تقرير / لا ميديا -
إذا كان لمملكة الشر من تاريخ فلن يعدو عن كونه تاريخ اعتداءاتها على اليمن أرضا وإنسانا. لم يتوقف الأمر عند عسير ونجران وجيزان وما قامت جارة السوء باحتلاله واقتطاعه من الأرض اليمنية لصالحها، بل امتدت أياديها الآثمة لتسرق حتى ثروات الشعب اليمني النفطية والمائية كما حدث ويحدث في محافظة الجوف.
فالجوف لم تكن مجرد محافظة حدودية في الحسابات السعودية، بل مساحة ارتبطت بها منذ عقود حسابات الأرض والنفط والمياه والأمن.
منذ عقود، ظلت هذه المساحة الصحراوية الواسعة محط أطماع سعودية متواصلة ترتبط بالأرض والثروات الطبيعية والموقع الجغرافي، فيما تتبدل صور هذه الأطماع من مرحلة إلى أخرى: حدود يعاد رسمها، مشاريع تنموية ونفطية تتعثر، جدار ومنشآت حدودية تشاد على امتداد عشرات الكيلومترات، وصولاً إلى سرقة المياه الجوفية.
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، ارتبط اسم الجوف بملف النفط. فقد بدأت أعمال الاستكشاف في منطقة مأرب والجوف، ودخلت شركات أجنبية في عمليات الحفر والتنقيب، قبل أن تتعثر أعمال الاستكشاف وتتوقف حتى الآن. فالسعودية تعتبر الجوف فناء خلفيا لما تسميه أمنها القومي. ومع كل محاولة لإعادة فتح ملف الاستثمارات، كانت العمالة حاضرة بقوة، حيث عملت على جعل المحافظة مغلقة للخونج وتنظيماتهم المسلحة.
وإذا كانت ما تسمى معاهدة جدة عام 2000، وهي إحدى اتفاقيات العار التي اقترفها النظام السابق حيث تركت عملية الترسيم في الذاكرة المحلية شعوراً واسعاً بفقدان مساحات من الأراضي، خصوصاً في المناطق الصحراوية التابعة للجوف، قد أنهت النزاع الحدودي بين البلدين ورسمت خطاً نهائياً للحدود، فإن مملكة الشر لم تكتف بما حصلت عليه، بل سالت أطماعها أكثر فأكثر. لتأتي أحداث 2011 وما سبقها وتلاها من انهيار أمني وسياسي لتمنح مملكة الشر فرصة لإنشاب أظافرها وابتلاع المزيد من الأراضي الحدودية. حيث اكتشفت في تلك الفترة أعمال إنشاء جدار ومنشآت حدودية شاركت فيها شركات بينها شركة بن لادن، ما أثار احتجاجات قبلية وإعلامية في محافظة الجوف، وسط اتهامات لقوى سياسية بينها حزب الإصلاح بالتواطؤ مع السعودية لتتوغل داخل الحدود اليمنية وتلتهم ما لا يقل عن أربعين كيلومترا من أراضي محافظة الجوف واضعة شريطها الحدودي ذاك.
وهكذا لم يكن الجدار مجرد سياج حدودي في نظر سكان الجوف، بل هو تهجير لهم وإبعاد لهم من أراضيهم وثرواتهم التي باتت أبعد من أي وقت مضى.
الشيخ حسن ناصر عبدالله أبوهدرة، أحد أبناء محافظة الجوف وأحد الناشطين في ملف الحدود، يقول إن أبناء دهم واجهوا تلك الأعمال العدوانية ميدانياً وإعلامياً، وإنه شارك في تحركات لإيقاف التوغل السعودي وبناء الجدار.
يشير أبوهدرة إلى أن وسائل إعلام محلية ودولية نزلت إلى المنطقة لتوثيق ما كان يحدث، وأن فريقاً إعلامياً تعرض للاحتجاز في سوق اليتمة، وأنه ومرافقيه تعرضوا لإطلاق نار من القوات السعودية أثناء محاولة الوصول إلى الحدود.
لكن التطور الأكثر خطورة، بحسب أبوهدرة، يتعلق اليوم بالمياه. فالسعودية أنشأت مشروعاً لنقل المياه من منطقة النقيحا إلى نجران، بطاقة معلنة بلغت 50 ألف متر مكعب يومياً، عبر شبكة أنابيب تمتد لعشرات الكيلومترات.
يقول أبوهدرة إن المشروع، الذي يعتمد على عشرات المضخات والآبار، يستنزف الحوض المائي في المناطق الحدودية، ويجبر المزارعين في اليتمة ومناطق دهم على تعميق آبارهم للوصول إلى المياه.
وهنا تتحول الجوف من قضية حدودية إلى قضية موارد. فالماء، مثل النفط، لا يعترف بالخطوط التي ترسمها الخرائط. وإذا كان استخراج المياه في الجانب السعودي يؤثر فعلاً في مناسيب المياه داخل الأراضي اليمنية، فإن الصمت عن ذلك يعني ترك ثروة استراتيجية تُستنزف من دون دراسة أو رقابة أو حتى معرفة دقيقة بحجم الضرر.
ولا يتوقف أبوهدرة عند المياه، إذ يتحدث أيضاً عن عمليات استخراج نفطي في المناطق الحدودية، ويطرح تقديرات كبيرة لحجم الإنتاج، فضلاً عن استخدام تقنيات الحفر الأفقي.
فالجوف، التي يفترض أن تكون إحدى حدائق اليمن الاقتصادية، تحولت بفعل الإهمال والصراع إلى حديقة خلفية لغيرها، تُحاصر أرضها، ويُستنزف ماؤها، وتبقى ثرواتها النفطية معلقة بين الأطماع والسرقة غير المعلنة لجارة سوء تعرف كيف تعمل بصمت.
ربما لا تحتاج الجوف اليوم إلى المزيد من الخطب عن السيادة بقدر حاجتها إلى إعادة فتح ملف نهب ثرواتها باعتباره ملفاً وطنياً لا قضية هامشية تخص قبائل الجوف وحدهم. فما يجري في الصحراء لا يحدث دائماً بصمت، وما يجري استنزافه منها قد أصبح اليوم على مرأى من الجميع.










المصدر لا ميديا