بين الرمل والرمل دقت لحظة الصفر: بحري وقبلي
من الرويك إلى باب المندب تبدلت المعادلة؛ المحاصر أمس بات اليوم طريداً بين الماء والتراب. لحظة «الصفر الاستراتيجي» حوّلت البحر سجناً زجاجياً، وجعلت الصحراء مصيدة توشكا جديدة. هنا حيث تسقط أوهام الارتزاق تحت أقدام الصمود تضع المطرقة مسماراً أخيراً في نعش الخيار العسكري، معلنةً جنازة برميل نفط حكم الناس من ثقوبٍ تقطر بهررةً وهررة؛ عل القادم دون مواء وعواء، عل الآتي: وطنٌ بن ماء السماء!
* ع. ع


علـــى ديــــن معاويـــــة!
يتّضح أنّ الجميع -بغضّ النظر عن دياناتهم ومذاهبهم- قد دخلوا في «دين معاوية» الجديد: دين إسقاط اللوم على الضحيّة. فحين قُتل عمار بن ياسر، قال معاوية: «إنّما قتله من أخرجه للقتال». فردّ عليه الإمام علي: «إذن، فالنبيّ هو من قتل حمزة في أُحد». وهكذا، اليوم، حين تُقصف غزّة وتُهدم بيروت وتُعاقب صنعاء، يخرج علينا أتباع الشيطان ليقولوا: «إنّما قتلهم من أخرجهم للقتال»، أو «إنّما قتلهم من رفض الاستسلام»، أو «إنّما قتلهم من وقف في طريق الرصاصة». إنّها الخسة التاريخيّة نفسها، بثوبٍ إعلاميّ حديث، والمنطق المتهكم نفسه: برّر للجلاد، وحاكم المقتول، واسأل الضحيّة: لماذا لم تتجنّب الرصاصة؟ بحسب تعبير الكبير عمرو ناصيف.
وهكذا تدور الدنيا: ترامب يُنهي الحرب ويُعيد افتتاحها، والسعوديّة تُحاصر صنعاء ثمّ تتوسّلها، ونتنياهو يقتل الأطفال ويتباهى، والعالم يُصدر بيانات «قلق شديد» بالتوقيت السويسريّ... الوحيدون الذين يدفعون الثمن هم من بقي تحت الأنقاض، بينما نحن -من فوق الشاشات- نتناول الفشار ونُعيد تغريد الأخبار - هكذا قال المحترم عمرو ناصيف.



عبقريّــــة هرمــــز العائمــــة
لما كان ترامب قد أعلن -وهو في قمّة صحوه العقلية- أنه أغرق الأسطول الإيراني في قعر البحر، وأن مضيق هرمز مفتوح كنافذة مكيّف في صيف الرياض؛ جاء وزير خزانته، هسكوت بيسنت، ليُصحح المسار أو ليفسّر لنا أن الانتصار الأمريكي يحتاج إلى صيانة دوريّة. فبعد ساعات من الإغراق الرمزي أصبحت واشنطن تتوسّل طهران -عبر «سي إن بي سي»- إعادة فتح المضيق «بحلول الغد»؛ ليس حبّاً في السلام، بل خوفاً على استقرار أسعار الطاقة. وها نحن نكتشف أن الأساطيل تُغرق بالتغريدات، وأن المضائق تُفتح بالمفاوضات، وأن البطل الأمريكي الـ»سوبر هيرو» يمكنه إنهاء الحرب ثلاث مرات في ولاية واحدة ثم يعود كل صباحٍ ليسأل: «أيّ حربٍ كنا نتحدّث عنها؟». إنها العبقرية الأمريكية في الغباء، كما قال عبد الناصر لعميل الـ(CIA): تحركاتٌ غبيةٌ معقّدةٌ فقط بحيث يظن المتلقي أنه هو الأحمق لأنه لا يفهمها...



بلايستيشن ابن سلمان والجندي «السعودي» التعبان
في المملكة السعوديّة، حيث تُصنع التحالفات كما تُصنع القهوة - سريعاً وبدون تفكير، تحوّلت «عاصفة الحزم» (2015) إلى «عاصفة الاستجداء» (2026)، حين أصبحت الرياض تُشكّل تحالفاً لكي تفكّ عنها صنعاء الحصار بدل أن تفرض هي الحصار. وهكذا تدور الأيام كما يدور طاحون البنّ، تطحنُ الحلفاءَ وتُعيدُ طحنَ الأعداء. وفي الوقت الذي تُعلن فيه الرياض أنها «اعترضت الضربة» على ينبُع، تأتي شركة «فوكس» الألمانية لتُعلن أنها غادرت المكان بسبب «أضرار جسيمة» مُدمّرةً ببيانٍ واحدٍ مصداقيّةً تستغرق سنوات لبنائها. 
وعلى الجبهة الداخليّة يستمرّ «الجندي السعودي» (التعبان) في حماية الأمير لا المواطن، بعد أن أُلغيت بدلاته ومزاياه وأُعدم زملاؤه لرفضهم أوامر إجرامية وتُرك أسراهم في صنعاء ليأكلهم النسيان. أمّا «الخريبة» -تلك القرية التي أُبيدت لإقامة مدينة خيالية مستوحاة من ألعاب البلايستيشن- فتذكرنا بأن «رؤية 2030» قد تبدأ بقرية حقيقية وتنتهي بجريمة افتراضية، وأن ابن سلمان يمكنه أن يحول «جي تي أي» من لعبة إلى واقع، طالما أن الضحية هو مواطنٌ لا يملك سوى بيتٍ من طينٍ وذاكرةٍ من رمل.



المرتزق.. كمن يقطع أذنيه ليغيظ غريمه!
يستمرّ النظام السعودي في اختراع أساليبَ جديدةٍ للعجز. فبعد أن استنفد خياراته العسكريّة لجأ إلى «الفندقجية» المقيمة في الرياض، لمعاقبة الشعب اليمنيّ في الداخل عبر قراراتٍ مجحفةٍ تستهدف الخريجين الراغبين/المستحقين في السفر والدراسة. وهكذا تُصبح حكومةُ البوفيهات في الخارج أوّلَ حكومةٍ في التاريخ تُعاقب شعبَها تلبيةً لأجندة دولةٍ أجنبيّةٍ، ناسيةً أنّ «الشرعيّة» لا تُنتزع بالمراسيم، بل بالحضور الشعبيّ.



 «التصبيرة» الأخيرة: «مثلث الرويك» ودائرة المكر السيئ
لم يكونوا يعلمون أن تلك الوجبة ستكون الأخيرة.
في معسكر «الرويك» بمحافظة مأرب كانت الساعة تشير إلى 10:37 صباحاً من يوم الخميس السادس من آب/ أغسطس 2026. مرتزقة «الفرقة الأولى للطوارئ» –تلك التشكيلات التي أعدّتها السعودية من بقايا الفكر التكفيري لتحل محل مرتزقة من لون آخر– كانوا يتناولون طعام الغداء. هكذا قالت التقارير. لا أدري أي غداء موعده العاشرة والنصف صباحاً! قد يكون «تصبيرة» على حساب الكفيل! المهم، لم يكن أحد منهم يتوقع أن الصواريخ الباليستية والمسيّرات كانت بالفعل في الجو، تحمل لكل واحد منهم «رسالة بالبريد الممتاز» موقعة بخط اليد من صنعاء، ومفادها: هنيئاً!
لم يكن مجرد قصف؛ بل كان استباقاً استراتيجياً ذكياً - استهدف أربع قواعد في آن واحد: الرويك والثنية في مأرب، والعبر والوديعة في حضرموت. كانت الصواريخ تسقط، والمسيّرات تحرق، وغرف العمليات السعودية تتلقى أنباء الدمار، عاجزة عن فعل شيء، حائرة بين إنقاذ العمليات أو إعداد «الطوارئ».
«مئات القتلى والجرحى» إلى جانب ضباط وجنود سعوديين كانوا يشرفون على التحشيد. لن تعترف بهم الرياض، كما هو دأب واشنطن و«تل أبيب». انفجرت مخازن الأسلحة في الوديعة، واحترقت الآليات في الثنية، وتحول مقر اللواء 23 مشاة في العبر إلى رماد أحد عشر عاماً من الحصار ما فوق الجمر.
قبل أيام قليلة كان المشهد مختلفاً تماماً. كان فهد بن حمد السلمان، أحد سعاودة النخلتين والسيف العسكرية، يرسل تحياته إلى ما يسمى «درع الوطن»، من خلال المرتزق محمد النعيمي، قائد «محور الرزامات» التابع للسعودية، والذي كان ينشر مقطع فيديو يؤكد فيه اكتمال التجهيزات محدداً «هذا الأسبوع»: سندخل صنعاء. كانت شعارات «قادمون يا صنعاء» تملأ حسابات المرتزقة على وسائل التواصل، وكانت الرياض تجهز «قوات الطوارئ» و«درع الوطن»، تلك التشكيلات السلفية التي يحرم قادتها النشيد الوطني ويرفضون الدستور اليمني، ليكونوا وقوداً للمعركة. كانت صنعاء تراقب، تنتظر، وتخطط، بعد أن حاولت جاهدةً طوال الفترة الماضية أن تبقي الصراع محصوراً بينها وبين السعودي. لكن عندما يئس المرتزقة من حصر الرد على الخارج وقرروا أن يفتدوا سيدهم السعودي بأرواحهم، جاء الرد: «ضربة استخبارية مزلزلة ساحقة» سقط فيها -وفق مصادر ميدانية– أكثر من 1600 قتيل وجريح بينهم ضباط وجنود سعوديون.
لم تكن الضربة عسكرية فحسب؛ كانت رسالة نفسية أعمق وأغمق: «ابتعدوا عن تجمعات الإمداد العسكري»؛ هذا ليس تهديداً، بل وعد استخباراتي ممن يستطيع لمن قد يستحق. أما الآخرون فصنعاء تعرف أين ينامون، متى يأكلون، وكيف يفكرون...
وبينما كانت صواريخ الرويك تنهش في الجسد البري للعدوان، كانت جبهة أخرى –أشدّ فتكاً– تتسع جراحاً في البحر.
في 14 تموز/ يوليو 2026 ارتكبت السعودية «خطيئة» قصف مدرج مطار صنعاء، لمنع هبوط طائرة مدنية إيرانية. كانت الرياض تظن أنها تستطيع تكرار واستمرار سيناريو 2015. لكن صنعاء كانت قد دخلت مرحلة أخرى تماماً.
في 20 تموز/ يوليو، أُعلن سقوط هدنة 2022، وفرض حصار بحري على السعودية. في 22 تموز/ يوليو استُهدفت ناقلتا نفط سعوديتان. في 24-25 تموز/ يوليو، قصفت الرياض الحديدة وكمران، فجاء الرد باستهداف مصفاة «أرامكو» في جيزان وينبُع، ثم جاءت الصاعقة:
في 5 آب/ أغسطس تراجع عدد السفن السعودية العابرة لباب المندب إلى سفينة واحدة فقط، بعد أن كانت 20 سفينة في اليوم السابق. أكثر من 36 سفينة وناقلة سعودية فرّت أو غيّرت مسارها نحو رأس الرجاء الصالح. وبحسب شركة «فورتيكسا» البريطانية، بدأت ناقلات سعودية تبث عبر نظام التعريف الآلي عبارة مذلة: «لا توجد شحنة سعودية»، في محاولة يائسة لإخفاء هويتها، بينما تختبئ أخرى خلف ملكيات صينية.
«إنها إمبراطورية ناورو» -كما وصفها المحللون- تتنكر في عتمة الليل لتمر من مضيق لا تستطيع حمايته، بل ولا الاستحمام فيه. شركة «فوكس» الألمانية أعلنت وقف عملياتها في ينبع. و»أرامكو»، التي يتباهى مسؤولوها بأنها «لم تتأثر»، تكذبها سفنها الهاربة.
السعودية اليوم محاصرة من جهتين: هرمز شرقاً حيث تضع إيران وعُمان اللمسات الأخيرة على «المسار الملاحي الجديد»، وباب المندب غرباً حيث تقف صنعاء بثبات، قدماً وقدراً.
لكن الهزيمة لم تأتِ من البحر والصحراء فحسب، بل وجاءت من داخل التفاصيل. «الانتقالي الجنوبي» يعلن أن «سفن الرياض ليست مقدسة»، رافضاً «الخرطة» والانخراط في المخرطة البر-مائية. كان هذا زلزالاً استراتيجياً يضرب صميم «الوهمية» النفطية. ردت الرياض باستعراض عقيم: نزع الشعارات، وتطويق القيادات في عدن، وإقالة حلفاء مثل الزنداني (جاري التنفيذ لإقالته). الميدان (جغرافيا وتاريخاً) يُثبت دائماً أن الرقيق لا يحمون قصور ساداتهم ساعة الجد واللهب.
أما «تحالف حماية الملاحة» المزعوم (تلك الدول الأربع عشرة) فقد بدا أشبه بـ»نادي طبخ» دون قدرة عملياتية على طهي شيء سوى الخيبة والفشل. دول وقعت على وثائق لم تقرأها، وسفن أُرسلت لتسبح في بحر لا تعرف عمقه. الامتناع الإماراتي كان الصفعة الأولى. والعزوف الأوروبي الثانية. حتى واشنطن، التي استنفدت 80٪ من مخزون صواريخها الاعتراضية («ثاد» و«باتريوت»)، أصبحت عاجزة إلا عن نصح الرياض بالمصيدة والمكيدة؛ ليرشو ابن سلمان أردوغان وباكستان: قليل غاز وشوية جاز وأحضان عند سلم الطائرة!
«فورين بوليسي» تنشر مقالاً: «السعوديون هم مهندسو مأساتهم بأنفسهم»، يسجل فيه ستيفن كوك أن قصف مطار صنعاء كان «غير ضروري» و»نتيجة لسوء تقدير»، وأن الرياض أضاعت فرصة استراتيجية كبرى بإبعاد الإمارات. أما إسناد غزة (عكسياً) فهو ذنب الرياض الأبدي (لم يقل كوك ذلك بل أنا)!
في خضم هذا المشهد الممتد من الرمل إلى الرمل، تضع صنعاء معادلتها بوضوح لا لبس فيه:
«لا يمكنك أن تحاصرني براً وبحراً ثم تطلب مني أن أموت غرقاً في شبر هدنة. سأغرقك في غرورك إن استمررت ظالماً واستمرأت ظمئي. سأترك أرقامك تمضي، ولكن إلى الوراء حتى تصل الصفر»!

- تراجع الناتج المحلي السعودي 4.8٪ في الربع الثاني.
- انهيار الأنشطة النفطية بنسبة 24.7٪
- خسائر بمليارات البراميل تقبع في الموانئ المهجورة.
- انخفاض عمليات تحميل الغاز المسال من ينبُع إلى مستويات غير مسبوقة.
إذن، فليستمر الاستنزاف المتصاعد حتى تسوية قسرية/قيصرية تبدأ برفع الحصار الشامل عن الموانئ والمطارات، وتنتهي بدفع تعويضات شاملة لإعادة الإعمار تقدر بـ1.13 تريليون دولار، كشرط لا محيد عنه لأي سلام وعن أي حرب.
حين يسقط المرتزق في حفرة حفرها بنفسه فهذه هي العدالة. وحين تنقلب «قادمون يا صنعاء» إلى «هاربون يا سعودية» فهذا هو المنفى. وعندما يتحول توشكا صافر إلى «توشكايات» الرويك في عشر سنوات فتلك هي المحكمة.
إن العملية الاستباقية لم تكن مجرد ضربات عسكرية؛ كانت لحظة «صفر استراتيجي» أعادت فيها صنعاء ترسيم حدود السيادة والردع. لقد أثبت الميدان أن «الحصار بالحصار» ليس شعاراً إعلامياً، بل عقيدة استراتيجية راسخة تُترجم على كامل التراب الوطني ومحيطه البحري: خطوط طول وسؤدد ودوائر عرض وشرف.
تساقطت الأقنعة، وتهاوت أدوات الارتزاق، وغدا البحر الأحمر سجناً زجاجياً يمتلئ بالذعر السعودي الصاخب الهارب من الموت إلى حضرموت.




حين يُفكّك العقلُ سرديّةَ «العفونة»
في خضمّ المسرح الهزليّ الذي تعيشه البشرية، بل تموته اليوم، برز محمد ماراندي في مناظرةٍ تاريخيّةٍ مع «محامي الشيطان» آلان ديرشويتز، على شاشة بيرس مورغان. ففيما كان ديرشويتز يُلبّس عباءة المدافع عن الديمقراطيّة، وصفه ماراندي بـ»«المتحدّث الرسميّ باسم الإبادة، ورفيق درب إبستين»، مُذكّراً إيّاه بأنّه نجا من هجومين كيميائيّين صنعتهما «الديمقراطيّة» الغربيّة. ولمّا حاول ديرشويتز استحضار النازيّة، ردّ عليه ماراندي: «لسنا في 1935، بل في 1942، وأنتم النظام النازيّ الذي يرتكب الهولوكوست في غزّة». ولمّا سأله مورغان عن قبوله بالمساواة، أعاد ماراندي صياغة السؤال ليشمل عودة اللاجئين جميعاً إلى دولةٍ واحدةٍ تساوي بين اليهود والمسلمين والمسيحيّين، فانكشف زيف «الحلّ الديمقراطيّ». وفي ختام الحوار، وقف ماراندي يُعلن: «يمكنكم قتل من تشاؤون، وقصف منزلي، لكنّني لن أخاف. أنا مستعدّ للموت من أجل الفلسطينيّين»، ليُسقط بذلك آخر أوراق التوت عن المحامي الذي دافع عن إبستين وترامب، ويُثبت أنّ السرديّة الصهيونيّة تنهار حين تواجه حقيقةً بسيطة: أنّ الضحيّة لم تعد تخاف.
(نقلا عن علي سرور، 
«الأخبار» اللبنانية - بتصرف)




سيرك الإنسانيّة الاستعراضيّة
في غزّة، التي دُفنت فيها كرامة الأمة مع 112 شهيداً - من بينهم 44 طفلاً و37 امرأة، يستمرّ العالم في مشاهدة «الإنسانيّة الاستعراضيّة». فالطائراتُ التي تُسقط القنابل من الباب السفليّ، تعود في الصباح نفسه لإلقاء علب التونة من الباب الخلفيّ، والمظلاتُ التي تحمل الإغاثةَ تصبحُ أدواتَ قتلٍ، حين تسقط على رؤوس المحاصرين. وفي الإعلام الغربيّ، تُسمّى المجازر «أضراراً جانبيّةً غير مقصودة»، وتُعلَنُ التحقيقاتُ الداخليّةُ ثمّ تُحالُ إلى التقاعد مع الضبّاط، والفيتو الأمريكيّ يُستخدم لمنع وقف إطلاق النار بحُجّة أنّ «إيقاف القتال الآن سيضرّ بفرص السلام الدائم».



الأرقام تقرع طبول السياسة.. قراءة في جيب الزمن العربي والإقليمي الآن
في زمن تتشابك فيه خرائط النفط بجنون العظمة العسكري، وتختلط فيه ميزانيات الحروب بإعلانات الإفلاس الصامتة، لا تكذب الأرقام. إنها البوصلة التي تُري السائس كيف تنهار الجغرافيا تحت وطأة الحسابات.
أولاً: معركة المضيق: حين يخسر المنتجون قبل المستهلكين،
لم تكن الحرب الأمريكية على إيران مجرد صواريخ «ثاد» و«باتريوت» تستنزف بنسبة 80٪ من مخزون واشنطن، بل كانت معركة كسر عظم لاقتصاد النفط. صحيح أن خام برنت قفز إلى 100 دولار، لكن الأكثر إيلاماً أن السعودية صانعة السوق التقليدية اكتشفت أن النصر العسكري لا يُترجم إلى براميل. فبينما انخفضت حركة الملاحة في قناة السويس بنسبة 20٪، تراجع الناتج المحلي السعودي في الربع الثاني من 2026 بنسبة 4.8٪ وانهارت الأنشطة النفطية بنسبة 24.7٪ رغم زيادة الإيرادات النفطية 27.9٪. إنها مفارقة العجز؛ إذ بلغت المصروفات 373 مليار ريال مقابل إيرادات 338.7 ملياراً مسجلة عجزاً بـ34.2 ملياراً، وكأن الحرب تفتح صناديق الدولة لتغلق خطوط أنابيبها.

ثانياً: اليمن: تريليون دولار تحت رماد الجوع.
إذا كانت سورية درة الخراب، فإن اليمن أصبح سجلّاً قياسيّاً في الخسائر اللانهائية. الرقم الذي يجب أن يتوقف عنده القارئ ليس 17 مليون إنسان يعانون الجوع الحاد، بل 1.13 تريليون دولار كخسائر إجمالية منذ 2015. هذا الرقم يساوي ميزانيات عشرات الدول مجتمعة موزع بين صناعة منهارة (82.5 مليار دولار) وزراعة مدمرة (111 ملياراً) وتجارة خارجية مشلولة (111 ملياراً). هنا تبرز السخرية السوداء: بينما يُعلن اليمنيون حصاراً بحرياً على السعودية (أجبر 8 ناقلات على الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح حتى الآن) تظل الأرقام اليمنية صامتة تتحدث عن دولة قُتِل اقتصادها قبل أن تُقتل مدنها.

ثالثاً: المفاجأة الصهيونية.. 
جيش بألف يوم احتياطي وميزانية تنزف:
في كيان يُحسب له ألف حساب عسكرياً لدى الخونة والعملاء والمرتزقة، قفزت ميزانية الدفاع من 68.5 مليار شيكل إلى 143 ملياراً معتمدة بينما بلغ إجمالي تكاليف الحرب منذ «طوفان الأقصى» 280 مليار شيكل؛ لكن الأرقام الأكثر إدهاشاً هي التكلفة اليومية للجنود الاحتياط: 3-4 مليارات شهرياً في الذروة وخدمة احتياطية تجاوزت 1020 يوماً. إنها معادلة عبقرية في الاستنزاف: جيش يحارب بـ145 ألف مجند في الذروة، بينما خطته الأصلية كانت 60 ألفاً فقط، وكأن الأمن القومي يلتهم فائض الإنتاج القومي.

خاتمة:
ما يجمع هذه الأرقام ليس مجرد كونها مقتطفة من تقارير، بل كونها مرآة المرحلة. فبينما تنفق أمريكا 46 مليار دولار مساعدات سنوية لحلفائها (بزيادة 15 ملياراً عن 2010) ويُنفق اللوبي «الإسرائيلي» 100 مليون دولار في انتخابات التجديد النصفي، نجد أن المنطقة بأكملها تراوح مكانها، إذ لا مزيد من الجاز للمزيد من «موالعة» الجاز.
يقول كاتب فرنسي - لا أتذكراً اسمه: «الاقتصاد هو فن توزيع الندرة؛ لكن السياسة هي فن خلقها». وفي هذا التقرير وجدنا خير برهان على أن الأرقام لم تكن مجرد أعداد، بل شهادات ميلاد لعصر جديد من الفوضى الممنهجة.



إمبراطوريّة إبستين.. حين يصبح البيت الأبيض «بيت دعارة»
نتنياهو لا يكتفي باحتلال فلسطين، بل يحتل واشنطن أيضاً. فبعد أن «تفكّكت» المحكمة الجنائيّة الدوليّة بمساعدة «طائفة إبستين»، أصدر وزير الخارجيّة الأمريكيّ، ماركو روبيو، قراراً يقضي بحرمان منتقدي «إسرائيل» من تأشيرات الدخول إلى أمريكا، مُثبتاً بذلك أنّ الدولة التي تخشى النقد تُظهر ضعفاً لا قوّة. وها هي صحيفتا «يديعوت أحرونوت» و«هآرتس» الصهيونيّتان تُقرّان بأن «إسرائيل» أصبحت «جريرة»، «لحيقة»، «ربيعة» للولايات المتّحدة، لا شريكاً كاملَ المشورة، وأنها «دولةٌ» تابعةٌ تنتظر الإذن من ترامب لكي تتنفّس. أمّا ترامب نفسه فقد أصبح «تاكو» -ذلك الطبق المكسيكيّ الطريّ- في السياسة يتراجع في كلّ لحظةٍ حاسمة، ويُنهي الحرب الواحدة ثلاث مرّات، ويبيع (F-35) لتركيا صباحاً ثمّ ينفي المساء، ويُطلق على القادة الإيرانيّين «الحثالة» فجراً ثمّ يدعو للجلوس معهم ظهراً... إنّها ليست استراتيجيّة كما يقول بولتون، بل هي مسرحيّةٌ هزليّةٌ يدفع ثمنها الجنودُ على الأرض والمدنيون تحت الأنقاض.