تقرير / لا ميديا -
يكشف التصعيد الذي تشهده المحافظات الجنوبية المحتلة عن تحول في أدوات الصراع ضد الوصاية السعودية من قبل ما يسمى "المجلس الانتقالي" الذي يسعى إلى نقل المواجهة مع الرياض من الغرف السياسية وترتيبات النفوذ إلى المجال الشعبي والميداني، مستفيداً من تدهور الخدمات والأوضاع المعيشية باعتبارها مدخلاً للضغط على سلطات الارتزاق الموالية للاحتلال السعودي.
وفي أحدث حلقات التصعيد، دعا "الانتقالي"، أمس، إلى إسقاط المرتزق سالم الخنبشي من منصب محافظ حضرموت، وتنفيذ عصيان مدني في مدينة المكلا، عاصمة المحافظة النفطية.
يأتي ذلك بعد أشهر من التوتر والمواجهات السياسية والإعلامية بين "الانتقالي" والخنبشي على خلفية ملفات أمنية وسياسية، ما يعكس أن الخلاف بين أدوات الاحتلال لم يعد مجرد اختلاف في إدارة المحافظة، وإنما أصبح جزءاً من الصراع على قرار حضرموت.
وخلال اجتماع له في المكلا، حمّل "الانتقالي" الخنبشي مسؤولية تدهور الأوضاع الخدمية والمعيشية في المحافظة، مشيراً بصورة خاصة إلى أزمة الكهرباء وانعدام الغاز المنزلي، وداعياً إلى عصيان مدني شامل في المكلا اليوم الاثنين.
ولا تبدو المطالبة بإقالة الخنبشي منفصلة عن المعركة الأوسع للانتقالي مع الرياض، خصوصاً في حضرموت، التي تمثل واحدة من أهم المحافظات اليمنية، بمساحتها الواسعة وثرواتها وموانئها وموقعها الجغرافي، وغير ذلك مما يجعل السيطرة عليها عاملاً حاسماً في أي ترتيبات سياسية مقبلة.
ولم يتوقف التصعيد عند حضرموت، بل امتد إلى أرخبيل سقطرى، في خطوة ذات دلالات تتجاوز الاحتجاج المحلي.
فقد دعا "الانتقالي" إلى عصيان مدني في مدينة حديبو، عاصمة المحافظة، وأعلن ترتيبات لتنفيذ برنامجه التصعيدي، في حين تشهد الجزيرة تحركات لفصائله ودعوات إلى إغلاق المحال والمؤسسات والالتزام بالعصيان.
وبحسب مراقبين فإن أهمية المرحلة الجديدة تكمن في ان "الانتقالي" لا يكتفي بإعلان رفضه للنفوذ السعودي، بل يحاول اختبار قدرته على تعطيل عمل السلطات وإرباك ترتيباتها من خلال الشارع.
كما أن ربط العصيان بالأزمات الخدمية، خصوصاً الكهرباء والغاز، يمنح الخطاب الانتقالي فرصة لتوسيع قاعدة الاحتجاج، عبر تحويل الغضب الشعبي من الخدمات إلى ضغط سياسي على قوى الارتزاق الأخرى التي يتهمها الانتقالي بإدارة المحافظات لمصلحة الرياض.
التطور الأخطر بالنسبة للسعودية أن التصعيد يأتي من طرف كان لسنوات جزءاً من المعادلة التي دعمتها الرياض في مواجهة خصومها، قبل أن يتحول الخلاف بين الطرفين إلى صراع على شكل الجنوب ومستقبل نفوذه.
واليوم، لا يواجه النفوذ السعودي في المحافظات الجنوبية خصماً سياسياً يكتفي بالاعتراض على ترتيباته، بل مجلساً يحاول استعادة زمام المبادرة في مناطق شديدة الحساسية مثل حضرموت وسقطرى، بعد تهميشه من قبل السعودية.
ومن هنا يمكن فهم انتقال الانتقالي من خطاب رفض الوصاية إلى محاولة إسقاط مسؤولين فندقيين محسوبين على الرياض وتنظيم العصيان وتوسيع نطاق الاحتجاج جغرافياً أنها إعادة تعريف معادلة ترتيب المشهد بين أدوات الاحتلال. وبالتالي لا يمكن فصل هذه التطورات عن الصراع الأوسع على الجنوب، حيث تتقاطع مصالح الاحتلال السعودي الإماراتي، وتتنافس قوى الارتزاق المختلفة على السيطرة على الموانئ والثروات والمواقع الاستراتيجية.
واللافت أن الانتقالي يحاول الاستفادة من الأزمات المعيشية والخدمية وتجييرها لصالحه. فكل ساعة انقطاع للكهرباء، وكل أزمة في توفير الغاز والوقود، وكل تدهور في الخدمات، يمكن أن تتحول في خطابه إلى دليل على فشل سلطات الارتزاق المدعومة سعودياً، وإلى وقود لتحريك الشارع ضدها. وبهذا تنتقل الأزمة من كونها فشلاً خدمياً إلى ورقة سياسية في صراع النفوذ.
لكن المفارقة التي تكشفها التطورات الأخيرة أن الرياض، وهي تحاول إعادة ترتيب أدواتها في المحافظات الجنوبية وتقليص هامش الحركة أمام الانتقالي، تواجه النتيجة المعاكسة؛ إذ يدفع تضييق الخناق على انتقالي الإمارات إلى رفع سقف مواجهته ونقل الصراع من طاولة التفاهمات إلى الشارع.










المصدر لا ميديا