معضلة «الجيش السوري» الجديد
- تم النشر بواسطة خاص / لا ميديا
دمشق - خاص / لا ميديا -
مشاكل صعبة وعويصة يواجهها الجيش السوري الجديد، الذي تم تشكيله بعد التغيير الدراماتيكي الذي حصل مع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، ووصول «جبهة النصرة» والفصائل المتحالفة معها، بقيادة «أحمد الشرع» (أبو محمد الجولاني) إلى السلطة في سورية.
فتسمية الجيش السوري، التي أطلقت على التشكيلات الموجودة، هي تسمية مجازية، تتناقض مع أنظمة وقوانين التشكيلات العسكرية والجيوش في الدول المستقرة؛ لأسباب عديدة، أهمها:
- تشكل هذا الجيش من الفصائل المسلحة التي كانت تحارب الجيش السوري، الذي انهار مع تغير السلطة في دمشق، والتي يبلغ عددها أكثر من 130 فصيلاً مسلحاً، تم توزيعها على فرق عسكرية جديدة انتشرت في مختلف المحافظات، لكنها بقيت تعمل وفق روح الفصيل، وبإمرة قياداتها، أكثر مما تعمل وفق قرارات وتعليمات وزارة الدفاع والقيادة السياسية والعسكرية.
- افتقار ضباطه إلى الخبرة الأكاديمية والتثقيفية العسكرية والعامة التي يتطلب أن يتمتع بها الضباط المحترفون، لأن معظمهم ليسوا من خريجي الكليات العسكرية، ولا يحملون حتى شهادات ثانوية، وتم منحهم الرتب التي يحملونها بموجب قرارات من السلطات الموجودة، اعتماداً على مواقعهم في الفصائل المسلحة التي كانوا يقودونها، إذ تم منح رتبة عميد لقادة الفصائل الكبيرة، التي تحولت إلى فرق عسكرية، ورتباً أدنى لبقية القادة، ووحده وزير الدفاع، مرهف أبو قصرة، يحمل شهادة جامعية بالهندسة الزراعية؛ لكنه لم يدخل أي كلية عسكرية، وتم منحه رتبة لواء.
- افتقاره إلى العقيدة الوطنية، بسبب وجود عدد كبير من القادة من جنسيات أجنبية، وخاصة من الجنسية التركية.
- افتقاره إلى العقيدة العسكرية، بسبب عدم تحديد هويته، بين أن يكون جيشاً محترفاً وعلى الطريقة الغربية، أم يستمر بعقيدته الشرقية، وبمصادر تسليحه من روسيا، إضافة إلى عدم تحديد من هو العدو والصديق.
- وجود عدد كبير من قادة الجيش على القوائم الأممية والأمريكية والأوروبية للشخصيات والفصائل الإرهابية.
- عدم وجود تشكيلات عسكرية متخصصة بحسب الأسلحة والمهمات القتالية، مثل سلاح المدرعات، المدفعية، الدفاع الجوي، الإشارة، الحرب الإلكترونية... لافتقار هذا الجيش إلى تلك المعدات والتجهيزات التي تتطلبها هذه الأسلحة، بسبب تدمير الكيان الصهيوني لمعدات ومخزونات الجيش السوري القديم، عبر مئات الطلعات الجوية، وعلى مدة عدة أيام، كانت كفيلة بتدمير معظم تلك الممتلكات.
- بقاء التشكيلات العسكرية على ولاءاتها وعلاقاتها المحلية والعشائرية والمناطقية، إضافة إلى الخلفيات الإسلامية المتشددة لبعض الفصائل، وهذا ما جعل من الصعب على القادة والمقاتلين أن يتحولوا من عقلية الفصيل والمجموعة إلى عقلية الوحدات المنضبطة والمنظمة رسمياً وتعمل بإمرة وزارة الدفاع والقيادة السياسية.
- ولاء بعض الفصائل للجهات الخارجية التي أنشأتها ومولتها خلال سنوات الأزمة السورية، مثل تركيا والسعودية والإمارات وغيرها، واستخدام بعضهم في مهمات خارجية، وخاصة من قبل تركيا، التي استخدمت بعض هذه الفصائل في أذربيجان وليبيا وأوكرانيا، وفي أكثر من مكان.
- وجود فصائل تعود أصول أفرادها إلى دول مؤثرة، مثل الإيغور الصينيين والقوقاز والشيشان الروس والكتيبة الفرنسية، وغيرها، وهؤلاء يشكلون عقبة كبيرة بسبب عقيدتهم الجهادية وتصنيفهم في بلدانهم الأصلية بأنهم إرهابيون ومرتزقة ومطلوبون للمحاكمات، واشتراط الأمم المتحدة والقرارات الدولية والدول المؤثرة استبعادهم من الجيش، وتنفيذ هذه المطالب ليس أمراً سهلاً على السلطات السورية، بسبب دورهم في القتال إلى جانبها، وتأثيرهم ضمن الكثير من الفصائل، إضافة إلى أن معظم دولهم الأصلية تفضل قتلهم على عودتهم، أو حتى تسليمهم لها بشكل قانوني ورسمي.
- دخول المصالحة بين السلطات السورية وتنظيم قوات سورية الديمقراطية «قسد» حيز التنفيذ، وهذا تطلب بقاء تشكيلات من «قسد» تعمل نظرياً بإمرة وزارة الدفاع، لكنها عملياً بقيت محافظة على استقلالية كبيرة لها.
هذه الحالة، تجعل من شبه المستحيل على السلطات السورية تشكيل جيش موحّد وفق الأنظمة والقواعد التي تتشكل منها الجيوش الوطنية والمحترفة، وإنما هي مضطرة للعمل على تجميع الفصائل والقوى الموجودة، داخل هيكل شبه عسكري وأقرب للمجموعات المسلحة التي تديرها وتشرف عليها وزارة الدفاع، حتى بدون أن تفرض سيطرتها الكاملة عليها، لتجد نفسها أمام جيش يوحّده الاسم والزيّ والهيكل التنظيمي، لكنه يتكوّن عملياً من جيوش صغيرة، محدودة التسليح، ولكلّ منها قياداتها ومرجعياتها المحلّية.
أيضاً ستلاقي السلطات السورية صعوبة كبيرة في تسليح الجيش الجديد، بين أن يكون من مصادر أمريكية وغربية، وهذه عادة تخضع لقواعد وشروط تتعلق بالصراع مع العدو الصهيوني، أو أن تستمر بالتسلح من روسيا، وهذه الحالة لها تعقيداتها الخاصة أيضاً، خاصة في ظل التموضع الذي أخذته السلطة السورية الجديدة، ضمن المنظومة الأمريكية الغربية.
أما أكبر العقبات أمام تشكيل جيش سوري بمواصفات وطنية، فهو الارتباط الوثيق بين تحديد شكل الجيش وتسليحه وعقيدته الوطنية والعسكرية، والصراع مع العدو الصهيوني، والترتيبات التي يجري الإعداد لها لتوقيع اتفاق أمني بين الجانبين، حيث من المؤكد أن شروطاً قاسية ستوضع على الجانب السوري فيما يتعلق ببنية الجيش الذي سيكون موجوداً في المستقبل، وتحديد تسليحه ونوعيته ومصدره، وبما يجعله غير قادر على خوض أي حرب مع الكيان أو تشكيل أي تهديد له.
كما يتطلب الأمر سنوات طويلة حتى إعداد أجيال جديدة من الضباط العسكريين من خريجي الأكاديميات العسكرية، واكتساب الخبرة اللازمة لقيادة الجيش والوحدات العسكرية، والتدريب على الأسلحة التي سيتم تزويد الجيش السوري بها، وهذا الأمر يتطلب البدء من الصفر، لإعداد هذه الأجيال من الضباط والقادة.
مجمل هذه الصعوبات والظروف، التي تحيط بتشكل الجيش السوري وهيكليته وولاءات السلطات السورية وتوجهاتها وفق تموضعها الجديد في المنظومة الأمريكية الغربية، ستجعل من شبه المستحيل بناء جيش وطني يستطيع الدفاع عن السيادة السورية وحماية أرضها واستعادة المحتل منها، وهذه المهمة تتطلب تغييراً كبيراً في بنية السلطة السورية، وانتهاج سياسة مستقلة تنبع من المصلحة الوطنية، في موضوع بنية الجيش وتسليحه وعقيدته الوطنية والعسكرية، وهذا يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل الجدي، لبناء جيش جديد قادر على استعادة توصيفه «الجيش العربي السوري».










المصدر خاص / لا ميديا