دمشق  - أحمد رفعت يوسف / لا ميديا -
ما حدث في اليومين الأخيرين في منطقة الخليج، ومضيق هرمز، تطور يحمل الكثير من المؤشرات والدلالات.
القوات البحرية الإيرانية، استهدفت 3 مدمرات أمريكية، بالقرب من مضيق هرمز، وتقول إنها ألحقت بها خسائر فادحة، وأن القطع البحرية الأمريكية الثلاث (فرت) بسرعة من المنطقة.
إيران بررت الحادث، بأن الجيش الأمريكي قام بخرق وقف إطلاق النار، واستهداف ناقلة نفط إيرانية، كانت تتحرك من المياه الساحلية الإيرانية، في منطقة جاسك، باتجاه مضيق هرمز، وسفينة أخرى، كانت تدخل مضيق هرمز، مقابل ميناء الفجيرة الإماراتي.
كما تعرضت مناطق مدنية، في سواحل بندر خمير، وسيريك، وجزيرة قشم، لاعتداءات جوية أمريكية (بالتعاون مع بعض دول المنطقة).
متحدث إيراني، أوضح بأن الرد تم بصواريخ بالستية، وصواريخ كروز المضادة للسفن، وطائرات مسيرة انتحارية، برؤوس حربية شديدة الانفجار، وحذر بأن على الولايات المتحدة (والدول الداعمة لها) أن يعلموا أن إيران سترد بقوة، ودون أدنى تردد، برد ساحق على أي اعتداء.
من جانبها، القيادة المركزية الأمريكية الوسطى، قالت «تصدينا لهجمات إيرانية، ورددنا بضربات دفاعية، بينما كانت مدمراتنا تعبر مضيق هرمز»، وأن الهجوم الإيراني تم بواسطة صواريخ ومسيّرات وزوارق صغيرة، وأكد البيان «لا نسعى إلى التصعيد، إلا أننا نبقى في وضعية استعداد وجاهزية لحماية القوات الأمريكية».
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خرج كعادته للتصريح شرق وغرب، وقال إن «الولايات المتحدة الأمريكية تتفاوض مع إيران.. وأن وقف إطلاق النار مع إيران لا يزال قائماً».
وأضاف ترامب أن «3 مدمرات أمريكية خرجت (وبنجاح كبير) من مضيق هرمز تحت القصف».
ولم ينس ترامب معزوفته عن سحق ومحق ومحو إيران وتدمير جديد لبحريتها وقواتها العسكرية ويدعو قادة إيران لاستثمار الفرصة التي يمنحها لهم لتوقيع اتفاق وقف القتال ليعود ويؤكد بأن القطع البحرية الأمريكية نجحت (بالفرار) من المضيق وأن الهدنة مستمرة والحوار مع إيران مستمر.
في هذه الأخبار، وطريقة عرضها من الجانبين، العديد من الملاحظات المهمة:
- ترامب خرج أكثر من مرة، وهو يقول بأنه دمر القوات البحرية الإيرانية والقوات الإيرانية بنسبة مائة بالمائة، ليعود قبل أيام، ليتحدث بعد الاشتباك الذي جرى مع قطع بحرية إيرانية، ويقول بأنه دمر (ما تبقى) من هذه القوات، لتفاجئنا البحرية الإيرانية، باستهداف أهم المدمرات الأمريكية، وإجبارها على الفرار من المنطقة، وأن ترامب اعتبر هذا الفرار «نجاحا كبيرا» وهذا يؤكد أن معظم تصريحاته غير صحيحة، وغير مسؤولة، وأن القوات البحرية الإيرانية، لا تزال تمتلك من القوة، ما يمكنها من استهداف البوارج الأمريكية، وإيقاع خسائر بها، وهذا سيكون له تداعيات كبيرة، على الرأي العام الأمريكي، وعلى موقف الجنرالات الأمريكيين من الحرب.
- أن يؤكد الرئيس ترامب، بأن الحادثة (رغم خطورتها) لن تؤثر بقرار وقف القتال، ولن توقف التفاوض مع إيران، فهذا يعني أنه لا يوجد مصلحة أمريكية بانهيار الهدنة، لأن هذا الانهيار يعني استئناف القتال وهو ما يؤكد بأن الأمريكيين غير ضامنين لنتائج جولة جديدة من القتال.
- الإشارة الإيرانية إلى أن العدوان الأمريكي تم (بالتعاون مع بعض دول المنطقة) والمقصود الإمارات، له أبعاد خطيرة، خاصة في حال عادت المواجهات.
- فيما وراء الأخبار، إشارة إلى طرف ثالث، ربما هو من قام بقصف المواقع الإيرانية، وهذه إشارة واضحة إلى الكيان الصهيوني، حيث لا يخفي قادته تخوفهم من إبرام اتفاق (أمريكي -إيراني)، يوقف الحرب، بدون أن يتم تحقيق أي من الأهداف التي تم على أساسها العدوان، وفي هذا خسارة استراتيجية، سيكون أثرها وتداعياتها كبيرة على الكيان.
- الحدث ودور الإمارات، تزامن مع زيارة (إشكالية) قام بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الإمارات، وكشف هناك، عن تواجد قوة جوية مصرية، قام بزيارتها علناً، مع رئيس الإمارات محمد بن زايد، وهذا التطور يثير الكثير من التساؤلات حول موقف ودور مصر، لأن الرأي العام المصري يشهد تحولاً غير مسبوق، ضد الأمريكيين و»الإسرائيليين»، ويجهر معظم قادة الرأي والنخب المصرية، بموقفهم المتضامن مع إيران، وهم يدركون بأن انهيار إيران، سيعني انهيار مصر لاحقاً، وأن صمودها يساهم في تحرير مصر من قيود «كامب ديفيد»، وفي إعادة دورها العربي والإفريقي، كما لا يمكن فصل (إشكالية) الزيارة، عن موقف الإمارات المتماهي إلى حد كبير مع الموقفين «الإسرائيلي» والأمريكي، وفي خلافها مع السعودية، وبقية دول الخليج، وهنا يبرز تساؤل عن مضمون الرسالة، التي يريد السيسي إيصالها لكل الأطراف المعنية بالصراع وهذه التساؤلات، ومدى شرعية وقانونية إرسال جنود مصريين إلى الإمارات، يثيرها الرأي العام والنخب المصرية، قبل غيرهم.
بالتأكيد يجب ألا يغيب عن الأنظار بأن ترامب مخادع، وقد يكون كل هذا اللين مجرد صمت حتى يستكمل استعداداته لعدوان جديد.
لكن أيا كانت نوايا الأمريكيين و«الإسرائيليين»، فإن الوقائع الميدانية والجيوسياسية تؤكد بأن استئناف العدوان ليس بالأمر السهل عليهم، خاصة وأن نتائج الجولة الأولى كانت كارثية بتداعياتها الجيوسياسية على الجانبين، مع الإشارة إلى أن الإيرانيين بدورهم ليسوا نائمين ولا غافلين عن هذه النوايا، وهم يستعدون أيضاً.
كما أن نتائج الجولة الأولى، حيث تمكنت إيران من الصمود، وترميم الخسائر البشرية والمادية، وتمكنها من توجيه ضربات موجعة للمواقع والقواعد الأمريكية و»الإسرائيلية»، تشجع داعميها الدوليين، وفي مقدمتهم بكين وموسكو، على تقديم المزيد من الدعم العسكري وللوجستي لطهران، وهو ما يتضح في مواقفهم من النقاشات التي تجري في مجلس الأمن، حول إصدار قرار يتعلق بالموقف من الصراع، ويمنعون إدانة إيران، أو تحميلها مسؤولية القتال.
نحن أمام موقف حساس وصعب ومتغير، وقد يشهد انعطافاً حاداً، سواء نحو الاتفاق على وقف نهائي للقتال، أو تفجر الموقف من جديد، وميزة هذه الحرب، أن تأثيرها وتداعياتها الجيوسياسية، أهم بكثير من نتائجها العسكرية، رغم أنها مبنية على هذه النتائج، والعالم كله يترقب كيف ستنتهي هذه المعركة، لأن الكثير من توازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية، والخرائط الجيوسياسية، سيتم ترسيمها بناء عل هذه النتائج.