عادل بشر / لا ميديا -
أكثر من مليون كيس قمح أنتجتها محافظة الجوف خلال الموسم الزراعي الأخير، وتوسع المساحة المزروعة بهذا المحصول إلى نحو 17 ألفاً و600 هكتار، وهو منجز كبير ضمن التوجه الوطني لتحقيق الاكتفاء الذاتي. لكن خلف هذه الأرقام هناك قصة أخرى أقل ظهوراً: مزارعون ينتظرون مستحقاتهم منذ أشهر، واعتصام مفتوح أمام وزارة الزراعة، واتهامات متبادلة بين المؤسسات الحكومية بشأن الجهة المسؤولة عن تعطيل الصرف.
ففي حين لا تزال التقارير الزراعية تتحدث عن "قفزة نوعية" في إنتاج القمح بالجوف، وعن نجاحات متسارعة في طريق تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، وجد عشرات المزارعين أنفسهم يشدّون الرحال إلى صنعاء للمطالبة بحقوقهم المالية المتأخرة، بعد أن سلموا محصولهم للمؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب وفق الاتفاقات والأسعار التشجيعية المعلنة.
وخلال الأيام الماضية، نظم مزارعو القمح في محافظة الجوف اعتصاماً مفتوحاً أمام مبنى وزارة الزراعة والري والثروة السمكية بالعاصمة صنعاء، احتجاجاً على ما وصفوه بالمماطلة في صرف بقية مستحقاتهم المالية من قيمة محصول القمح للموسم الشتوي 2025/ 2026م، رغم مرور قرابة ثلاثة أشهر على استلام المحصول وتوريده إلى مخازن المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب.
واحتشد المزارعون أمام بوابة الوزارة وافترشوا محيطها، بعد أن كانوا قد بدؤوا اعتصامهم داخل حوش المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، قبل نقل الاحتجاج إلى مقر الوزارة، في خطوة تصعيدية هدفت إلى لفت انتباه الجهات المعنية إلى قضيتهم.
كما أصدروا بياناً -تلقت "لا" نسخة منه- حمّل الجهات الحكومية مسؤولية ما وصفوه بالأضرار والخسائر التي لحقت بهم نتيجة تأخير صرف مستحقاتهم، مؤكدين أنهم استجابوا لتوجهات القيادة الداعية إلى التوسع في زراعة القمح، واستثمروا أموالهم وجهودهم في هذا المحصول الاستراتيجي، قبل أن يفاجؤوا بتعثر صرف مستحقاتهم بعد تسليم الإنتاج.
وجاء في البيان: "منذ ثلاثة أشهر وبضاعتنا في مخازن مؤسسة الحبوب، ولم يتم تصريفها من وزارة الاقتصاد والصناعة، وكذلك لم يتم صرف التسهيل المصرفي من البنك المركزي رغم توقيعه من وزير المالية ووزارة الزراعة ومؤسسة الحبوب، في حين رفض البنك المركزي التوقيع والصرف".
وأشاروا إلى أن "مثل هذه الأعمال يترتب عليها تضرر المزارعين وخسارة بالغة وتعثر المشاريع والتوقف عن أي استحداثات أو توسع في إنتاج القمح".
ويرى المزارعون أن الأزمة تتجاوز حدود التأخير المالي إلى تهديد مباشر لمستقبل الزراعة في الجوف. فالكثير منهم اعتمد على قروض أو التزامات مالية لتمويل عمليات الزراعة والري والحصاد، وكان يعول على الحصول على مستحقاته فور تسليم المحصول من أجل الاستعداد للموسم الزراعي التالي.

جريمة اقتصادية
في منشورات متداولة للمزارعين المعتصمين، وصفوا تأخير مستحقاتهم بأنه "جريمة اقتصادية قبل أن يكون ظلماً اجتماعياً"، معتبرين أن الحديث عن الاكتفاء الذاتي يفقد معناه عندما يُترك المنتجون الحقيقيون للقمح في مواجهة الديون والخسائر والوعود المؤجلة، فيما ذهب بعضهم إلى القول: "من يسرق عرق المُزارع، سيسرق أمن غذاء البلد بأكمله".
وتكشف إفادات المزارعين حجم الإحباط الذي يشعرون به. ففي أحد البيانات التي تداولها المحتجون، أكدوا أنهم ليسوا "شحاتين على أبواب المؤسسات"، وإنما مزارعون أنتجوا القمح الذي تتفاخر به الجهات الرسمية باعتباره خطوة نحو الاكتفاء الذاتي. وأضافوا أن بقاء القمح في مخازن المؤسسة لأكثر من 90 يوماً دون صرف المستحقات يمثل إهانة للمزارع وتهديداً مباشراً لاستمرار التوسع الزراعي.
وقال المزارعون إن الحديث عن الاكتفاء الذاتي يفقد معناه عندما يُترك المنتِج الحقيقي للقمح غارقاً في الديون والالتزامات المالية، بعد أن أنفق على البذور والديزل والعمالة والحصاد، ثم يُحرم من أمواله لأشهر طويلة.

عرقلة "مركزية"
بدورنا في "لا"، تواصلنا مع مدير مكتب الزراعة بمحافظة الجوف، المهندس مهدي قاسم الضمين، الذي كشف أن نحو مليار ريال من مستحقات المزارعين لا يزال عالقاً رغم وجود اتفاقية موقعة بين وزارات المالية والزراعة والاقتصاد والمؤسسة العامة للحبوب بشأن عملية الصرف.
وأوضح الضمين، الذي شارك المزارعين اعتصامهم في صنعاء، أن إجمالي المبالغ المستحقة للمزارعين يبلغ نحو أربعة مليارات ريال، وأن الجزء المتبقي لم يُصرف بسبب عدم اعتماد المبلغ من قبل البنك المركزي، رغم استكمال الإجراءات والتوقيعات من الجهات الحكومية الأخرى.
وأشار إلى أن الاعتصام رُفع بعد تفاهمات مع قيادة وزارة الزراعة، مؤكداً بنبرة يقين: "اتفقنا مع القائم بأعمال وزير الزراعة على خبر مثل الموس، بشأن صرف بقية مستحقات المزارعين، وهناك توجيهات رئاسية، وبإذن الله يستلم المزارعون بقية مستحقاتهم كاملة في ظرف أيام".
وحول إجمالي الإنتاج من محصول القمح في هذا الموسم بمحافظة الجوف، والكميات المشتراة من المزارعين، أفاد مدير مكتب الزراعة بأن "إجمالي إنتاج القمح هذا العام تجاوز المليون كيس عبوة خمسين كجم"، لافتاً إلى أن المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب اشترت من مزارعي الجوف قرابة 350 ألف كيس قمح بالسعر التشجيعي المحدد من الأجهزة المعنية: "15 ألف ريال لكيس القمح البلدي وزن 50 كجم المصنف درجة أولى، و14 ألفاً للمصنف درجة ثانية"، فيما اشترى تجار القطاع الخاص نحو 160 ألف كيس؛ الأمر الذي يجعل قضية المستحقات مرتبطة بشكل مباشر بموسم يعد من أكبر مواسم إنتاج القمح في تاريخ المحافظة.
المهندس مهدي الضمين اختتم تصريحه لـ"لا" بالثناء على المزارعين الذين وصفهم بـ"أبطال الاكتفاء الذاتي" وأشاد "بجهودهم ووفائهم وانتمائهم الصادق للأرض والوطن"، مثمناً "دورهم المحوري مع جنود الجبهة الزراعية المخلصين، في تعزيز الأمن الغذائي الوطني، وما تحقق من هذا المنجز الذي يمثل قفزة نوعية نحو كسر قيود التبعية، وتحقيق السيادة الغذائية للبلاد"، مؤكداً في الوقت ذاته أنه "سيكون أول المعتصمين في حال لم يُنفذ الاتفاق ولم تُدفع بقية مستحقات المزارعين".

نجاح الاكتفاء ببناء الثقة
تكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي باتت تحتلها محافظة الجوف في خارطة الإنتاج الزراعي اليمني. فوفق بيانات مكتب الزراعة بالمحافظة، بلغت المساحة المزروعة بالقمح خلال الموسم الشتوي 2025/ 2026 نحو 17 ألفاً و600 هكتار، فيما تجاوز عدد المزارعين المشاركين في زراعة المحصول سبعة آلاف وخمسمائة مزارع.
وفي مطلع حزيران/ يونيو الجاري أعلن مكتب الزراعة في الجوف تحقيق إنتاج قياسي تجاوز مليوناً و21 ألف كيس قمح بقيمة تزيد على 15 مليار ريال، واعتبر ذلك إنجازاً استراتيجياً يعزز السيادة الغذائية ويؤكد نجاح خطط التوسع الزراعي في المحافظة.
غير أن هذا الإنجاز سرعان ما اصطدم بواقع مختلف، وهو ما دفع خبراء زراعة واقتصاد إلى طرح أسئلة جوهرية مثل: كيف تُترك قضية بهذا الحجم لتصل إلى مرحلة الاعتصام المفتوح؟! وكيف يُجبر آلاف المزارعين على الانتظار ثلاثة أشهر للحصول على مستحقاتهم؟! ولماذا تُوقَّع الاتفاقيات بين المؤسسات الحكومية إذا كانت جهة واحدة قادرة على تعطيلها وإيقاف تنفيذها؟!
كما تطرح هذه القضية تساؤلات جدية حول جدوى السياسات الزراعية الحكومية إذا كانت الجهات الرسمية عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المزارعين الذين استجابوا لدعوات القيادة وزادوا إنتاجهم من المحاصيل الاستراتيجية. فنجاح أي خطة للأمن الغذائي، وفقاً للخبراء، لا يقاس بحجم الإنتاج وحده، وإنما بقدرة الحكومة على بناء الثقة مع المنتجين وضمان حصولهم على حقوقهم في الوقت المناسب.
وفي بلد يواجه تحديات متزايدة في ملف الأمن الغذائي، تبدو حماية المزارع والالتزام بحقوقه جزءاً أساسياً من حماية الأمن الوطني نفسه. أما استمرار المماطلة والتأخير، فإن خطورته وتبعاته تتجاوز مستحقات مزارعي الجوف، لتطال أحد أهم النماذج الزراعية التي جرى تقديمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها قصة نجاح تستحق التوسع والبناء عليها.