سيرة نصف كوب أرز: يوميات برميل بارود عالمي
«لو تمكنت من حضور جنازة كل طفل استشهد في غزة لاضطررت أن أذهب إلى هناك يوميا لمدة ثلاث وخمسين سنة». هكذا تُحسب أعمار الغزاويين؛ الجنازة بدلاً من الساعة. ثلاث وخمسون سنة! هذا ليس حداداً؛ هذا عمر كامل يقضيه الإنسان بين القبور. لكن لا قلق، فالجرافات الأمريكية -تلك التي يزود ترامب الصهاينة بـ«آلاف الأطنان» منها وغيرها من المعدات- لا تترك بيتاً ليقام فيه حداد. جرافات D9 المدرعة لا تهدم البيوت فحسب، بل تهدم الزمن نفسه. فلماذا تذهب إلى الجنازات وأنت تستطيع -بمعونة أمريكية- أن تدفن مع الجميع في دفعة واحدة؟!
في الضفة، حيث «برميل البارود» ينتظر الانفجار، يتناوب المستوطنون (تلك الحشرات الضارة) على حصار عشرين عائلة في قصرة؛ يقطعون الماء والكهرباء، يرمون الحجارة، ويأمرون بالإخلاء... وجيش الاحتلال -الذي يفضل ضباطه «تجنب التحرك بحزم ضد المستوطنين خوفاً من أن يضر ذلك بمستقبلهم العسكري»- يعتقل الشباب الفلسطينيين الذين يحاولون الإغاثة. هذا ليس احتلالاً؛ هذا مشهد من «الغرب المتوحش» ببطاقات هوية عسكرية. لكن، وللعدالة التاريخية، عندما وجدت السفارة الأمريكية أن هناك أمريكياً محاصراً بين العائلات اضطرت للتدخل؛ لا لأن الدم الفلسطيني عزيز، بل لأن هذا يحرج حلفاء «إسرائيل» في إدارة ترامب. يا للكرامة! يا للإنسانية! يا لمنطق القوة العظمى التي تستنكر «السلوك الإجرامي» فقط حين يمس مواطناً يحمل جواز سفرها الأزرق! لكن ماذا عن النائب الأمريكي كريس مورفي، الذي حاصره المستوطنون ساعات في الضفة؟! لا شيء! إنه ديمقراطي يقف مع «إرهابيي» غزة، فلا يستحق حتى اتصالاً من سنترال السفارة إلى الضابط الصهيوني المناوب والمكلف بقتل الفلسطينيين!
في لبنان، تلة علي الطاهر ليست مجرد تلة، بل هي «مرآة لاختبار التوازنات». بينما يحضر العالم لسيناريو تدخل سوري محتمل، تموّله الإمارات بحماس وترفضه قطر وتتسامح معه السعودية بشروط، كما أفادت وكالة «يونيوز»، يقف حزب الله في البقاع متأهباً. وإيران، تلك التي «تدمر أمريكا بالفعل» كما قال وزير خارجيتها عراقجي ببرود الساخرين (حين سئل: هل تريدون اغتيال ترامب؟ فأجاب: ولماذا نفعل ذلك ما دام يدمر أمريكا بالفعل؟!)، تلوّح بفتح جبهات في حمص والساحل. المنطقة ليست برميل بارود، بل مصنع متكامل للبارود، والكل يعمل بجد. الإمارات تسلف، تركيا تخصف، أمريكا تعزف، و«إسرائيل» تقصف.
وفي مضيق هرمز تدور فانتازيا خيالية (كما يرويها مصطفى السعيد): سفينة «الملكة إليزابيث» البريطانية تعترض، وسفينة «البصرة» العراقية تحمل بترولاً للصين فتُكرّم بالشاي، وسفينة «المنامة» البحرينية تنفجر لغماً بعد «المعاملة الرقيقة»، وسفينة «أم ظبي» الإماراتية يُطلب منها «حقيبة مثلثات» فينتظر قبطانها «أم حسين» حتى تعود من إجازة الوضع... هذه ليست حرباً، بل كوميديا سوداء تديرها «بيروقراطية الثورة»، حيث الفوسفات السايب يُمنع مروره خوفاً على «الكابوريا الحامل»، والرسوم تُفرض باليوان الصيني. العالم يغلي، والحرس الثوري يقدم الشاي!
لكن المفاجأة الحقيقية تأتي من أعماق البحار، هناك، حيث تتنقل حاملات الطائرات النووية كالديناصورات العاجزة وتكمن التراجيديا الكبرى. الحاملة «ابراهام لينكولن»، تلك التي أمضت تسعة أشهر في «الشرق الأوسط»، ولاداتها متعسرة، فهي تحمل على متنها خمسة آلاف بحّار، وجباتهم الغذائية تقلصت إلى «نصف كوب أرز». نصف كوب أرز؟! هكذا يحارب «أقوى جيش في العالم»! صياد السلمون الأمريكي يتساءل ببراءة: كيف لا توفر حاملات الطائرات ما توفره قوارب التعليب للصيادين؟! السؤال مشروع؛ لكن الجواب مرير: المليارات تذهب لنتنياهو، لا للبحّارة. ترامب، الذي يطلب من الكونجرس مائتي مليار دولار إضافية للحرب على إيران ويؤكد للأمريكيين أنه «ليس لديه أموال لتنفيذ برامج صحية»، يترك جنوده يأكلون «نصف كوب أرز»، بينما هو يختبئ في شاحنات الطعام (المتقدد والمتكدس) في تركيا خوفاً من الاغتيال. يا للمفارقة! يا للجبن! يا للزعامة!
وزير حربه -هيجسيث، ذلك «المخمور بشكل دائم»- يعترف الآن بأنه «قلل من شأن قدرات إيران»، بعد أن أقال عشرين جنرالاً عارضوا الحرب. غرور يأكل نفسه، وجيش كل جندي على متن حاملاته يأكل «نصف كوب أرز»، ورئيس يأكل خوفه في شاحنة. وحين يسأل الصحفي وزير الخارجية الإيراني عراقجي: هل حاولتم اغتيال ترامب في تركيا؟ يجيب ببساطة: «لا؛ لا حاجة لذلك؛ لأنه يدمر الولايات المتحدة بالفعل. لذا لا نريد القضاء عليه». لم تعد هذه دبلوماسية؛ هذه فنون القتال بالسخرية. عصابة إبستين تأخذ دروساً في فنون السخرية من عراقجي. فلماذا تغتال من يقتل نفسه بنفسه؟!
وفي الخليج تستمر مليارات الغاز والجاز بالتدفق على اللوبيات في واشنطن (422 مليوناً دولاراً من السعودية، 270 من الإمارات، 269 من قطر)، وتتحدث «فورين بوليسي» عن «ذوبان الجليد السعودي - الإماراتي» لـ«احتواء إيران»، بشرطين: «ردع جماعي» و«حرية ملاحة مشتركة». لكن كاتب (FDD) يصرخ: «ينبغي على السعوديين الانضمام إلى الحرب» بجانب أو تحت أقدام أمريكا! بينما يشعر ستيفن كوك  «بالأسف» تجاه السعودية ويعدد «أخطاءها الاستراتيجية»: قصف مطار صنعاء، وإبعاد الإمارات، وعدم الترحيب باعتراف «إسرائيل» بأرض الصومال. هل هناك أحد لا يشعر بالأسف؟!
في الرياض، ابن سلمان «يسحق المؤسسة الدينية» و»يقلب المواجع» ويسمح للأثرياء غير المسلمين بشراء الكحول في الرياض... وعايض القرني -ذلك المتقلب المتغلب المتعلب- ينتقل من وصف أردوغان بـ»الشجاع والبطل والرمز» إلى «بائع كلام»، ثم يعود ليصلي على «أبي سلمان» وأردوغان معاً. «من سالمته دولتنا سالمناه». هذه ليست قاعدة؛ هذه شهادة وفاة للمبادئ تأخر إعلانها سنوات، ليس منذ تفاخر بقتل النساء والأطفال بقنبلة عطان، بل ومنذ اغلق الخونج في الإصلاح والمؤتمر صنعاء ابتهاجاً بهجرته إليهم. لكن ما يهم هو أن «الاتفاق الدفاعي» بين السعودية وتركيا وباكستان يجمع «الدول المنهارة» -كما يقول كاتب (FDD)- في تحالف (STEP)، بينما أمريكا تطالب السعودية: «إما الانضمام إلى القتال وإما دفع التكاليف أو التنحي جانباً». 
الحلفاء ليسوا أصدقاء، بل هم فواتير تنتظر الدفع والسداد.
وفي زاوية النص (الماضي) يقف فيديل كاسترو -في ذكرى وفاته- كما وقف في نيويورك، في هارلم 1960، رافضاً فندق «شيلبورن»، ويقول: «قل لهم إنهم قطاع طرق»، ثم ينصب خيمته في حديقة الأمم المتحدة، مالكولم إكس يقول له: «عندما يكون العم سام ضدك فأنت بالتأكيد على صواب». فلماذا يتهمنا المتأسلمون اليوم بأننا على خطأ بل وخطيئة؟! وبينما خاطب كاسترو أمريكا لخمس ساعات، يوجه نتنياهو اليوم برقية إلى بريطانيا في ثانية واحدة: «ربما يمكنكم تسمية بريطانيا بالجمهورية الإسلامية البريطانية»!
ينام الثوار في أحياء الفقراء، والمجرمون يلقون خطباً في «جبل هرتزل»، والمذيعون «الإسرائيليون» (يحملون جنسية نتنياهو): منى العمري ومهند مصطفى، يظهرون على «الجزيرة» لينتقدوا «إسرائيل» «تحت سقف القانون». أفضل صنعة أن تحمل الجنسية «الإسرائيلية» وتذهب إلى «الجزيرة» لتنتقد «إسرائيل»!
لا تظنوا أن هذا الجنون عفوي، فهناك «آلة كذب» منظمة: حساب هندي يختلق اقتباساً عن «وحيدي» (القائد العسكري الإيراني) فتنقله «القناة 14» الصهيونية، فيعيده نتنياهو في خطاب رسمي، ثم ينشره السفير الأمريكي في الأمم المتحدة، ثم تعرضه  فوكس نيوز»، ثم تستشهد «القناة 14» ب»فوكس نيوز» كمصدر... حلقة استشهاد دائرية مزوِرة. تُصنع الحروب من التغريدات المختلقة. في الوقت نفسه يتراجع معدل الذكاء عالمياً (تأثير فلين المعكوس)، فالجيل الذي يحمل أكبر مكتبة في جيبه يصبح «أقل حاجة إلى أن يفكر». ربما هذا هو السر: العالم لا يكذب فقط، بل يصبح أغبى ليصدق الكذبة.
هكذا يبدو المشهد: أطفال غزة يحتاجون إلى 53 سنة من الجنازات، وجنود أمريكا يأكلون نصف كوب من الأرز على حاملاتهم النووية، ومستوطنون يحاصرون العائلات بلا طعام، وزعماء يتنقلون بين الفنادق الفاخرة والشاحنات، وآلات تضليل تصنع الحروب من التغريدات، وعقول تتقلب كالأوراق. هذا ليس العالم؛ هذا مسرح تراجيكوميدي عالمي، والمأساة أننا -المشاهدين- نصفق، بينما الستار لا يسقط.
لكن، وكما قال كاسترو: «قل لهم إنهم قطاع طرق». نعم، إنهم قطاع طرق. والسؤال الوحيد: متى سنملك الشجاعة لنقولها بصوت عالٍ، لا في خيمة نصبناها في حديقة الأمم المتحدة، بل في وجه العالم بأسره؟!
وهل يكفي أن نغلق (باب) المندب ليفتح الله (نافذةً) بيننا وبين قومنا فيخرج من بروازها (خالد العراسي)؟!
علي عطروس 



اليمن.. الجغرافيا كسلاحٍ استراتيجيّ والحصار كبندقية صيد
انقلابٌ استراتيجيٌٍ عميق: اليمن، الذي اعتدت عليه السعودية منذ العام 2015 ظنّاً منها أنّها تخوض «حرباً سريعةً» لإعادة ترتيب أوراقها فيه، بات اليوم يُعيد رسم حدود النفوذ الإقليميّ، لا عبر الصواريخ والمسيّرات والجنود فحسب، بل عبر الجغرافيا والمضائق والحصار البحريّ، في حين تتخبّط الرياض بين انكماشٍ اقتصاديٍّ بلغ 4.8٪ (بحسب «فايننشال تايمز»)، وحصارٍ بحريٍّ يطال شرايين تصديرها النفطيّ، وانقسامٍ في معسكرها الداخليّ بين إماراتيٍّ وقطري - تركي ونصف سعودي. هكذا تجد صنعاء نفسها تنتقل من موقع «المحاصَر» إلى موقع «المحاصِر»، مُفرِغةً استراتيجية «التحشيد البديل» السعودية من مضمونها، ومُحوّلةً ميناء المخا من «ثكنةٍ إماراتية» (سابقاً، سعودية لاحقاً) إلى هدفٍ استراتيجيٍّ يكشف سوأة الرياض وتناقضات سعودييها.
وفي الوقت الذي كانت فيه صنعاء تُعاني من حصارٍ بحريٍّ وجويٍّ وبريٍّ مُدمِّرٍ، كانت الرياض تُماطل في ملفّات الرواتب والأسرى وإعادة الإعمار، ظنّاً منها أنّ الضغط الاقتصاديّ سيفضي إلى استسلامٍ يمنيّ. لكنّ النتيجة كانت عكسيةً تماماً، فقد انتقلت صنعاء رسمياً من استراتيجية «الاستجابة والردود المتكافئة» إلى استراتيجية «الضربات الاستباقية الشاملة» مُفكّكةً بذلك استراتيجية «التحشيد البديل»، التي حاولت الرياض اعتمادها في الجوف ومأرب.
إنّ استهداف غرفة العمليات المشتركة في الرويك والعبر وصحن الجن، قبل انطلاق أيّ تصعيدٍ ميدانيٍّ لا يعكس مجرد تفوّقٍ عسكريٍّ، بل تفوّقاً استخباراتياً واضحاً يُعرّي هشاشة التنسيق بين الفصائل الموالية للسعودية، خاصةً في ظلّ انقساماتٍ حادةٍ ورفضٍ «المجلس الانتقالي الجنوبي» الانخراط في الحرب على صنعاء.
لم يكن استهداف المخا بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة مجرد «اعتداءٍ على منشأةٍ مدنية» كما روّجت له وسائل الإعلام البترودولارية، بل كان رداً استباقياً على تحوّل الميناء إلى «ثكنةٍ عسكرية» تضمّ مخازن أسلحةٍ وأرتالاً عسكريةً وغرف عملياتٍ يشرف عليها ضباطٌ سعوديون بشكلٍ مباشر،
وتحوّله إلى نقطة ارتكازٍ عسكريةٍ متقدّمةٍ في معركة البحر الأحمر. وتُشير المعلومات إلى أنّ السعودية كانت تُعدّ، بالتنسيق مع واشنطن ولندن، لمعركةٍ واسعةٍ تبدأ من جنوب الحديدة وتنتهي في شمالها، بهدف إعادة فرض السيطرة على باب المندب. لكنّ صنعاء، بفضل رصدٍ استخباراتيٍّ مبكّر، استبقت هذا المخطط بضرباتٍ نوعيةٍ أفشلته قبل أن يرى النور.
من أخطر التحوّلات إعلان صنعاء «الحصار البحري» على السعودية، وامتداد نطاق العمليات ليشمل شمال البحر الأحمر وخليج عدن. فقد أجبرت الضربات اليمنية ناقلات النفط العملاقة (VLCC) على تغيير مسارها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، فيما أغلقت أجهزة التتبع الآلي (AIS) خشية الاستهداف.
هذا الحصار، الذي يتوازى مع إغلاق مضيق هرمز، يُنتج «اختناقاً بحرياً شاملاً» يُعقّد أيّ محاولةٍ لاحتوائه. فالسعودية، التي اعتمدت على خط أنابيب الشرق-الغرب (طاقته 7 ملايين برميل يومياً) كبديلٍ عن هرمز، وجدت نفسها محاصَرةً من الغرب أيضاً، إذ إنّ النفط الخارج من ينبُع إلى الأسواق الآسيوية يحتاج إلى عبور باب المندب. وفي هذا السياق تأتي تصريحات محمد الفرح (عضو المكتب السياسي لأنصار الله) الأخيرة لتؤكد أنّ «السيطرة على المضيق وحماية المياه الإقليمية اليمنية حقٌّ سياديّ»، وأنّ العمليات «ليست موجهةً ضد أي بلدٍ عربي بما في ذلك مصر»، بل تستهدف الضغط على السعودية لرفع الحصار عن اليمن، «وفق معادلة الحصار بالحصار».
في مواجهة هذا الاختناق، سعت الرياض إلى تشكيل «التحالف البحري الدفاعي المتعدد الجنسيات» في 30 تموز/ يوليو 2026 ضمّ 14 دولة بينها مصر والسودان وجيبوتي والصومال. لكنّ هذا التحالف يعاني من عيوبٍ بنيويةٍ جسيمة، فمصر «تتريّث» وتفحـــص الجوانـــــــــب الدستورية، والإمارات وعُمان غابتا عنه تماماً، والدول الأفريقية تفتقر إلى القدرة العسكرية المناسبة.
ويزداد الوضع تعقيداً مع توقيع ما أطلق عليه «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. فكما يلاحظ تسفي برئيل في «هآرتس» الصهيونية (13 آب/ أغسطس 2026) فإنّ استهداف من سماهم «الحوثيين» لسفينة «تهامة» (ملكية مصرية، ضحايا باكستانيون، شحنة مُفترضة للسعودية) يطرح سؤالاً محيّراً: من الملزم بالرد؛ مصر، أم باكستــــان، أم السعودية، بحسب الاتفاق الثلاثي؟! وهكذا تتحوّل «اتفاقيات الدفاع» إلى ورقٍ بلا فعل، فيما تُثبت صنعاء أنّها قادرةٌ على إدارة الاستنزاف وتوزيع المسؤولية بين أطرافٍ متنافرة.
لا يمكن فهم المشهد اليمنيّ من دون الوقوف عند ملفّ مأرب، تلك المدينة التي تحوّلت إلى «مركز إمدادٍ كبيرٍ» لفصائل المرتزقة السعوديين. فمع اتساع المواجهات في محيط المدينة، تحدّثت مصادر «الأخبار» اللبنانية (14 آب 2026) عن تحرّكاتٍ من حزب «الإصلاح» (الخونج) لطلب وساطة «حماس» لاحتواء التصعيد في ظلّ مخاوفٍ من تحرير المدينة بيد قوات صنعاء. وهنا يتجلّى أحد وجوه أزمة المعسكر المناهض لصنعاء؛ فالإصلاح، الذي حوّل معركته ضدّ صنعاء إلى «صراعٍ دينيٍّ عقائديٍّ»، يجد نفسه اليوم منعزلاً بعد أن فقد (عسكرياً) «الحليف الجنوبي» (الانتقالي) و»الغطاء الجوي» البعراني. وفي المقابل، تسيطر صنعاء على 12 من أصل 14 مديريةً في المحافظة، وتتمركز في الأطراف الشمالية والغربية والجنوبية للمدينة، ما يمنحها هامشاً واسعاً للتقدّم نحو مركز المحافظة من أكثر من اتجاه.
وفي خضمّ هذا المشهد العسكريّ الملتهب، يأتي تقرير حديث لصحيفة «وول ستريت جورنال» ليُلقي بظلالٍ ثقيلةٍ على عتمة التدخل الأمريكيّ. فقد اعترف البنتاغون، في تقييمٍ داخليٍّ أُرسل إلى الكونجرس، بقتل 153 مدنياً وإصابة 243 آخرين بثلاث غاراتٍ جويةٍ فقط ضمن «عملية حارس الازدهار» بين كانون الثاني/ يناير وآذار/ مارس 2025.
هذا الاعتراف، وهو الأول من نوعه، يفضح زيف الرواية الأمريكية عن «الضربات الجراحية» التي تستهدف «قدرات الحوثيين العسكرية، فقط». فقد أصابت إحدى الغارات سوقاً شعبية، ودمرّت أخرى مبنىً سكنياً... لتتحوّل دعوى»حماية الملاحة» إلى ذريعةٍ لارتكاب مجازرَ بحقّ المدنيين، فيما تتجنّب واشنطن المساءلة الحقيقية.
ثمة قضيةٌ ربما تكون شائكةٌ لدى الكثيرين، وتتعلق بعلاقة «أنصار الله» بإيران. ففي حين تُصرّ الرياض وواشنطن على وصف الحركة بأنها «ذراع إيران»، يُقدّم محمد الفرح قراءةً مغايرةً، فالعلاقة -بحسب تعبيره- هي «تحالفٌ ندّيٌّ» ضمن «محور المقاومة» قائمٌ على «مواجهة الهيمنة الأمريكية والمشاريع الصهيونية». ويؤكد أنّ صنعاء طوّرت -تحت ضغط الحصار- قدراتٍ محليةً لإنتاج الصواريخ والمسيّرات، نافياً أن تكون «تتحرك على إيقاع طهران».
لكن ثمة بعد آخر تشير إليه الصحافة الصهيونية، ففي حرب غزة كان اليمنيون يغلقون باب المندب دعماً للمقاومة الفلسطينية، بينما في حرب إيران الأخيرة امتنعوا عن إغلاقه بالطريقة نفسها. هذا التمايز -كما يلاحظ محللون «إسرائيليون»- يُشير إلى أنّ «أنصار الله» يحدّدون أولوياتهم بأنفسهم، وأنّ التحالف مع إيران لا يعني الانصياع الكامل لاستراتيجيتها.
اليمن، الذي كان يُنظر إليه لعقودٍ باعتباره «الفقير الجغرافي» الهامشيّ، بات اليوم يمتلك أوراقاً تُؤثّر في الاقتصاد العالميّ. فباب المندب، ذلك المضيق الضيّق الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهنديّ، لم يعد مجرد «ممرٍّ ملاحيٍّ»، بل أداة ضغطٍ استراتيجية بيد صنعاء.
في المقابل، تجد السعودية نفسها محاصَرةً في زاويةٍ ضيقة، فاقتصادها ينكمش، وصادرات نفطها تتراجع إلى أقلّ من 3 ملايين برميل يومياً (بحسب «رويترز»)، وتحالفها يتفكك، و«ورقة المخا» احترقت، و«ورقة مأرب» تتآكل... وهكذا تتحوّل الحرب التي بدأتها الرياض بذريعة «حماية أمنها» إلى سببٍ رئيسيٍّ لتهديد هذا الأمن.
لكنّ الأخطر من ذلك هو أنّ هذا المشهد لا يُنذر بنهاية الحرب فحسب، بل بنهايةٍ لنموذجٍ إقليميٍّ قائمٍ على «الحماية الأمريكية» و«الهيمنة الخليجية». فاليمن اليوم -كما إيران في هرمز- يُثبت أنّ الجغرافيا لا تُشترى بالمال، وأنّ الشعوب التي تتحمّل الحصارَ لعشر سنواتٍ تستطيع أن تُعيد رسم الخريطة.
والسؤال الذي نطرحه في خاتمةٍ مفتوحة ليس: «من سيفوز؟»، بل: «من يستطيع في هذا العالم المتغيّر أن يُدير الهزيمة بأقلّ الخسائر؟». فالرياض، التي باتت تبعث برسائلٍ سريةٍ إلى مسقط تطلب فيها العودة إلى اتفاق 2022 (بحسب وكالة «تسنيم»، ووفقاً لتكهناتٍ عن فحوى بيان رئيس وفد صنعاء التفاوضي الأخير)، تبدو وكأنّها تبحث عن مخرجٍ مشرّفٍ من حربٍ أفلستها فعلياً - أو تكاد؛ لكنّ صنعاء، التي تعلّمت في مدرسة الحصار أنّ «الحصار بالحصار» هو المعادلة الوحيدة، لا تبدو مستعجلةً على التفاوض من دون ضماناتٍ جديةٍ تشمل التعويضات ورفع الحصار.



السقوط في الممر.. كيف خسرت أمريكا حربها مع إيران بعد أن بدأت وقبل أن تنتهي؟ 
لم تكن حرب 2026 مجرد صدام عسكري آخر، بل لحظة فاصلة انهارت فيها عقيدة القوة الأمريكية ذاتها. فبينما كانت واشنطن تراهن على حاملاتها النووية وصواريخها الذكية، وجدت نفسها عاجزة أمام مضيق بحري لا يتجاوز 33 كيلومتراً. هرمز، ذلك الرمز المقدس، تحول فجأة إلى مقبرة لأسطولها الخامس.
بدأ كل شيء بانتهاك صارخ لـ«مبدأ باول» الاستراتيجي الذي وضعه الجنرال كولن باول بعد فيتنام ملزماً القادة بستة اختبارات قبل الحرب: مصلحة حيوية، أهداف واضحة، موارد كافية، دعم داخلي ودولي، القوة كملاذ أخير، واستراتيجية خروج. لكن ترامب شنّ حرباً بلا أهداف محددة، متأرجحاً بين تدمير البرنامج النووي و«إسقاط النظام» ثم العودة للتفاوض. هذا الغموض حوّل القوة العسكرية من أداة سياسية إلى فوضى منظمة. والأخطر: غياب أي دعم شعبي أو «كونجرسي»، ففي حزيران/ يونيو 2026 وافق مجلسا «الكونجرس» على إنهاء الحرب، في سابقة هي الأولى منذ 1973.
وفي الوقت الذي كان فيه وزير الحرب يعلن أن «البحرية الإيرانية تقبع في قاع الخليج مدمرة»، كانت إيران تُغلق هرمز فعلياً بزوارقها ومسيّراتها وألغامها. الجيش الأمريكي «لم يأتِ بأساطيله إلى المضيق» ومحاولته الاقتراب بفرقاطتين انتهت بإصابة إحداهما. هكذا تحدث قائد إيراني ميداني كبير ل «الأخبار» اللبنانية، وهكذا تحول هرمز من رمز الهيمنة إلى شاهد على حدود القوة التقليدية في مواجهة حرب غير متكافئة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الداخل الإيراني. بعد مقتل خامنئي وقادة كبار لم تنهر الدولة، بل عادت أقوى بمركزية الحرس الثوري، وانتقلت من الدفاع التقليدي إلى «الدفاع المتقدم» بتنفيذ 14 عملية خاصة في كردستان العراق، محوّلةً المسافة الجغرافية إلى مساحة أمنية تستهدف فيها مصادر التهديد قبل أن تصل.
عسكرياً فشلت أمريكا، واقتصادياً وقعت في مأزق مزدوج. انهارت إمدادات النفط السعودي إلى الصفر في تموز/ يوليو 2026 بفعل إغلاق هرمز، وبفعل الحصار اليمني تالياً. اضطرت واشنطن للتفاوض على مذكرة تفاهم تُقرّ بحق إيران في السيطرة على المضيق، في اعتراف ضمني بفشل الحصار.
لماذا تكرّر أمريكا الخطأ نفسه؟! الإجابة في «هيكل الحوافز» الأمريكي: الرئيس يملك سلطة نشر القوات من دون الكونجرس، والإعلام يحمس للحروب، والحلفاء يجرّون واشنطن إلى صراعاتهم. الوجود العسكري الدائم في سبع دول في «الشرق الأوسط» بدلاً من أن يكون رادعاً أصبح سبباً للانجرار.
8 تريليونات دولار أنفقتها أمريكا منذ 2001، و940 ألف قتيل قدمتهم قرابين لبعلها المدنس: «اسرائيل». لكن النتيجة: عجز عن فتح ممر 33 كيلومتراً. الحرب استنزفت مخزون الذخائر الدقيقة، وأضعفت الردع عن الصين وروسيا.
هل هذه نهاية العصر؟ ربما لا، فـ«الهياكل والحوافز» لا تزال قائمة. لكن الإدراك يتغير: القوة العسكرية وحدها لا تُنتج نفوذاً سياسياً، واللاعب غير المتكافئ، إذا امتلك الجغرافيا والإرادة، يستطيع إعادة رسم القواعد. الجواب لن يأتي من البنتاغون، بل من شوارع أمريكا الرافضة للثمن، ومن مضيق صغير أثبت أن الجغرافيا أقوى من حاملات الطائرات.




اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية.. مقاس عبادة أم مقياس حكمة؟!
لم يكن توقيع ما سميت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في السابع من آب/ أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان حدثاً عسكرياً بقدر ما كان عرضاً سياسياً مسرحياً. فالقاعات المكية وصلاة الجمعة والبيانات التي تتغنى بـ»الردع الجماعي» و»الأخوة الإسلامية» لا تصنع -في الواقع- جيوشاً موحدة، ولا تلغي الجغرافيا، ولا تُخفي التناقضات المذهبية والتاريخية بين «العثمانية» و»الوهابية» و«المودودية».
لكن ما يغيب عن العناوين الصاخبة، وما تتعمده وسائل الإعلام النفطية، هو أن هذه الاتفاقية لم تُولد في حيزٍ حقيقي، ولا في سياق مواجهة «عدو مشترك» واضح المعالم، بل وُلدت في ظل جبهة يمنية مشتعلة، حيث كانت صواريخ صنعاء وطائراتها المسيّرة تنهال على منشآت أرامكو في جيزان وتعلن حصاراً بحرياً على السعودية. اليمن -إذن- لم يكن خلفية للحدث، بل كان المحرك الحقيقي له، والاختبار الأول الذي سيكشف هشاشة هذا «الحلف الوهمي».
وبينما انشغل المحللون في «تل أبيب» وواشنطن بقراءة الاتفاق كـ«تحول استراتيجي» ضد إيران، غاب عنهم -أو تعمدوا إغفال- أن الاختبار الفعلي لـ«حلف مكة» لن يأتي من طهران بل من صنعاء. فاليمنيون باعتبارهم امتداداً جذرياً لمحور المقاومة لم ينتظروا حتى يجف حبر التوقيعات. ففي العاشر من آب/ أغسطس، أي بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الاتفاق، قصفوا منشأة أرامكو في جيزان، وفتكوا بعشرات المرتزقة في هجمات صاروخية، وفق ما نقلت «الغارديان».
هنا تكمن المفارقة المركزية: الاتفاق ينص على أن «أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على الجميع»، لكن عندما وقع الهجوم الفعلي لم تُسقط أنقرة صاروخاً واحداً على صنعاء، ولم تُحرك إسلام آباد واحدة من سرب مقاتلاتها التي تتمركز في السعودية (8 آلاف جندي باكستاني، بحسب ما ذكره تسفي برئيل في «هآرتس»). فهل كان الردع الجماعي مجرد «حبر على ورق»؟!
إن صنعاء بجغرافيتها الجبلية وتاريخها كـ»مقبرة للإمبراطوريات» تُعيد إنتاج نفسها كعقدة استراتيجية لا يمكن حلها ببيانات مشتركة. فالسعودية، التي قادت حرباً مدمرة على اليمن منذ 2015، لم تنجح في كسر شوكة صنعاء حين كانت تحت المظلة الأمريكية الكاملة، فكيف ستنجح اليوم بـ«مظلة» تركية وباكستانية مترددة؟!
لنقرأ الاتفاق الثلاثي بأعين ثلاث: الباحث الأردني وليد عبد الحي - ذلك المحلل الذي لا يثق بالأحلاف التي تفتقر إلى «عدو مشترك»، يلحظ أن السعودية تبحث عن «كفيل أمني جديد» تخيف به إيران، لكنها في الوقت ذاته تريد ردعاً من دون ثمن. أما تركيا فتبحث عن أسواق لصناعاتها العسكرية، ونفوذ إقليمي يوازي قوتها، كما رأى تيم شاتيل من مركز «تشاتام هاوس». وباكستان، التي يشير إليها المحلل العسكري إلياس فرحات بأنها «الدولة النووية الوحيدة في التحالف»، تمنح الاتفاق وزناً ردعياً نظرياً، لكنها في الميدان تتصرف كـ«وسيط» بين واشنطن وطهران لا كطرف حربي.
هذا التباين في الأهداف يجعل من «حلف مكة» تحالفاً من دون بوصلة. فباكستان، التي وقعت مع السعودية اتفاق دفاع ثنائي في أيلول/ سبتمبر 2025، لم ترد عسكرياً على الهجمات الإيرانية التي طالت الرياض، بل عززت علاقاتها الاقتصادية مع طهران (مذكرة تفاهم في إسلام آباد لرفع التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار كما ذكر تسفي برئيل). وتركيا، التي تتقاسم مع إيران حدوداً طويلة وخطوط غاز حيوية، لن تُحول أنقرة إلى جبهة حرب ضد طهران دفاعاً عن عرش بني سعود.
وهنا يصبح السؤال المحوري كما طرحه علي دربج على موقع «180 بوست»: «من يدفع ثمن الصاروخ الأول؟» إذا سقط صاروخ يمني على منشأة حيوية سعودية؟ هل ستقصف تركيا صنعاء؟ وهل ستُعلن باكستان الحرب على «أنصار الله»؟ الإجابة بحسب تجربة اليمن 2015 هي: «لا»؛ فالبرلمان الباكستاني صوّت حينها بالإجماع ضد المشاركة في الحرب، وهو ما يُذكرنا بأن «التحالفات السياسية لا تلغي الجغرافيا ولا المصالح الوطنية»، على حد قول عبد الحي.
إن محورية صنعاء في هذا المشهد لا تقتصر على كونها ساحة اختبار للحلف، بل إن اليمن يمثل المأزق البنيوي الذي يكشف زيف فكرة «الأمن الجماعي» في ظل وجود قو تملك القدرة على استهداف السعودية دون أن تُعتبر «دولة» (بمرسوم يصدر عن مبنى الأمم المتحدة الآيل للسقوط) تستدعي تفعيل المادة الخامسة لـ«ناتو إسلامي» وهمي. وكما يلاحظ جونسون أوداكال من «أوراسيا ريفيو»، فإن الاختبار الحقيقي للاتفاق لن يأتي إلا عندما تقع «ضربة بالغة الخطورة». لكن السؤال هو: هل قصف أرامكو في جيزان والحصار البحري المفروض على السعودية يُعتبران «اعتداءً مسلحاً خارجياً» يستوجب تفعيل الدفاع المشترك؟!
«الحوثيون» باعتبارهم طرفاً غير دولتي-كما يرد في «أوراسيا ريفيو»- يُعقدون المعادلة القانونية والسياسية للاتفاق. فالرياض تريد أن تحاربهم باسم «الدفاع المشترك»، لكن أنقرة وإسلام آباد لا تريدان الانجرار إلى حرب يمنية فاشلة. وهكذا يظهر اليمن كـ«بعرة تدل على البعير»، بحسب تعبير وليد عبد الحي، فالاتفاق السعودي-الباكستاني السابق لم يمنع 6 هجمات إيرانية و4 هجمات يمنية، فكيف سيكون حال الاتفاق الثلاثي؟!
إن ما يُسمّيه البعض «ناتو إسلامياً» هو في الحقيقة «تحالف ردع صوري». فالسعودية تدفع ثمن حماية إضافية لأردوغان والمؤسسة العسكرية الباكستانية، مقابل «ردع» نظري يبعد عنها التهديد الإيراني المباشر. لكن صنعاء -التي يصفها الصهاينة العبرانيون والبعرانيون- كذراعٍ إيراني، تستطيع قصف كل الأصول السعودية.
وهنا يكمن التناقض الأعمق: الاتفاق يُبرم لـ»ردع إيران»، لكنه يُولد في ظل حرب يمنية قائمة. فالسعودية، التي فشلت في حسم ملف اليمن عسكرياً، تظن أن إضافة تركيا وباكستان إلى المعادلة سيغير الموازين. لكن الحقيقة كما يراها سميح صعب هي أن الاتفاق يعكس «فقدان الثقة الإقليمية بالولايات المتحدة» بعد غرقها في مضيق هرمز، لا بناء قدرة عسكرية موحدة.
أما كيان الاحتلال «الإسرائيلي» الذي يتابع الحدث بقلق -بحسب يحيى دبوق في «الأخبار» اللبنانية- فيرى الاتفاق «رسالة تطمين سعودية إلى إيران» أكثر منه تحالفاً موجهاً ضد طهران. فاستبعاد «تل أبيب» من المعادلة واختيار مكة مكاناً للتوقيع وإصرار المسؤولين على أن الاتفاق «غير موجه ضد أحد» كلها مؤشرات إلى أن الرياض تريد «تنويع الخيارات»، لا استبدال الأمريكي بالتركي-الباكستاني.
لا يمكن فهم «حلف مكة» من دون تفسير غياب مصر. فالقاهرة، التي شاركت في آلية التنسيق الرباعية (مع السعودية وتركيا وباكستان)، فضلت البقاء خارج الالتزام الدفاعي. وبحسب مصادر مصرية مطلعة تحدثت إلى «الأخبار» اللبنانية (في تقرير بتاريخ 12 آب) فإن القاهرة «لا تريد الدخول في حرب»، وتفضل الوساطة على التحالف العسكري. كما كشف موقع «ميدل إيست آي» أن السعودية نفسها عارضت انضمام مصر، بسبب «تزايد الإحباط» من حكم السيسي و»خضوعه» للإمارات.
هذا الغياب المصري يُضعف أي ادعاء بأننا أمام «حلف سني» متماسك. فالسعودية تريد شركاء يدفعون من دون أن يطالبوا، وتركيا تريد أسواقاً، وباكستان تريد استثمارات، واليمن يريد -ببساطة- أن يبقى صامداً في وجه العدو.
في النهاية، يبقى السؤال: من يردع مَن؟ هل يملك «حلف مكة» القدرة على ردع إيران؟ الإجابة الإيرانية جاءت من المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي: «لا سبب للقلق». أما الاختبار الحقيقي فهو في صنعاء. فإذا كان الحلف عاجزاً عن حماية أرامكو من طائرات يمنية مسيّرة فكيف سيحمي الرياض من صواريخ إيرانية باليستية؟!
إن صنعاء بصمودها تُعيد رسم الخريطة. فاليمن ليس مجرد «ملف أمني» على حدود السعودية، بل هو المحور الذي يكشف زيف التحالفات الورقية. و«حلف مكة» مهما تغنى بـ»التاريخ المشترك والإيمان» (على حد قول مسؤول تركي لصحيفة «حريات») سيظل -في أحسن الأحوال- تحالفاً للردع السياسي، لا للحرب الفعلية. أما في أسوأ الأحوال فهو «سراب ملوّن» كما وصفه موقع «مشرق» الإيراني المحسوب على الحرس الثوري: يبدو في الظاهر «فخماً ومتماسكاً»، لكنه يصطدم بتضارب المصالح وغياب الآليات التنفيذية.
وفيما يتساءل البعض عن مستقبل «الناتو الإسلامي»، يظل اليمنيون بصواريخهم البسيطة وإرادتهم يُذكرون العالم بأن الأمن لا يُشترى بالبيانات، وأن مكة قد تكون مكاناً للعبادة لكن صنعاء هي المكان الذي يُقاس فيه الإيمان.