عادل بشر / لا ميديا -
عقدت شعبة استئناف الأموال العامة بأمانة العاصمة، أمس الأول، جلسة جديدة للنظر في قضية ما تسمى مجموعة «قصر السلطانة للأقمشة والفضة»، ورئيستها بلقيس الحداد و75 شخصاً آخرين مدانين في حكم ابتدائي، بالاحتيال والنصب على 110 آلاف مواطن بمبالغ مالية تتجاوز الـ66 مليار ريال، وهي القضية التي شغلت الرأي العام منذ العام 2020م.
وتأتي هذه الجلسة، بعد نحو شهر من الجلسة السابقة التي عُقدت في 18 تموز/ يوليو الماضي، وبخلاف ما كان متوقعاً، تم رفع جلسة أمس الأول، خلال بضع دقائق من بدئها، والتأجيل إلى تاريخ 12 أيلول/ سبتمبر القادم، ما يعني إضافة شهر آخر من المعاناة، وفقاً لتعليق أحد الضحايا الذي كان حاضراً الجلسة.
الجلسة التي عقدت برئاسة القاضي عبدالحفيظ المحبشي، رئيس شعبة استئناف الأموال العامة، بدأت باستعراض قرارات الجلسة الماضية، ومنها توجيه النيابة بالتأكد من صحة قرار الإفراج بالضمان عن المتهم (ب. الصلاحي) والصادر أثناء ما كانت القضية لا تزال لدى النيابة الابتدائية، وموافاة الشعبة بذلك.
وفجأة دخل القاضي المحبشي نقاشاً حاداً مع عضو النيابة، نتيجة ما اعتبره القاضي تقاعس النيابة عن تنفيذ قرارات شعبة الاستئناف.
وشرع رئيس الشعبة في الإملاء على أمين السر بمضمون محضر الجلسة، قائلاً: «بمتابعة قرار الشعبة في الجلسة السابقة، وبخصوص القرار الصادر بتحرير مذكرة للتأكد من صحة الإفراج المقدم من المتهم (ب. الصلاحي)، تبين أن النيابة العامة لم تفهم مضمون ذلك القرار، ولم تقم بتنفيذه حسب ما ورد في محضر الشعبة، كون قرار الشعبة كان متعلقا بالتأكد من صحة قرار الإفراج الذي قدم المتهم صورة منه في الجلسة الماضية».
وأضاف: «وفي هذه الجلسة فاجأتنا النيابة بأنها حررت مذكرة متضمنة أنه بعد الرجوع إلى السجلات تبين لها أن المذكور قيد الإفراج عنه ولا نعلم ما معنى هذه الإفادة، ولا يوجد أي تفسير لها لدينا ولا نفهم مضمونها، وبإمكان عضو النيابة الحاضر أن يفسر هذه العبارة».
فكان رد عضو النيابة بالقول: «المذكرة تحكي ما فيها»، ليُعقب رئيس شعبة الاستئناف، قائلاً: «سؤالنا واضح، هل تأكدتم من صحة قرار الإفراج عن المتهم المذكور»؟، غير أن ممثل النيابة أشار إلى شخص قابع بجواره وقال: «هذا عضو النيابة الابتدائية وهذا الرد حقها نعرضه عليكم»، فعلّق القاضي: «رده إلى عندها، قلهم أيش هذا الرد».
النقاش الحاد بين رئيس الجلسة وممثل النيابة لم يستمر كثيراً، حيث قرر القاضي عبدالحفيظ المحبشي، رفع الجلسة، موثقاً ذلك في المحضر بالقول: «نظراً لعدم قيام النيابة العامة بتنفيذ القرارات المتعلقة بالشعبة، فإن الشعبة تقرر رفع الجلسة ومخاطبة رئيس النيابة والنائب العام ومجلس القضاء الأعلى بتقاعس النيابة العامة عن تنفيذ القرارات ومطالبتهم بتكليف عضو نيابة آخر لمتابعة القضية، والتأجيل إلى 12 أيلول/ سبتمبر القادم».
والمتهم الصلاحي هو زوج المتهمة الثانية في القضية (ح. عقلان)، وكان قد قدم في الجلسة الماضية قراراً بالإفراج عنه بالضمان صادرا عن النيابة الابتدائية أثناء ما كانت القضية في بداياتها قبل نحو ست سنوات.
ولم يكن الصلاحي حاضراً في جلسة أمس الأول، رغم ورود اسمه ضمن قائمة الجلسات.

الحُكم يوم القيامة
تأجيل جلسة أمس الأول، إلى بعد قرابة الشهر، ضاعف خيبة الأمل لدى الكثير من ضحايا جريمة النصب والاحتيال، بعد أن كانوا يتوقعون أن تُسرع الشعبة الاستئنافية في جلساتها بهدف إسدال الستار عن هذه القضية التي طال أمدها وإنصاف المجني عليهم واستعادة أموالهم التي ساهموا بها في الشركة الوهمية.
وعبّر أحد الضحايا عن استنكاره للإطالة في الفترات الفاصلة بين الجلسات، بقوله: «يبدو أن النطق بالحكم سيكون يوم يُنفخ في الصور»، مضيفاً في حديث مقتضب مع (لا) عقب جلسة أمس الأول: «لو هذه القضية حدثت في دولة ثانية، كانت ستُحل في أسرع وقت، لأنها متعلقة بحقوق أكثر من مائة ألف مواطن».
سألناه عن المبلغ الذي ساهم به في ما تسمى «شركة قصر السلطانة»؟ ردّ بلهجته المحلية: «كان معانا شوية قروش، وزد بعنا الجنبية وذهب المرة، وسلّمنا كل شيء لشلة النصب هذه، وشكلنا سنموت قبل أن نسترجع حقنا».
ضحايا آخرون أشاروا إلى أن القضية استمرت لدى نيابة ومحكمة الأموال العامة الابتدائية، ثلاث سنوات، قبل النطق بالحكم في حزيران/ يونيو 2023م، ثم استأنف المدانون، وحتى الآن مضى على القضية في شعبة الاستئناف نحو عام ونصف، دون بوادر عن قرب انتهائها.

تنفيذ الحكم المعجل
إلى ذلك جدد عدد من الضحايا مناشدتهم للنائب العام ومجلس القضاء الأعلى ولـ»كل ضمير حي في المجلس السياسي الأعلى والحكومة»، حدّ تعبيرهم، بأن ينظروا إلى المجني عليهم في هذه القضية بعين الرأفة، وأن يوجهوا القضاء بالإسراع في إنصافهم.
وطالبوا في مناشدتهم عبر صحيفة (لا) رئيس شعبة استئناف الأموال العامة، بتنفيذ الحكم المعجل فيما يتعلق بالأموال المضبوطة والعقارات والأموال المنقولة وغير المنقولة المحرزة لدى النيابة، والتي اعتبرها الحكم الابتدائي، بأنها ملكية لآلاف الضحايا وليس عليها نزاع، وبالتالي تقرر توزيعها على المجني عليهم كجزء من أموالهم التي ساهموا بها مع ما تسمى بـ«قصر السلطانة» على أن يستوفي المدانون بقية المبالغ المستحقة للضحايا. مؤكدين بأن تنفيذ هذه الجزئية من الحكم سيُخفف من أعباء الحياة على الضحايا وعائلاتهم، بعد أن وجدوا أنفسهم غارقين في الديون وعاجزين عن توفير أبسط مقومات الحياة لأطفالهم.
وفي هذا السياق كانت شعبة استئناف الأموال العامة، قد قررت في شباط/ فبراير الماضي، إلزام النيابة بالعمل مع فريق الدفاع عن الجُناة، للبيع، بالمزاد العلني، العقارات والأموال المنقولة وغير المنقولة وكل ما تم ضبطه وتحريزه في قضية «قصر السلطانة» وتوريد المبالغ المالية الناتجة عن عملية البيع وإيداعها في حسابات أمانات النيابة لدى البنك المركزي، لتكون ضمن المبالغ النقدية التي كانت النيابة العامة قد ضبطتها في أيلول/ سبتمبر 2020م، وأودعتها البنك المركزي.
وتضمن قرار شعبة الاستئناف بالتحفظ على جميع تلك المبالغ لحين استكمال إجراءات القضية.
ورغم عقد الشعبة عدة جلسات بعد ذلك القرار، إلا أنه لم يتم الإيضاح إن كانت عملية البيع قد تمت، أم لا.
ولمعرفة المزيد حول ذلك، تواصلت (لا) أمس الأول، مع أحد المحامين عن الجناة، الذي اكتفى بالقول: «بحسب معلوماتي لم يحدث أي تقدم في هذا الأمر، ويبدو أن هناك أشياء تُدار في السر»، دون التوضيح أكثر.
يُذكر بأن المتهمة الأولى «بلقيس الحداد» كانت قد أفادت في تصريح لـ(لا) عقب جلسة 18 تموز/ يوليو الماضي، أن «إجمالي المبالغ المضبوطة لدى الجهات المختصة تُقدر بـ11 مليار ريال، غير أن المُعترف بها هي خمسة مليارات فقط»، وتساءلت الحداد: «أين ذهبت المليارات الستة؟».
وإضافة إلى المبالغ المضبوطة، أشارت الحداد إلى عقارات وممتلكات خاصة، تم تحريزها، وعُملات أخرى قالت بأنها «تلفت» دون أن توضح نوع تلك العملات وأسباب تلفها.

الحكم الابتدائي
وكانت محكمة الأموال العامة برئاسة رئيس المحكمة السابق القاضي سوسن الحوثي قد أصدرت في 7 حزيران/ يونيو 2023م، حكمها في هذه القضية المتهم فيها 82 شخصاً (52 امرأة و30 رجلاً) وقضى منطوق الحكم بإدانة 76 شخصاً بالاحتيال والنصب على 110 آلاف مواطن في الفترة من كانون الثاني/ يناير 2016 إلى 15 تموز/ يوليو 2020م وتاريخ لاحق، وتحصلوا من خلالها على مبالغ مالية تقدر بـ66 ملياراً و314 مليونا و405 آلاف ريال، من خلال الاحتيال والنصب واتخاذ مظاهر كاذبة وصفات تجارية غير صحيحة، حيث أوهموا ضحاياهم من المواطنين، بأنهم يمارسون أعمالاً وأنشطة تجارية تُدر أرباحاً فصلية وسنوية تحت مسمى عقود مضاربة وبيع أسهم لدى ما أسموه مجموعة «قصر السلطانة للأقمشة والفضة».
وقررت المحكمة السجن بالنفاذ من سنة إلى 10 سنوات لـ33 مداناً والسجن سنة مع وقف التنفيذ لـ31 مداناً، وبراءة 5 متهمين، وإلزام المدانة بلقيس الحداد ومعها المدان عيسى الصلوي بتسليم مبلغ 27 مليارا و729 مليونا و358 ألف ريال، قيمة ما سمي بالأسهم الخاصة بالضحايا خلال الفترة من كانون الأول/ ديسمبر 2019م إلى آذار/ مارس 2020م، من مبلغ 50 ألف ريال للسهم الواحد، باعتبار أنهم قد استلموا أرباحا لمرة واحدة، ومن نيسان/ أبريل إلى تموز/ يوليو 2020م، من مبلغ 100 ألف ريال.
وإلزام المدانة الثانية «ح. غيلان» وزوجها «الصلاحي» بتسليم 5 مليارات و661 مليونا و321 ألفا و900 ريال، بالإضافة إلى إلزام الصلاحي بتسليم مبلغ 94 مليونا و570 ألف ريال يمني ومبلغ مليون و608 آلاف و900 ريال سعودي، وإلزام «ح. غيلان» بتسليم مبلغ 941 ألفا و900 ريال سعودي و3 ملايين و770 ألف ريال يمني، وهذه المبالغ الفردية استلمها المُدانان في العام 2020م من أموال الضحايا، تحت مسمى أرباح سنوية.
وشدد الحكم على مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة المضبوطة والمحجوزة على ذمة القضية، وألزمت النيابة العامة ببيع العقارات والأموال غير المنقولة والمنقولة بالمزاد العلني وتوريد ثمنها لصالح الضحايا وتوزيع ما تم تحصيله من أموال على الضحايا بحسب الكشوفات المقدمة من المدانين والمرفقة بملف القضية وبحسب ما هو مبين في حيثيات الحكم مع خصم ما تم مصادرته من الأموال المنقولة وغير المنقولة من المبالغ المحكومة على المدانين، مع شمولية هذا الحكم بالنفاذ المعجل واعتبار حيثياته جزءا لا يتجزأ من منطوقه.
وحينها، استأنف المدانون الحكم الصادر ضدهم، ومنذ ذلك الوقت لازالت القضية في شعبة الاستئناف ولا يزال الضحايا ينتظرون عودة أموالهم للعام الرابع على التوالي بعد الحكم الابتدائي والسابع منذ بدء القضية.

المبالغ المضبوطة
يذكر أن النيابة العامة كانت قد أصدرت في 25 أيلول/ سبتمبر 2020م بياناً بشأن القضايا المنظورة أمامها ومنها قضية «مشغل قصر السلطانة» موضحة أنه تم ضبط وتوريد المبالغ النقدية التالية:
مبلغ (1.312.447.453) مليار وثلاثمائة واثنا عشر مليوناً وأربعمائة وسبعة وأربعون ألفاً وأربعمائة وثلاثة وخمسون ريالا يمنيا.
مبلغ (1.584.215) مليون وخمسمائة وأربعة وثمانون ألفاً ومائتان وخمسة عشر دولارا أمريكيا.
مبلغ (19.153.902) تسعة عشر مليونا ومائة وثلاثة وخمسون ألفاً وتسعمائة واثنان ريال سعودي.
وأشارت النيابة إلى أن تلك المبالغ أودعت حسابات أمانات النيابة العامة في البنك المركزي لحين استكمال إجراءات القضية، بالإضافة إلى الأصول العقارية (أراض ومبان) تم شراؤها من قبل المتهمين وعدد من المندوبات من الأموال المتحصلة من المواطنين وتم تحريز عدد من أصول ومستندات تلك العقارات ورصدها باعتبارها سُجلت بأسمائهم وأقاربهم بما لا يكفل أو يضمن حقوق المواطنين لعدم تسجيلها باسم ذلك الكيان المزعوم الذي قدم المواطنون أموالهم إليه.
وتُعد قضية ما تسمى مجموعة «قصر السلطانة للأقمشة والفضة» واحدة من أكبر قضايا النصب والاحتيال إلى جانب «تهامة فلافور» و«إعمار تهامة» التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، ووقع ضحية الثلاث نحو 130 ألف مواطن بأكثر من 211 مليارا و726 مليون ريال.