بعد طرد الإمارات.. السعودية تعيد رسم خريطة نفوذها في اليمن
- تم النشر بواسطة ترجمة خاصة:أقلام مانع / لا ميديا
مودة إسكندر - موقع «المهد» (The cradle)
ترجمة خاصة:أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
لا تزال حياة اليمنيين في المحافظات التي تسيطر عليها «قوات التحالف» قاتمة، رغم انسحاب الإمارات القسري من جنوب اليمن. لم يتحسن الوضع الأمني، ولا يزال الاقتصاد يعاني من الاختناق، ولم يتم استرداد ثروات البلاد المنهوبة بعد.
التغيير الوحيد هو أن الرياض لم تعد تتقاسم السيطرة مع أبوظبي. الآن، تريد السيطرة الكاملة؛ بذريعة استعادة النظام والقضاء على الفوضى.
وافق مجلس الوزراء السعودي، الثلاثاء 10 شباط/ فبراير الجاري، على مذكرة تعاون جيولوجي مع اليمن.
ورغم صياغة المذكرة بلغة رسمية محايدة، إلا أنها تُشير إلى مرحلة جديدة من السيطرة على الموارد.
فالجيولوجيا هي بوابة النفط والغاز والمعادن النادرة، ومن يرسم الخرائط يتحكم بمستقبل الاقتصاد.
كان التأثير فورياً. ففي الخراخير، على حافة الربع الخالي، اندلعت اشتباكات. وبعدها بوقت قصير، اختفت المنطقة من خرائط جوجل؛ في تمهيد رقمي واضح لضمها.
في الوقت نفسه، عزّزت الرياض وجودها، وفرضت أوامر إدارية وعسكرية في مواقع استراتيجية، مثل مطار الريان، واستقدمت قوات موالية لها، وتوغلت في حضرموت بمعدات ثقيلة، وبدأت التشكيلات المدعومة من السعودية في إزاحة أي وحدة لا تتوافق مع أجندتها.
الاشتباكات الحدودية تكشف عن استراتيجية الرياض
أصبحت منطقة الخراخير الحدودية، والواقعة بين المهرة وحضرموت، أول ساحة اختبار لمرحلة استفراد الرياض بجنوب اليمن. دخلت «قوات درع الوطن»، الموالية للسعودية، أراضي تطالب بها قبائل حضرمية. وقد أعقب ذلك مقاومة.
وبدعم من الرياض، حاولت آل صمودة (أو ابن صمودة، وهي إحدى قبائل محافظة المهرة في اليمن) طرد قبائل المناهيل من مواقع رئيسية، ما أشعل فتيل اشتباكات داخلية بين القبائل. وجاءت هذه التوترات امتداداً لتصعيدات سابقة في كانون الثاني/ يناير، عندما حاولت «قوات درع الوطن» إنشاء مواقع عسكرية جديدة عقب انسحاب وحدات «المجلس الانتقالي الجنوبي» المتحالفة مع الإمارات.
ردت الرياض بحملة علاقات عامة، وعقدت اجتماعات بين عضو في المجلس القيادي الرئاسي ومحافظ حضرموت، إلى جانب شيوخ قبائل المناهيل.
البيان الصادر عن الاجتماع ألقى باللوم على «جهات خارجية» لم يُسمّها، في إشارة واضحة إلى الإمارات. ثمّ اتهمت وسائل إعلام موالية للسعودية «جماعات مسلحة قبلية تابعة للشيخ خالد بن تنف المنهالي، المقرب من رئيس الإمارات محمد بن زايد، بإثارة الفوضى وخلق التوتر في المنطقة الحدودية».
نفت «قوات درع الوطن» أي حشد قبلي، وأكدت أنها تمثل سلطة الدولة، داعية القبائل إلى الامتثال للأوامر، مدعيةً أن «العدو واحد». لكن مرجعية قبائل حضرموت أدانت وجود القوات الخارجية، وأصدرت قبيلة المناهيل إنذاراً نهائياً مدته 48 ساعة تطالب فيه بالانسحاب.
إزالة الخراخير من الخرائط الرقمية
كان التطور الأكثر أهمية هو طلب السعودية من شركة «جوجل» إزالة قرى الخراخير الحدودية اليمنية من الخرائط الرقمية. وتزامن هذا الطلب مع انتشار عسكري جديد، ما اعتبره النشطاء تمهيداً للاستيلاء على الأراضي، وحذّروا من أن هذه الخطوة تهدف إلى محو منطقة استراتيجية غنية بالنفط في وادي حضرموت. وحثّ البعض على اتخاذ إجراءات قانونية أمام محكمة العدل الدولية، متهمين الرياض وحكومتها الوكيلة في اليمن بالتواطؤ لسرقة الأراضي.
لكن الحقائق على أرض الواقع كشفت أسراراً أخرى. فقد انتشرت مقاطع فيديو تُظهر جنوداً من «قوات درع الوطن» ينهبون النفط اليمني من المنطقة، ما أثار غضباً واسعاً، وأجبر الرياض على إصدار أوامر بالانسحاب الفوري. وأسفر عن هذا الحدث فصل 300 جندي واعتقال آخرين ممن كشفوا عمليات النقل من دبابات عملاقة في الصحراء، في محاولة لإعادة تنظيم القوات والسيطرة على الوضع.
من يدّعي ملكية الخراخير؟
تقع منطقة الخراخير عند ملتقى حدود اليمن وعُمان والسعودية، وتبلغ مساحتها حوالى 16,000 كيلومتر مربع في الربع الخالي. وقد سكنتها منذ القدم قبائل المهري والحضرمي، ولكل منها مطالباتها الخاصة.
يستشهد أهل المهرة بخرائط تعود إلى ما قبل العام 1967، ومعاهدات تعود إلى الحقبة البريطانية، ورسائل حكومية من عهد صالح، ووثائق محلية. في المقابل، تشير قبائل آل صمودة الحضرمية إلى روابط تعود إلى ما قبل الإسلام وخرائط بريطانية تدعم ادعاء حضرموت.
من جانبها، تستشهد السعودية بمعاهدة جدة لعام 2000، والتي بموجبها قامت بحلّ محافظة الخراخير في العام 2014 وضمّتها إلى نجران (التي كانت تاريخياً جزءاً من اليمن أيضاً)، ثم أقامت جداراً في عمق الحدود اليمنية.
وفي حديثه مع موقع «ذا كريدل»، قال الناطق الرسمي باسم لجنة الاعتصام السلمي لأبناء المهرة، علي مبارك محمد، إن «المناطق الصحراوية الممتدة من الخراخير والبديع مروراً بخور ضحية وخور بن حمودة وصولاً إلى المثلث اليمني - العماني - السعودي، هي أراضٍ مهرية تاريخياً، موثّقة بالخرائط القديمة قبل العام 1967، وبالاتفاقيات الموقعة باسم سلطنة المهرة».
ويضيف: «ما حدث لاحقاً كان تخفيضات إدارية على مراحل، بدءاً بنقل مناطق مثل ثمود وأرماه، ثم الشريط الصحراوي بأكمله، وفصل المهرة عن حدودها مع السعودية وضمها إلى محافظة حضرموت، تحت مسمى تقسيم إداري، وهو تقسيم غير مقبول وغير عادل».
ويؤكد علي مبارك كذلك أن تحرك «قوات درع الوطن» من المهرة إلى الحدود، واحتلالها مواقع وحدات الطوارئ التابعة للقيادة السعودية، أثار معارضة محلية. وقد رفضت بعض الفصائل القبلية وسلطات حضرموت هذا الانتشار، ما أدى إلى مواجهات.
ويعزو الاضطرابات إلى تراكم الإخفاقات السياسية والإدارية، محذراً من محاولات إعادة صياغة الأزمة على أنها صراع قبلي أو إقليمي. ويرى أن هذه الروايات تخدم مصالح خارجية وتهدد التماسك الاجتماعي لمجتمعي المهري والحضرمي.
منطقة عسكرية مبنية على التهجير القسري
بعد اندلاع الحرب على اليمن في العام 2015، حوّلت الرياض محافظة الخراخير إلى منطقة عسكرية. ونُقلت علامات الحدود مسافة 60 كيلومتراً داخل الأراضي اليمنية. وبحلول العام 2019، بلغ عدد سكان المحافظة حوالى 12 ألف نسمة، قبل أن تُهجر المحافظة بالكامل وتُهدم مبانيها وتُحوّل إلى مركز لوجستي لمشاريع النفط.
لا يزال سكان المهرة محرومين من حقوقهم المدنية. فالكثيرون منهم محرومون من حقوقهم الأساسية، ويعيش الكثيرون على بطاقات هوية مؤقتة، بينما لم يحصل البعض على الجنسية رغم حصولهم على تعويضات سابقة. وفي العام 2020، رفعت القبائل دعاوى قضائية لاستعادة حقوقها في الخراخير، مهددة بالعودة إلى أراضيها إذا لم تُلبَّ مطالبها.
يقول ناشط محلي لموقع «ذا كريدل» إن الاشتباكات الأخيرة جزء من نمط أطول. ويضيف أن الرياض تدعم قوات آل صمودة ضد المناهيل، بهدف تفتيت المجتمعات وتغطية استيلائها على النفط بالصراعات القبلية.
ويقول: «الرياض غير راضية بما استولت عليه سابقاً في الخراخير والوديعة وشرورة وعروق الشيبة، بل تتوسع الآن نحو حضرموت وشبوة والمهرة، مستخدمة شعارات سياسية مضللة، مثل نتائج مؤتمر الحوار والحكم الذاتي لإعادة رسم الجغرافيا الجنوبية بطريقة تخدم طموحاتها التوسعية وتجهض حق الجنوبيين في دولتهم المستقلة».
ويضيف أن الخرائط البريطانية تؤكد أن الخراخير والأراضي المجاورة لها تنتمي إلى سلطنة الكثيري وحضرموت، وهو ما يصوّر مشروع الرياض على أنه توسع استعماري طويل الأمد.
خطة خط الأنابيب
منذ تسعينيات القرن الماضي، سعت السعودية إلى مدّ خط أنابيب نفط عبر شرق اليمن إلى بحر العرب. باءت المحاولات الأولية بالفشل. إلا أن حرب العام 2015 أعادت إحياء الفكرة، لاسيما مع تزايد المخاطر التي تهدد مضيق هرمز.
في أواخر العام 2017، وسعت القوات السعودية أعمال البناء ووضعت العلامات بالقرب من طوف شهر، كجزء من حملة أوسع نطاقاً في المهرة تضمنت نشر قوات حول مطار الغيدة، ما دفع قبائل المهرة إلى اقتلاع العلامات وتأكيد معارضتها المحلية للمشاريع الأجنبية.
تمتد الخطة الجديدة من الخراخير إلى ميناء نشطون، وتعكس سعي الرياض للتنافس مع النفوذ الإماراتي، والاستفادة من التكلفة المنخفضة لخط أنابيب مباشر يربط حقول النفط في شرق المملكة ببحر العرب.
تشير التقارير الجيولوجية إلى وجود احتياطيات نفطية هائلة تمتد من الخراخير إلى ثمود. بدأ الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح عمليات التنقيب عام 2000؛ لكن الرياض أوقفت العمل بعرضها تمويل الجيش اليمني. ثم بدأت بتقديم تعويضات ومنح الجنسية للمقيمين الذين تم إجلاؤهم.
يقول رئيس المجلس الوطني للإنقاذ الجنوبي، عدنان باوزير، لموقع «ذا كريدل»، إن السعودية بدأت مسيرتها التدريجية والصامتة قبل حوالى 40 عاماً، قبل اتفاقية ترسيم الحدود في نهاية عهد صالح، وما زالت تنهش المزيد من الأراضي ضمن الامتداد نفسه، مستفيدة من وضع جنوب اليمن كمنطقة مسموح بها.
من جيزان ونجران وعسير، مروراً بالوديعة وشرورة، وصولاً إلى الربع الخالي الغني بالنفط، توسعت السعودية بشكل مطرد، إذ قامت ببناء المطارات ونشر البنية التحتية العسكرية وإنشاء مراكز الاستكشاف.
الآن، مع امتداد مشروع خط الأنابيب من الخراخير إلى بحر العرب، تضع الرياض الأساس لممر طاقة واسع يمر عبر أكثر من ثلثي الأراضي الشرقية لليمن.
هذا المسار يمنح الرياض نفوذاً غير مسبوق على الأراضي الغنية بالمعادن ونقاط الاختناق الاستراتيجية، وهي أدوات لإعادة رسم خريطة القوة والنفوذ في المنطقة.










المصدر ترجمة خاصة:أقلام مانع / لا ميديا