تقرير / لا ميديا -
مدينة تحولت إلى ساحة اختطافات واغتيالات وانتهاكات مستمرة، حيث يحكم الاحتلال السعودي والإماراتي بفصائلهما المتعددة وأدواتهما الارتزاقية المشهد بمنطق العصابة. تلك هي عدن، المدينة التي استحالت إلى مسرح جريمة مفتوح: رصاص في الشوارع، واقتحامات للبيوت، واغتيالات، وجرائم اغتصاب وابتزاز للنساء والأطفال... شهادات الضحايا وأسرهم تكشف أن ما يجري ليس مجرد تجاوزات كما يحاول الاحتلال ومرتزقته تصويرها، بل سياسة ممنهجة لإخضاع المجتمع عبر الدم والخوف وتحويله إلى قطيع خائف.

كشفت تقارير حقوقية، أمس، عن انتهاكات إنسانية جسيمة مارستها قوات الاحتلال وأدواته، المسيطرة على مدينة عدن، ضد المدنيين والمواطنين، بينهم نساء وأطفال، تمثلت في جرائم اغتصاب واعتقالات وسجون سرية وإخفاء قسري.
التقرير الذي أصدرته "منظمة صحفيات بلا قيود"، رصد أوضاع حقوق الإنسان في مدينة عدن خلال الأشهر الأولى من العام 2026، بدا أقرب إلى شهادة دامغة على انهيار منظومة الأمن والعدالة في المدينة التي حولها الاحتلال وأدواته إلى مدينة مستباحة تُدار بالرصاص والسجون السرية، حيث الإفلات من العقاب صار هو القانون، والضحايا يتكاثرون بلا نهاية.
ووثق التقرير جرائم اغتيال متكررة حدثت مؤخراً في مدينة عدن، بينها مقتل وسام قائد وعبدالرحمن الشاعر، معتبرة أن هذه الجرائم تكشف ما سمّته "قصوراً خطيراً في منظومة الحماية الأمنية وآليات التحقيق والمساءلة".
ونقل التقرير عن شقيقة وسام قائد صدمة فقدان شقيقها الذي كان "يعمل على مشاريع تنموية تخدم الفقراء"، حيث "قتلوه لأنه كان يحاول أن يبني شيئاً وسط الخراب"، مؤكدة أن التحقيقات لم تتجاوز البيانات الإنشائية، فيما أكدت عائلة الشاعر أن الاغتيال وقع أمام أعين الطلاب ليتركهم في حالة رعب دائم.
كما كشف عن وجود 12 سجناً غير قانوني خارج إشراف ما سمتها النيابة العامة، واستمرار قضايا الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري، كملف مفتوح منذ أكثر من عشر سنوات حول مصير العشرات من المختفين قسراً.
لم يقتصر التقرير على ذلك، بل أشار إلى حالات وفاة أثناء الاحتجاز، واعتبرها مؤشرات تستوجب تحقيقات جنائية مستقلة وشفافة.
وبخصوص الجرائم الممارسة بحق الأطفال، أشار التقرير إلى انتهاكات جنسية جسيمة مارسها مرتزقة الاحتلال في السجون السرية وأقسام الشرطة، مطالباً بتحقيق مستقل وتوفير الحماية والرعاية للضحايا، وإنشاء آليات آمنة للإبلاغ عن هذه الجرائم.
كما تحدث عن القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، مستشهداً بالاعتداء على أسر المختفين قسراً أثناء وقفة احتجاجية، في مشهد يفضح قمع الحقوق المدنية.
وخلص التقرير الحقوقي إلى أن عدن ليست مجرد مدينة تعاني من الفوضى، بل مسرح جريمة مفتوح تُمارس فيه كل أشكال القمع، وأن الاحتلال ومرتزقته حولوا حياة الناس إلى سلسلة من الانتهاكات اليومية التي لا تنتهي.

ابتزاز النساء وتهجير الأسر
وفي شهادة صادمة أخرى، ظهرت امرأة من المنصورة في مقطع مصور تتحدث عن تهجيرها قسراً مع أطفالها من منزلها بعد رفضها تسليم ابنتها لقيادي مرتزق في ما يسمى "الحزام الأمني" التابع لانتقالي الإمارات يدعى مازن حازب اليافعي.
الأم قالت إنها تعيش ظروفاً إنسانية قاسية بعد نزوحها خوفاً على سلامة أسرتها، مؤكدة أنها لجأت إلى قيادي مرتزق آخر يدعى جلال الربيعي طلباً للحماية، لكنها لم تلقَ أي استجابة.
وفيما تحولت شهادة المرأة إلى نداء استغاثة للرأي العام، اتهمت المرتزق حازب بالضلوع في ممارسات مماثلة مع فتيات أخريات انتهى بهن المطاف في السجون، وسط اتهامات للمرتزق الربيعي هو الآخر بتوفير غطاء أمني لهذه الانتهاكات.
وبحسب حقوقيين فإن هذه الواقعة لم تكن معزولة، بل هي جزء من سلسلة تقارير وتسجيلات صوتية نشرتها منصات حقوقية عن اختطافات وابتزاز جنسي ومالي للنساء في عدن، وعن تورط قيادات أمنية في جرائم اغتصاب أطفال، ما دفع منظمات حقوقية إلى المطالبة بتحقيقات عاجلة تكشف حجم الكارثة التي تمس شرف المواطنين وكرامتهم.

اقتحام المنازل وترويع النساء
إلى ذلك، كشف مقطع فيديو حديث عن اقتحام مرعب لمنازل المواطنين في مدينة عدن، إذ داهمت مجموعة مسلحة تابعة للقيادي المرتزق مصلح الذرحاني منزل المرتزق ياسر محمد صالح اليافعي، المنتحل صفة ضابط في البحث الجنائي، في مشهد وصفه الحقوقيون بالهمجي والمروّع للنساء والأطفال.
الفيديو أظهر العناصر يقتحمون المنزل بعنف، واختطفوا أبناء اليافعي الأربعة تحت تهديد السلاح، وأُجبروا والدهم على تسليم نفسه قبل اقتيادهم جميعاً إلى جهة مجهولة. المصادر تحدثت عن اعتداء جسدي مبرح على الضابط وأبنائه في ساعات الليل المتأخرة.
لاحقاً، نُقل المختطفون إلى سجن تابع للمرتزقة في خور مكسر، وأُفرج عن الابن الأصغر وعليه آثار تعذيب واضحة، بينما كان والده قد كشف قبل أيام عن تلقيه تهديدات بالقتل من عناصر متورطة في تجارة المخدرات لها نفوذ داخل التشكيلات الأمنية التابعة للاحتلال السعودي في عدن.

جرائم ممنهجة
بدورها، أكدت الناشطة هدى الصراري أن هذه الجرائم ليست جديدة، بل موثقة منذ العام 2015؛ لكن الإنكار والتجاهل والتبرير جعل الجناة يشعرون أنهم بمنأى عن المحاسبة، فتمددت دائرة الانتهاكات وارتفعت وتيرتها حتى وصلت إلى مستويات لا يمكن لأي ضمير إنساني أن يقبل بها.
الصراري قالت إن المجتمع لو وقف منذ البداية إلى جانب الضحايا لما وصلت الأمور إلى هذا الحد، مؤكدة أن الوقت لم يفت بعد للتحرك، وأن هذه الجرائم لا تستهدف أفراداً بأعينهم فقط، بل تمس السلم المجتمعي والنظام العام، وتهدد النساء والأطفال بشكل مباشر.
ودعت إلى رفع الأصوات ومساندة الضحايا وتشجيعهم على تقديم الشكاوى، والمطالبة بضمانات حقيقية لحمايتهم وحماية الشهود، وتفعيل المساءلة المجتمعية والقانونية، حتى لا يفلت أي منتهك من العقاب، محذرة من أن السكوت لا يحمي أحداً، وأن الإفلات من العقاب لا يتوقف عند ضحية واحدة، بل يتحول إلى خطر يهدد الجميع.