التقيناه صدفة في أحد أروقة الجامع الكبير بصنعاء، حيث رمضان بكل بهائه ونقائه. كان الصوت الهادئ ينساب قبل أن نراه؛ تلاوة خاشعة تملأ المكان سكينةً وطمأنينة.
هناك، كان يحيى إسماعيل الديلمي، مدير عام بيت الثقافة، وهو أحد سكان صنعاء القديمة، جالساً بقلبٍ حاضرٍ ولسانٍ يردد آياتٍ تلامس الروح قبل السمع. لم يكن اللقاء مرتباً ولا متوقعاً؛ لكنه بدا كأنه كذلك لتذكّرنا بأن للقرآن رجالاً إذا تلوه سكن الزمان، وهدأت القلوب، واستعاد المكان هيبته ونوره. كان بعض الزوار يبادلون الحديث معه حول أبواب الجامع العتيقة التي نُقل بعضها من قصر غمدان، وبعض الكتابات الحميرية.
اقتطعنا من وقته بعض الدقائق وطرحنا عليه بعض الأسئلة عن السلوك الرمضاني والعادات القديمة التي كانت حاضرة بين الناس، وكيف اختلف أو تلاشى بعضها. أجاب بأن التكافل الاجتماعي كان سمة عامة بين الناس، نساء ورجالاً، لتدارس القرآن في ليالي الشهر الكريم.
قبل ذلك، كانت كل الأسر تتبادل جميع أصناف الطعام، وكأن المدينة بيت واحد. أيضاً كان "المسحراتي" من رفاق الشهر الفضيل. كان يهتف عند السحور وينشد على إيقاع صوت الطبل ويردد أسماء البيوت: "يا بيت فلان، سحور، يا بيت فلان، سحور"... وهكذا، لم يكن المسحراتي مجرد موقظ للسحور، بل كان مدوناً للذكريات الجميلة بين الماضي والحاضر، ويذكر الناس بأن في صوت الطبل وحركة المسحراتي في الأزقة بساطة الحياة وشهر ينبض بالألفة والتراحم.
الأديب والقاضي يحيى الديلمي وجّه نصيحة للصائمين في رمضان وحث على التكافل الاجتماعي والتراحم والصبر، وفي ظل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد وجب التراحم بين الناس، ومن وسّع قلبه للناس، وسامح، وأحسن، عاش مطمئنًا؛ لأن الرحمة التي يعطيها تعود إليه أضعافاً، في الدنيا قبل الآخرة. فاجعلوا بينكم كلمة طيبة، ويداً تمتد بالعون، وقلباً لا يضيق بالناس.