تقرير/ خاص / لا ميديا -
زياد الرحباني، فنان الدراويش الذي نزع عنهم أسمال الزيف وغشاوات الموقف وتركهم لوضوح الشمس تمردا ورفضا. لا مساومة مع الحقيقة، والبقاء في الظل أسمال زيف أخرى ونظارات شمس أكثر عتمة وقتامة.
فنان الدراويش والغلابى الذي ملأ جيوبه حلوى ضوء وراح يوزعها عليهم بلا تعب سوى ما يعانيه الجسد الذاوي وهو يذبل حتى الانطفاء. لكنه الانطفاء ضوءا بعد سبعة عقود خاضها كما تخاض المحيطات، فكانت هي عمر ذلك الجسد. أما الروح فلا زمان ولا مكان ولا خرائط ولا حدود؛ مقاومة فقط ولا شيء سوى المقاومة.
هي أمه قبل فيروز وأبوه قبل عاصي وأرزه قبل لبنان. هي صرخة الرفض في وجه الزيف: أنا مش كافر بس الجوع هو الكافر. الجوع الذي ينهش أطفال غزة بلا رحمة ويترك أجسادهم هياكل عظمية أمام مرأى ومسمع العالم «المؤمن» بلدانا وأمما وأديانا وشرقا وغربا، هو لا غيره الكافر الحقيقي. وبالتالي فالمقاومة هي الصوت الذي لا يمكن لزياد أن يرى نفسه بدونه، و»لو لم تكن فيروز مع المقاومة لما لحنتُ لها». هكذا يعلن زياد بكل بساطة وبكل صراحة. و»من يهاجم السيد حسن نصر الله وفيروز فهو يدافع عن إسرائيل».
زياد آخر الرحابنة الأنبياء الذين يعرفهم الله وينكرهم الشيطان، وابن فيروز التي لها أن تمسح عن ابنها المصلوب جراحا عمرها عمر الأرض، وأن تواريه بكفن من يديها مطرز بالطهر والعشق والمقاومة لتعود إلى محرابها أيقونة مضيئة لكل أبنائها الممتدين من أقصى الخليج إلى أقصى المحيط.
ودعت الساحة الفنية العربية، أمس، الفنان اللبناني الكبير وأيقونة النضال الغنائي زياد عاصي الرحباني، عن عمر ناهز 69 عاما، بعد معاناة طويلة مع المرض.
وتوفي زياد في أحد مستشفيات العاصمة اللبنانية بيروت، لتسود حالة من الصدمة في الأوساط الفنية والثقافية، وتنهال كلمات النعي من شخصيات سياسية وفنية.
وبرحيل زياد يكون لبنان والعالم العربي قد خسرا أحد أبرز أعمدة الفن النقدي الملتزم، ورائدا في المسرح والموسيقى، وكاتبا جسد هموم الناس وآمالهم بكلمة صادقة ولحن لا ينسى.
زياد فنان وملحن ومسرحي وكاتب لبناني اشتهر بموسيقاه الحديثة وتمثيلياته السياسية الناقدة التي تصف الواقع اللبناني الحزين بفكاهة عالية الدقة. هو نجل أيقونة الغناء العربي فيروز، والملحن الراحل عاصي الرحباني، نشأ في بيئة فنية استثنائية، لكنه اختار طريقه الخاص، مبتعدا عن الأطر التقليدية، ليرسم لنفسه مسارا نقديا وفكريا جريئا، يتقاطع فيه الفن مع السياسة، والموسيقى مع الموقف، والكلمة مع الضمير.
تميز أسلوب زياد الرحباني بالسخرية والعمق في معالجة الموضوع، كما أنه يعتبر طليعيا شيوعياً وصاحب مدرسة في الموسيقى العربية والمسرح العربي المعاصر.
جاءت علاقة زياد بالموسيقى من بوابة الأدب؛ إذ كتب في سن مبكرة نصوصًا شعرية بعنوان «صديقي الله»، أنجزها بين عامي 1967 و1968، وقد لفتت هذه النصوص الانتباه إلى موهبة أدبية واعدة، كانت تُبشر بولادة شاعر متمكّن، لولا أن اختار لاحقًا تكريس طاقته بالكامل للموسيقى والتأليف المسرحي.
في 1971، وضع زياد أول ألحانه الغنائية بعنوان «ضلك حبيني يا لوزية»، والتي شكّلت مدخله الفعلي إلى عالم التلحين. ثم جاءت اللحظة المفصلية في عام 1973، حين كان لايزال في السابعة عشرة من عمره، حين لحن أغنية لوالدته فيروز، وذلك في ظل دخول والده عاصي الرحباني إلى المستشفى وتغيبه عن العمل الفني. كانت فيروز حينها تستعد لبطولة مسرحية «المحطة» من تأليف الأخوين رحباني، فكتب منصور الرحباني كلمات أغنية تعكس الغياب المفاجئ لعاصي، وأسند مهمة التلحين إلى زياد.
جاءت النتيجة على شكل الأغنية الشهيرة «سألوني الناس»، التي أدّتها فيروز ضمن المسرحية، وأحدثت صدى واسعًا فور صدورها، إذ مثّلت أول ظهور حقيقي لزياد كملحن ضمن أعمال العائلة الرحبانية. وقد شكّلت هذه الأغنية بداية مرحلة جديدة في مسيرته، وأظهرت ملامح أسلوبه الخاص، المختلف عن نهج والده وعمه، وفتحت أمامه باب التعاون الموسيقي مع فيروز الذي امتد لعقود لاحقة.
شارك زياد الرحباني في أول ظهور له على خشبة المسرح في مسرحية «المحطة»، مجسدًا دور الشرطي، وهو الدور ذاته الذي كرره لاحقًا في مسرحية «ميس الريم»، حيث قدّم مشهدًا حواريًا موسيقيًا مع فيروز، سائلًا إياها عن اسمها وبلدتها في قالب ملحّن. إلا أن مشاركته لم تقتصر على التمثيل، فقد قام أيضًا بتأليف موسيقى مقدمة «ميس الريم»، والتي أثارت إعجاب الجمهور لما حملته من تجديد في الإيقاع والأسلوب، كاشفة عن لمساته الشابة المختلفة عن أعمال والده وعمه.
لاحقًا، طلبت منه فرقة مسرحية لبنانية -كانت تعيد تقديم مسرحيات الأخوين رحباني، وتضم المغنية مادونا التي كانت تؤدي دور فيروز- أن يكتب مسرحية أصلية جديدة من تأليفه وتلحينه، فاستجاب لذلك وكتب أول أعماله المسرحية: «سهرية». وقد احتفظت هذه المسرحية بشكل المسرح الرحباني الكلاسيكي، إلا أنها كانت أقرب إلى ما وصفه زياد بـ»حفلة غنائية»، حيث كانت الأغاني هي العنصر الأبرز، وتدور الأحداث فقط لتخدم تقديم المقطوعات الموسيقية، في تقليد واعٍ للمسرح الرحباني.
مع مرور الوقت، أحدث زياد تحولًا كبيرًا في شكل المسرح اللبناني؛ إذ ابتعد عن النمط المثالي والخيالي الذي تميز به مسرح الأخوين رحباني، واتجه إلى مسرح سياسي واقعي يعكس حياة الناس اليومية، خصوصًا في ظل أجواء الحرب الأهلية اللبنانية. فكانت أعماله تعبيرًا مباشرًا عن هموم المجتمع اللبناني، بلغة نقدية لاذعة وسخرية ذكية. 
عُرف زياد الرحباني بعلاقته الطويلة مع الحركات اليسارية اللبنانية، وصرّح بأنه شيوعي الهوى، وظلّ منخرطًا في الحزب الشيوعي اللبناني طوال حياته. أثار جدلًا كبيرًا بمقالاته الإذاعية الساخرة وبرامجه السياسية الفنية مثل برنامج «العقل زينة». وفي مقابلة أجراها مع الصحفي غسان بن جدّو، صرّح الرحباني بأن مجزرة تل الزعتر التي ارتكبتها ميليشيات مسيحية يمينية متطرفة في عام 1976، كانت الدافع الرئيسي لانتقاله إلى بيروت الغربية. وعلى الرغم من ذلك، عبّر أيضًا عن دعمه للمقاومة اللبنانية ومشروعها في مواجهة الاحتلال الصهيوني ونظامه العنصري «الأبارتايد». ورغم نقده الحاد للأنظمة والحكومات، إلا أنه بقي مناصرًا للقضايا القومية مثل القضية الفلسطينية، وانتقد ما سماه «تحالف السلطة والمال والدين».
كما كان موقفه من المقاومة موقفا مؤيدا وداعما ظل يعبر عنه على الدوام، حيث أكد بكل صراحة أن والدته السيدة فيروز تحب السيد حسن نصر الله وأن فيروز لو لم تكن مقاومة لما قام بالتلحين لها.
ولم يكن يتوقع أنه بمجرد أن يقول إن السيدة فيروز تحب سماحة السيد حسن نصر الله، ستنتشر المقالات والانتقادات لتشوه صورة السيدة والرحابنة وكل هذا التاريخ المحمي بأهداب عيون محبيه من المشرق إلى المغرب.
وفي مقابلة له مع قناة الميادين رد زياد على الذين هاجموا تصريحاته بالقول إن «من يهاجم فيروز ونصر الله يدافع عن إسرائيل».