حـرق القمامة بدل رفعها.. تلوث يومي يختنق به سكان الحارات في أمانة العاصمة
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
عادل بشر / لا ميديا -
مع ساعات الصباح الأولى، لا يفتح بعض سكان الحارات في أمانة العاصمة نوافذ منازلهم لاستقبال الهواء، بل يغلقونها هربًا منه. دخان أسود كثيف، ورائحة بلاستيك محترق، وسحب رمادية تتسلل إلى الغرف، في مشهد يتكرر يوميًا حتى بات جزءًا من تفاصيل الحياة القاسية في أحياء يفترض أنها مخدومة رسميًا ضمن مشروع النظافة.
مصدر هذا التلوث ليس منشآت صناعية، أو حريقًا طارئًا، وإنما أكوام قمامة يُفترض أن تُرفع ضمن برنامج النظافة اليومي، قبل أن تتحول إلى نيران مشتعلة وسط الأحياء السكنية.
صحيفة (لا) تلقت شكاوى من مواطنين في عدد من الحارات، لا سيما حارات المُخبّأ وحُمالة والسلام في حي شملان، أفادوا فيها أن سيارات النظافة التابعة لمشروع النظافة تصل إلى الأحياء بشكل شبه منتظم. غير أن وصولها لا يعني بالضرورة رفع المخلفات بالكامل. إذ يقتصر عمل الطواقم، في كثير من الأحيان، على رفع جزء من المخلفات، بينما تُترك كميات كبيرة في أماكنها، ليجري لاحقًا إشعال النار فيها بدل نقلها إلى مواقع الطمر المخصصة.
الصور تختصر المشهد
الصحيفة نزلت إلى حارة المُخبّأ بشملان، ووثقت بالصور الفوتوغرافية عمال النظافة وهم يقومون بإشعال النار في أكوام القمامة بينما السيارة المخصصة لنقلها إلى (المقلب) تقف فارغة.
وتُظهر الصور أكواما من النفايات المشتعلة على مقربة أمتار من منازل المواطنين، تتصاعد منها أدخنة سوداء وروائح خانقة، ناتجة عن احتراق مواد بلاستيكية وبقايا نفايات منزلية مختلطة. وتؤكد شهادات الأهالي أن هذه النيران تستمر في الاشتعال لساعات طويلة، وأحيانًا ليوم كامل، ما يجعل الحي بأكمله يعيش في حالة اختناق دائم.
ابتزاز أم دعم إجباري؟
لا يقف الأمر عند حدود الإهمال الخدمي، بل يتعداه إلى ما يصفه السكان بـ«الابتزاز غير المباشر».
بحسب عدد من الأهالي فإن البعض من عمال النظافة يقومون، بين فترة وأخرى فور وصولهم إلى الحي لرفع القمامة، بطرق أبواب المنازل المجاورة لمواقع القمامة، مطالبين الأهالي بدعمهم بمبالغ مالية.
ويؤكد المواطنون أن هذه المطالب أصبحت شبه روتينية، بالرغم من أن الكثير من الأهالي لا يتجاوبون مع مطالب عمال النظافة.
يقول أحد السكان: «نحن لا نرفض دعم عمال النظافة من باب التكافل، لكن ما يحدث ليس دعمًا طوعيًا، وإنما تشعر بأنه شرط مفروض لأداء واجب يفترض أنه مدفوع الأجر أصلًا».
ويشير الأهالي إلى أن عمال النظافة يتبعون مشروع النظافة الرسمي التابع لأمانة العاصمة، وهو مشروع له موازنة وإيرادات مالية معروفة، وهي إيرادات كبيرة تفوق احتياجات المشروع من المرتبات والنفقات التشغيلية.
الحرق كوسيلة ضغط
ويرى الأهالي أن لجوء بعض الطواقم إلى حرق القمامة ليس تصرفًا عشوائيًا أو ناتجًا عن الجهل بخطورته، بل وسيلة ضغط واضحة تهدف إلى دفع الأهالي للرضوخ ودفع الأموال. فمشهد الدخان الخانق والروائح الكريهة كفيل بإجبار أي أسرة على البحث عن حل سريع، حتى لو كان ذلك عبر الدفع لعمال النظافة.
ولا يقتصر الأمر على إحراق النفايات في مواقعها داخل الأحياء السكنية من قبل بعض طواقم سيارات نقل القمامة، وإنما يمتد ليشمل عمال النظافة المختصين بـ«كنس الشوارع»، حيث لوحظ قيام البعض بتجميع المخلفات في زوايا الشوارع أو تحت الأشجار في الجزر الوسطية وإشعال النيران فيها، وكأن هذا التصرف إجراء عادي، أو أنه يتم بتوجيه من قبل مشروع النظافة، لأن تكراره بشكل يومي، يشي بأن قيادة المشروع راضية عنه.
خطر صحي وبيئي مضاعف
من الناحية الصحية والبيئية، يحذر مختصون من أن حرق القمامة داخل الأحياء السكنية يعد من أخطر أشكال التلوث. فاحتراق المواد البلاستيكية والمخلفات المختلطة يؤدي إلى انبعاث غازات ومواد سامة تؤثر بشكل مباشر صحة الإنسان وقد تصل إلى الإصابة بأمراض خطيرة ومزمنة مثل السرطانات وغيرها.
وبحسب المختصين يؤدي حرق النفايات إلى انتشار الملوثات في الهواء التي تعرض صحة البشر إلى الخطر ولو كانت كميات المواد الخطرة صغيرة. فقد يؤدي التعرض لتركيزات من الملوثات المنبعثة في الهواء خلال حرق النفايات على المدى القصير إلى حرقة في العين والأنف والحنجرة والصعوبة في التنفس وقد يثير الصداع وينتهي بالقيء.
وعلى المدى الطويل يتسبب حرق النفايات في التأثير على الجهاز التنفسي وزيادة حالات الربو والحساسية والتهاب الشعب الهوائية الحاد والمزمن، والإضرار بالجهاز المناعي والهرموني والجسيمات التي تضر بجهاز القلب وتتسبب في أمراض مزمنة وخطيرة.
كما أن تسرب هذه الأدخنة إلى داخل المنازل، في أحياء غالبًا ما تكون مكتظة ومحدودة التهوية، حيث تبقى الأدخنة والغازات عالقة في الهواء لفترات طويلة، يعرض الأطفال وكبار السن والمرضى لمخاطر صحية مضاعفة. ولا يقتصر الضرر على الهواء فقط، بل يمتد إلى التربة والمياه الجوفية، نتيجة ترسب بقايا الاحتراق السامة.
غياب الرقابة وحضور الإهمال
يحمل سكان الحارات أمانة العاصمة المسؤولية الكاملة عما يحدث، سواء من حيث ضعف الرقابة على أداء عمال النظافة، أو غياب آلية واضحة وفعالة للتعامل مع شكاوى المواطنين. ويؤكد الأهالي أنهم تقدموا بشكاوى عدة، دون أن يلمسوا أي استجابة جدية أو إجراءات رادعة من قبل أمانة العاصمة.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الممارسات يعكس خللًا إداريًا عميقًا، سواء في إدارة مشروع النظافة أو في منظومة المساءلة، ما يفتح الباب أمام تجاوزات تضر بصحة المواطنين وكرامتهم، وتفرغ الخدمة العامة من مضمونها.
وفي ظل هذا العبث، يطالب المواطنون مشروع النظافة وأمانة العاصمة، بالوقف الفوري لحرق القمامة داخل الأحياء السكنية وفي الجزر الوسطية بالشوارع العامة، وتجريم هذه الممارسة بشكل واضح، ومحاسبة الطواقم التي تبتز السكان ماليًا أو تمتنع عن أداء مهامها الوظيفية. ووضع رقم أو قناة رسمية وفعالة لتلقي شكاوى المواطنين ومتابعتها ميدانيًا. وتعزيز الرقابة البيئية والصحية على أعمال مشروع النظافة، وضمان التزامه بالمعايير المعتمدة.
سؤال في الهواء الملوث
يبقى السؤال معلقًا في هواء العاصمة الملوث: إلى متى سيظل المواطن في أمانة العاصمة يدفع ثمن الفساد والإهمال الإداري وتراجع الخدمات الأساسية؟ وإلى متى سيُترك ليختنق يوميًا بدخان قمامته، بدل أن تُرفع عن بابه كما يفترض في أبسط حقوقه الحياتية؟










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا