دمشق..هل حان وقت التغيير؟!
- تم النشر بواسطة خاص / لا ميديا

دمشق / خاص / لا ميديا -
ما إن يجتمع الزائر لدمشق هذه الأيام باثنين من السوريين، ويسألهم عن الوضع في سورية، يتفق الاثنان على القول بأنهما يعرفان أن السلطة الحالية لن تستمر طويلاً. لكن الصورة لا تبدو واضحة حول متى وكيف ستنتهي هذه السلطة، وسط ضبابية المشهد السوري.
هذه الصوة الجمعية عند الشعب السوري فاقت بكثير الصورة التي تكونت في أواخر حكم الرئيس بشار الأسد، بعدما فقد حاضنته الشعبية التي أمّنت له الصمود والبقاء طيلة أربعة عشر عاماً، بسبب الفساد الذي استشرى في إدارته وسيطر على كل مفاصل الدولة ومؤسسات الحكم، وأدت إلى تجويع الشعب السوري، وكانت الثغرة القاتلة التي دخلت منها القوى الإقليمية والدولية لإسقاطه بسرعة لم يكن يتوقعها أحد.
بالتأكيد هذا الشعور الموجود عند المواطن السوري لم يأت من فراغ، وإنما من معطيات داخلية وخارجية تؤكد أن الوضع في سورية لا يمكن أن يستمر بهذا الشكل، بسبب تناقضه مع مصالح معظم القوى، الداخلية والإقليمية والدولية المؤثرة.
فالجولاني وحكومته يراكمون، منذ سيطرتهم على السلطة في دمشق، فشلاً داخلياً وخارجياً، بسرعة لا يوازيها، سوى سرعة فقدان كل الأوهام، التي بنتها بعض شرائح المجتمع السوري على هذه السلطة.
من حل الجيش السوري وتدمير أسلحته، وتشكيل جيش وقوى أمن طائفية، وحل مؤسسات الدولة والاقتصاد، إلى تسريح الناس من وظائفهم وتوقيف رواتبهم، وعمليات القتل والخطف، وفقدان الأمن، وسيطرة الشعور بالقلق، الذي بدأ يطال كل شرائح المجتمع السوري، وصولاً إلى مجازر الساحل، ثم جرمانا وصحنايا، وتفجير الكنيسة، ثم السويداء، ثم الفشل في الاتفاق مع «قسد»، مروراً بالبيان الدستوري الذي لا يعكس هوية وروحية الشعب السوري، إضافة إلى تغول سلطة الجولاني بالمُحرم السوري، أي العمل على وتر الطائفية والتكفير، والذي دخل إلى الجامعات والمؤسسات والمساجد، ووصل إلى خطوط حمراء، بالمس بمعتقدات الغالبية السنية القائمة في سورية، على الأشعرية والماتريدية والطرق الصوفية، التي عُرفت على مدى قرون من الزمن، بالوسطية والاعتدال، والتعايش مع باقي مكونات المجتمع السوري، لتحل محلها الأفكار والمعتقدات التكفيرية القائمة على الوهابية والفكر الإخواني، التي يرفضها معظم المكون الإسلامي السني في سورية، والغالبية العظمى من الشعب السوري.
أيضاً اللقاءات والاتصالات مع «الإسرائيليين»، والتي أصبحت علنية، لكنها تتم بصمت من قبل السلطات القائمة، بدون أن يصدر ولو بيان أو تصريح واحد يشرح للشعب السوري مبررات هذه اللقاءات، وماذا يجري فيها، وعلى ماذا يتفقون، خاصة مع تناقل الأخبار والبيانات غير السورية عن تنازلات جوهرية تمس السيادة السورية...
أدت هذه الممارسات والسياسات وتراكم الأخطاء، إلى ضعف سلطة الجولاني، وتراجع تأثيرها في معظم الجغرافية السورية، وإلى توسع الفجوة بينها وبين معظم مكونات المجتمع، بما فيها الطائفة السنية الكريمة، التي يدعي تمثيلها، وبدأت أصوات وازنة، من الشيوخ ونخب الطائفة والمجتمع السوري، تنتقل من الصمت إلى رفع الصوت الرافض لهذه الممارسات.
هذه الحالة لم تعد مقتصرة على المواقف الشخصية المنفردة، أو التصريحات الإعلامية، وإنما انتقلت إلى بداية عمل منظم، إذ بدأت تظهر بيانات ومواقف، من شخصيات وتجمعات سورية، داخلية وخارجية، ترفض سياسات السلطة، وتدعو إلى تغيير حقيقي في الممارسات، وفي مؤسسات الحكم القائمة.
أبرز هذه التحركات إعلان شخصيات سياسية وثقافية وأكاديمية سورية وازنة إطلاق مبادرة سياسية تحت اسم «جبهة الإنقاذ السورية»، لاستعادة الشرعية الشعبية وبناء دولة ديمقراطية.
وجاء في البيان التأسيسي أن المطالب المطروحة تُعد «خطوات ضرورية وملحّة لبقاء سورية موحدة»، في ظل الصدوع المجتمعية والتدخلات الخارجية التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية.
وشدد البيان على أن «المسؤولية الوطنية تقتضي تجاوز العواطف، وتجنب تضييع هذه اللحظة التاريخية»، داعياً السوريين إلى تبني هذه المبادرة، ومنحها الزخم الشعبي اللازم.
المهم في البيان أن شخصيات بارزة وقعت عليه، منهم رجل الأعمال السوري المقيم في بريطانيا أيمن الأصفري، الذي يطرح اسمه كثيراً كمرشح لتشكيل حكومة وحدة وطنية.
كما تم توزيع بيان لا يتضمن أسماء الموقعين عليه؛ لكنه متقدم كثيراً على بيان «جبهة الإنقاذ»؛ لأنه يتضمن برنامجاً متكاملاً لتغيير السلطة وآلية عملية التغيير.
يدرك العارفون في كواليس السياسة وتركيب الأنظمة في المنطقة أن ما من تحرك سياسي فاعل يمكن أن يتم من تلقاء نفسه، وبدون وجود دعم وتبنٍّ إقليمي وخارجي وازن، وهو ما يمكن أن ينطبق على بيان «جبهة الإنقاذ السورية»، والتي لا يمكن النظر إليها إلا كتجهيز للساحة السورية للتغيير وتجهيز البديل (والجوكر) في حال اتخاذ قرار التغيير.
أما عن السيناريوهات المتوقعة فتتراوح -وفق ما يطرح في الكواليس والتسريبات الإخبارية- بين أربعة سناريوهات:
الأول: يقول إنه لا يزال هناك حاجة لسلطة الجولاني حتى توقع اتفاق التطبيع مع الكيان الصهيوني وتدخل في «الاتفاق الإبراهيمي»، لجعله أمراً واقعاً يصعب على أي سلطة أو حكومة جديدة الخروج منها، على غرار ما حدث في اتفاق «كامب ديفيد» في مصر، وبعدها لا بد من سلطة جديدة تواكب المرحلة التالية.
الثاني: أن هذه السلطة باقية حتى انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد لقائه رئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع في السعودية، وتقييم الإدارة الأمريكية للنتائج في نهايتها.
الثالث: أن هذه السلطة باقية حتى يتم إعداد «الجوكر» البديل، من داخل السلطة أو من خارجها.
الرابع: احتمال الإبقاء على الشرع كشخصية معتدلة، مع تغيير باقي الطاقم في مؤسسات الحكم، والمكون بمعظمه من قادة المجموعات والفصائل المسلحة المتشددة، ومع تغيير البيان الدستوري وتشكيل حكومة بتمثيل حقيقي لكل مكونات المجتمع السوري، تعيد إنتاج مؤسسات الحكم في الدولة السورية على أسس القانون والمواطنة.
أما عن آلية التغيير، فبعكس ما تبدو عليه الصورة الظاهرية من سيطرة المجموعات المسلحة على الجيش والمؤسسات الأمنية، فمعروف عنها أن جميعها مع نظام الجولاني، موجودة بدعم من دول وقوى خارجية إقليمية ودولية، وقرار عزلها وتغييرها يتم من قبل هذه القوى، والأمر متوقف على تلاقي مصالح هذه القوى على قرار التغيير، وهو ما يبدو أن الأوضاع تسير باتجاهه.
المصدر خاص / لا ميديا