دمشق - خاص / لا ميديا -
شهدت العاصمة السورية دمشق، على مدى يومين، حادثين أمنيين أشعلا ضوءًا أحمراً، وتساؤلات عن أهدافهما، وغايات من يقف وراءهما، وهل هما حادثان مرتبطان أم منفصلان عن بعضهما؟!
الحادث الأول، وهو الأخطر، كان تفجير مقهى قريب من قصر العدل في منطقة الحجاز، وقرب مدخل سوق الحميدية في قلب دمشق، ويرتاده عادة الكثير من المحامين أثناء استراحاتهم أو خلال لقاءاتهم مع موكليهم، وأسفر الحادث عن مقتل تسعة مواطنين وجرح عشرين آخرين، معظمهم من المحامين.
وقال بيان لوزارة الداخلية السورية، إن الانفجار ناجم عن عبوة ناسفة بدائية الصنع، تزن نحو كيلوغرام، جهزت بشظايا معدنية، ما أدى إلى إحداث إصابات بالغة وأضرار كبيرة في المكان.. لكن تقارير وشهود عيان، لم يتم تأكيد كلامهم من جهات رسمية أو مستقلة، تحدثوا عن وجود انتحاريين في المكان، وحاول أحدهم اقتحام القصر العدلي، وتم إلقاء القبض على آخر.
أما الحادث الثاني، فقد وقع -بحسب مصدر أمني- بسبب قيام شخصين، كانا يستقلان دراجة نارية، بإلقاء قنبلة يدوية على حاجز أمني، على مداخل مدينة جرمانا بريف دمشق، ما أسفر عن إصابة ثلاثة عناصر بجروح ومقتل أحد المسلحين، وإلقاء القبض على الآخر.
التفجيران أثارا تساؤلات كثيرة عن التوقيت والرسائل، فيما إذا كانت حوادث عابرة أم مؤشرا إلى فصل جديد من فصول الدم السوري المهدور؟ أم هي رسائل من جهة ما إلى عناوين عديدة؟
وإذا كان الحادث الثاني يمكن وصفه بالحادث العابر، لكن الأول هو حادث مدبر ومدروس ومقصود، وتقف وراءه جهة محددة، ولها رسائل عديدة، خاصة من خلال اختيار المكان، حيث يقع القصر العدلي، وهو المستهدف الأساس منه.
كان لافتاً، أن وسائل الإعلام العربية مثل «العربية» و«الجزيرة» و«سكاي نيوز» ذهبت في تحليلاتها بالسردية المعروفة لمواقفها، بمحاولة ربط الحادث تارة بإيران وتارة بحزب الله، وأخرى بالفلول «مؤيدي الأسد» وبعضهم أشار إلى احتمال ربطها بتنظيم «داعش»، لكن كل هذه التحليلات كانت مجرد توظيف سياسي للحدث، صدرت فور وقوعه، وقبل أن يصدر أي موقف رسمي أو إظهار نتائج أي تحقيقات، وبدون وجود أي دليل يؤيد ما حاولوا الذهاب إليه، وهو ما دفع وزارة الداخلية السورية، إلى إصدار بيان بالحادث، في وقت لاحق، قالت فيه إن «التحقيقات جارية.. وتهيب بالمواطنين ووسائل الإعلام عدم الانجرار وراء الشائعات، أو تداول معلومات غير الموثقة، واعتماد البيانات الرسمية، الصادرة عن وزارة الداخلية».
وفي محاولة لقراءة بعض تفاصيل ومؤشرات الحادث، يمكن التأكيد أن الجهة التي نفذته، أرادت إعادة تأجيج الوضع، بعد زوال مفعول حملة التحريض الطائفية الكبيرة، التي شهدتها دمشق وعدة مدن سورية، وفي ظل حالة الهدوء، التي تشهدها دمشق، وبالتالي لا يمكن فصلها عن الحملات السابقة، التي تريد إعادة تأجيج الوضع في دمشق تحديداً.
وليس بعيداً، أن الجهة المنفذة أرادت ربط الحادث، بعمليات الاعتقال والمحاكمات التي تقوم بها السلطات السورية، لرموز من النظام السابق، ليس حباً بتحقيق العدالة، وإنما لخربطة الأمن، ومحاولة توجيه الاتهامات إلى جهات متضررة من هذه المحاكمات. 
أيضاً لا يمكن فصل الحادث، عن زيارة وزير خارجية سلطة الجولاني في سورية، أسعد الشيباني، إلى بيروت، حيث تزامنت مع الزيارة تماماً، وهو توقيت غير بريء، ويمكن اعتبارها رسائل بالدم، موجهة إلى كل من دمشق وبيروت، وهنا يدخل العامل «الإسرائيلي» على الخط بقوة، حيث لا يمكن استبعاد أن نتنياهو والمؤسسة السياسية والأمنية «الإسرائيلية» يريدون توجيه رسالة مباشرة إلى السلطات السورية، بأنكم تحت الأنظار، وأي تقارب مع لبنان، وأي تنسيق سياسي أو أمني أو استراتيجي، مع القوى الرافضة للمشروع «الإسرائيلي» سيواجه بالضغط والتهديد ومحاولات التخريب.
هذه الأجواء والرسائل، ليست بعيدة عن الأحداث والرسائل الدموية، التي تعرفها منطقة «الشرق الأوسط» بشكل عام، حيث يتداخل العامل «الإسرائيلي» بكل تفاصيله، وخاصة توجيه رسائل بالدم، عندما تعجز السياسة والدبلوماسية عن توجيهها، والكيان الصهيوني المتورط في أكثر من جبهة، من الطبيعي أنه يراقب ما يجري على خط دمشق بيروت، وما تراه حكومة العدو بأنه خطر من أي توافق سوري لبناني، وحيث تتداخل الجغرافيا، ليصبح جنوب سورية، امتدادا لجنوب لبنان، وإدراك العدو بأن عربدته في محافظات الجنوب السوري، لا يمكن أن تستمر، بانتظار ما ستستقر عليه الأوضاع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ومحادثات واشنطن بين ممثلين عن حكومة الاحتلال والحكومة اللبنانية حول كيفية ترتيب الأوضاع في جنوب لبنان.
ومما يزيد من احتمالات هذه الرسالة، أنها جاءت بعد رفض متكرر من السلطات السورية الجديدة لكلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأنه قد يطلب منها الدخول إلى لبنان لضرب حزب الله بدلاً عن «إسرائيل»، وبعد ما ظهر من محاولة السلطة السورية، إعادة بناء العلاقة مع لبنان، على أسس التعاون، وبدون التدخل في الشؤون الداخلية.
كما شهدت زيارة الشيباني لبيروت، أول لقاء بين السلطات السورية الجديدة، والقوى التي كانت تقف مع السلطات السابقة، وفي مقدمتها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، حيث كانت الأجواء إيجابية، ولفت الأنظار قول الرئيس بري، الذي نقله عنه موقع المدن «بأن (الشرع) وجه إليه دعوة لزيارة دمشق، فرحب بالدعوة، لكنه شرح عدم تنقله في هذه المرحلة، بسبب ظروفه، ولكن.. إن شاء الله خيراً».
كما كان لافتاً، أن الشيباني زار شخصيات كانت تعتبر من المعادين لنظام الأسد وللمقاومة، وفي مقدمتها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ورئيس حزب الكتائب سامي الجميل، والنائب اللبناني السابق وليد جنبلاط.
أياً كانت الجهة التي تقف وزراء تفجير المقهى، قرب القصر العدلي بدمشق، فهي تدل على خوف الجهة التي تقف وراءها، أكثر مما تدل على الاطمئنان، وتدل على الضعف، أكثر مما تدل على القوة، ورسائلها قد تصل إلى عناوينها، لكن أهدافها لن تصل إليها، وقد تعطي نتائج بعكس ما أرادته الجهة التي قامت بإرسال رسائلها الممهورة بالدم وبالخوف.