تقرير / عادل بشر / لا ميديا -
في ظل تعقيدات إقليمية متداخلة، يُكرس التصعيد اليمني في البحر الأحمر إسناداً لغزة، فشل الخيار العسكري الغربي لردع العمليات اليمنية، منذ أواخر 2023م، فرغم الإمكانات العسكرية والتقنية الهائلة التي سخّرتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون و»إسرائيل» لمواجهة القوة الصاعدة من صنعاء، تواصل الأخيرة تحقيق اختراقات ميدانية تربك الحسابات الاستراتيجية لأولئك الحلفاء، وتطرح تساؤلات محرجة عن جدوى الخيار العسكري المتّبَع من جانبهم، وكيف استطاع اليمنيون الصمود في وجه بعض من أقوى الجيوش على مستوى العالم، وضبط إيقاع موقفهم التصاعدي توازياً مع جبروت الاحتلال «الإسرائيلي» المدعوم أمريكياً وغربياً في قطاع غزة.
ومؤخراً أعلنت القوات المسلحة اليمنية البدء بتنفيذ المرحلة الرابعة من الحصار البحري على الكيان الصهيوني، ويشمل كافة السفن التابعة لشركات أو المُشغلة من قبل شركات تتعامل مع «إسرائيل» مهما كانت جنسيتها أو وجهتها وفي أي مكان تطاله صواريخ ومُسيّرات صنعاء.. ليبرز بذلك تساؤل بين أوساط الباحثين الغربيين حول بقاء جبهة اليمن قوية، رغم ما يصفه الباحثون بـ»نجاح إسرائيل وأمريكا وحلفائهم في إضعاف بقية قوى محور المقاومة، عدا اليمن».

قوة الصمود
في مقابلة حصرية مع منصة إنجلسبيرج (Engelsberg Ideas)، قدمت الباحثة والأكاديمية البريطانية «إليزابيث كيندال» رئيسة كلية جيرتون بجامعة كامبريدج، وباحثة بارزة في الدراسات العربية والإسلامية بجامعة أكسفورد البريطانيتين، تحليلاً معمقاً لقوات صنعاء ومن تصفهم بـ»حركة الحوثيين في اليمن» مؤكدة أنهم «قوة محلية ذات جذور عميقة نشأت من معاناة السكان في شمال اليمن».
وفي اللقاء الذي أجراه الصحفي «جاك ديكنز» من مجلة «إنترناشونال إنترست» الأمريكية،  قالت كيندال، وهي الخبيرة الشهيرة في شؤون العرب و»الشرق الأوسط»، إن اليمنيين وخاصة «أنصار الله» يتمتعون بقوة صمود.. مشيرة إلى أنه «لم يمضِ وقت طويل منذ أن كان العديد من المسؤولين في قلب إدارة ترامب لا يزالون يصفونهم بجماعة متمردة متناثرة».
وأضافت «إنهم ليسوا كذلك تمامًا، إنهم مقاتلون متمرسون».. لافتة إلى أن أنصار الله لديهم خبرة عسكرية طويلة على مدار أكثر من عشرين عاماً من الحروب المتقطعة، بينها نحو تسع سنوات حرباً متواصلة قادتها «الرياض وأبوظبي» ضد صنعاء مطلع 2015م في تحالف دولي تحت مسمى «عاصفة الحزم»، الأمر الذي جعل الحرب نمط حياة لمعظم سكان اليمن الذين يعيشون في مناطق سلطة حكومة صنعاء.
كما لفتت إلى أن اليمن، بجغرافيته الجبلية الوعرة، يمنح أنصار الله تفوقًا عسكريًا لوجستيًا على أعدائهم، لاسيما وأن لديهم خبرة واسعة في إخفاء الأسلحة في مناطق لم تحددها أجهزة الاستخبارات الأمريكية والعالمية إلى حد كبير.
وأكدت الباحثة البريطانية أن اليمنيين «خاضوا أيضًا حربًا ضد عدد من أفضل الجيوش تمويلًا في المنطقة تتقدمها السعودية والإمارات، وانتصروا عليها بشكل أساسي. لذا، يشعرون أنهم لا يُقهرون، وهذا ينعكس على سلوكهم».
وأضافت «إنهم واثقون جدًا من أنفسهم، ولا يخشون أمريكا، وفي الوقت نفسه، لديهم قدرة عالية على تحمل الخسائر»، لذلك «سيواصلون صمودهم لأطول فترة ممكنة، وقد يستغرق ذلك وقتًا طويلًا».
وأشارت كيندال إلى عنصر آخر يعزز قوة صنعاء ويجعل من الصعوبة إسقاطها ويتمثل في «الاستخبارات، حيث من الصعب جدًا على الولايات المتحدة وإسرائيل تحقيق اختراق مماثل للحوثيين كما نجحا في تحقيقه مع حماس أو حزب الله»، نظرًا لضيق الوقت المتاح لهما لمحاولة اختراق أنصار الله، وصعوبة جمع معلومات استخباراتية موثوقة عنهم».

علاقة صنعاء بطهران
وفيما يتعلق بإيران، ترى الباحثة والأكاديمية البريطانية أن العلاقة بين صنعاء وطهران هي علاقة نفع متبادل وليست علاقة تبعية أو خضوع مباشر، كما يُشاع إعلامياً.
وقالت: «لقد كانت إيران حليفًا مفيدًا لهم، وكانوا كذلك بالفعل، لكن من الخطأ اعتبارهم وكيلا مباشرا لإيران. لا تملك إيران قيادةً وسيطرةً مباشرتين على الحوثيين». وأشارت إلى أن صنعاء، سواء بتعاون من طهران أو بدونه، ستواصل معاداة «إسرائيل» وأمريكا، وأن القوات المسلحة اليمنية لديها القدرة على الاستمرار في عملياتها الإسنادية لغزة أو دفاعاً عن اليمن، مهما كانت التحديات.
وأضافت «لديهم مخزوناتهم من الأسلحة، ويمكنهم إنتاج أسلحة عسكرية وعتاد وصواريخ وما إلى ذلك محليًا، وهذا يمنحهم قوة كبيرة، لأنه قتال غير متكافئ».. مؤكدة في ذات الوقت أن أسلحة صنعاء «أصبحت أكثر تطوراً ودقة».

القضية الفلسطينية
الباحثة إليزابيث كيندال، التي سبق لها العمل مع مكتب مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، وقدمت استشاراتٍ لجهاتٍ في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والجيش البريطاني، والجيش الأمريكي، وزارت صنعاء عام 2013م تطرقت في اللقاء إلى موقف صنعاء من القضية الفلسطينية، وخوض القوات المسلحة اليمنية الحرب إلى جانب المقاومة الفلسطينية ضد العدو «الإسرائيلي»، مؤكدة أن هذا الموقف والتضامن مع مظلومية غزة، هو «حقيقي» وينبع من عمق «أيديولوجي» وقلق على مصير الفلسطينيين وخاصة سكان غزة.
ولفتت إلى أن هذا الموقف يحظى بشعبية كبيرة على الصعيد المحلي والإقليمي، خصوصاً في ظل التخاذل العربي الفاضح، وفي الوقت نفسه، يبقى العداء لأمريكا و»إسرائيل» جزءًا لا يتجزأ من أيديولوجيتهم، حيث تعبر شعاراتهم عن رفض التدخل الخارجي ودعم الاحتلال.
وأشارت إلى أن أنصار الله تمكنوا من خوض مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دامت سبعة أسابيع، كلفت واشنطن مليارات الدولارات، وانتهت بوقف إطلاق نار، وهو ما اعتبروه نصرًا مؤزرًا، إذ إن أمريكا جلست معهم على الطاولة، واعترفت بهم ضِمنيًا كقوة لا يمكن تجاوزها، وفي هذا الاتفاق لم يقدموا أي تنازل يتعلق بـ»إسرائيل»، بل فقط تعهدوا بعدم استهداف السفن الأمريكية، واستمروا في استهداف السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني.

الزوامل وتأثيرها
الباحثة البريطانية وفي ذات اللقاء تطرقت إلى عنصر آخر من عناصر الصمود لدى صنعاء، واصفة إياه بـ»الأمر البالغ الأهمية»، ويتركز -بحسب كيندال- في براعة استخدام وسائل الإعلام والدعاية، من خلال قنوات تلفزيونية ومواقع إلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، لنشر الرسائل التي تستهدف الجماهير المحلية والإقليمية، وتعزز مواقف صنعاء السياسية والعسكرية.
وقالت كيندال، المتخصصة أيضاً في فهم الآليات الثقافية والشعر العربي خاصة في «الشرق الأوسط»، واليمن بالدرجة الأولى، إن من وصفتهم بـ»الحوثيين» بارعون جداً في الدعاية الإعلامية.. مضيفة أنهم «يُنتجون مواد بارعةً ذات تناغم ثقافي عالٍ، تشمل هذه المواد الشعر العربي، وهو تخصصي، وهو شعرٌ آسرٌ وقويٌّ للغاية».
وبيّنت أن قدرة صنعاء على إنتاج محتوى إعلامي مؤثر ومتناغم مع الثقافة المحلية منحها أدوات تأثير لا تقل فاعلية عن الصواريخ والطائرات المسيّرة.. داعية أمريكا و»إسرائيل» والغرب، إلى عدم الانشغال بتدمير منصات إطلاق الصواريخ وقصف الموانئ ومصانع الأسمنت وغيرها من البنى التحتية في اليمن، وإنما مواجهة السلاح الثقافي بالمثل، وأن تولي ما وصفته بـ»أدوات القلوب والعقول» اهتماماً أكبر بكثير في استراتيجيتها ضد اليمن.

فشل الحل العسكري
ورداً على سؤال حول ما يتطلبه الغرب وأمريكا في التعامل مع اليمن بعد ثبوت فشل الحل العسكري، أفادت الباحثة كيندال أن الحل العسكري لا يمكن أن يكون كافيًا لإنهاء الأزمة اليمنية، بل يجب أن يقترن بجهود دبلوماسية وحوار سياسي شامل يضم «الحوثيين» كطرف رئيسي في العملية السياسية، نظرًا لسيطرتهم الواسعة وقوتهم العسكرية.
وأوضحت أن القوى المناهضة لصنعاء مشتتة بين ولاءاتها  للرياض وأبوظبي، والأخيرتين، أيضاً، «تتعارض شراكاتهما ونهجهما الشعبي مع بعضهما البعض. وهذا لا يُجدي نفعًا في محاولة إيجاد حل لليمن، لأنه يعني أن القوى المناهضة للحوثيين ليست متماسكة بما يكفي».
وأضافت «في الواقع، هذا يقودنا إلى الأمر الثاني الذي علينا فعله: إيجاد بديل فعال للحوثيين. قد يبدو الحوثيون أحيانًا الخيار الأمثل في اليمن». مشيرة إلى أن حكومة الفنادق وما يسمى بـ»مجلس القيادة الرئاسي» الموالين للسعودية والإمارات «ضعاف ويعانون من صراعات داخلية ولا يتمتعون بتأثير ميداني».
واستطردت «يجب إدراك أن الحوثيين يجب أن يكونوا جزءًا من الحل. لا يُمكن أن يكون لديك جماعة مسلحة بهذا القدر، ولديها كل هذه الخبرة العسكرية الواسعة، وتسيطر على جزء كبير من السكان، ثم تتوقع ألا تكون جزءًا من حكومة تقاسم السلطة».
وحول مستقبل «الشرق الأوسط» خلال العقدين المقبلين، أكدت الباحثة «إليزابيث كيندال» أن استقرار «الشرق الأوسط» يظل بعيد المنال بدون حلٍ عادلٍ للقضية الفلسطينية، التي تبقى العامل الأبرز في تأجيج الصراعات والتوترات.
وأوضحت أن اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني لا تمثل السلام الحقيقي، وأنه لا يمكن خداع الشعوب العربية بالصفقات بين الحكومات، قائلة «نخدع أنفسنا إذا ظننا أن إبرام صفقات مع الأنظمة سيُحقق ذلك، لأن الشارع العربي -الرأي العام- بحاجة إلى رؤية حلٍّ ما للقضية الفلسطينية».
ولفتت إلى أن استمرار الاحتلال «الإسرائيلي» واستفحال الاستيطان يجعل حل الدولتين أقرب إلى الوهم، مؤكدة أن الاستقرار لن يتحقق ما لم تُحلّ القضية المركزية التي تحرك مشاعر الشعوب وتُشعل جذوة الصراع في المنطقة.
كما توقعت كيندال أن التنافس الإقليمي الداخلي، مستقبلاً، قد لا يكون متعلقاً بانقسام سني وشيعي، بل ستبرز منافسات جديدة داخل كتلة السنة، مثل التنافس بين السعودية والإمارات أو صعود تركيا، كما أن أزمة الخليج بين قطر وجامعة الدول العربية، قد لا تكون حُسمت تمامًا، وربما لا يزال أحد أبرز خطوط الصدع هو قطر ضد الإمارات.
وخلصت إلى القول «لا أعتقد أن كل شيء سيكون على ما يرام لمجرد إضعاف إيران».