العوامل المحلية والقوى الإقليمية والدولية التي مهدت الطريق للاتفاق مع «قسد»، هي نفسها التي تتحكم ببقية الملفات.
سورية على أبواب مرحلة جديدة، تتوقف تفاصيلها، على كيفية معالجة سلطة دمشق لهذه الملفات، وقدرتها على المحافظة على حقوق الشعب السوري، وفتح الطريق لبدء مرحلة إعادة البناء والإعمار.