ليس غريباً أن تُخطّ حروف التوراة في قلب الرياض، فالمملكة التي تفتح أبوابها للصهاينة في زمن المجازر، إنما تؤكد أن التطبيع معهم لم يعد احتمالاً، بل واقعاً يتسلل عبر الطقوس والرموز، على حساب دماء غزة وكرامة الأمة.
فبينما تتناثر أشلاء الأطفال في غزة تحت قصف ومجازر قوات العدو الصهيوني، تقيم الرياض مراسم كتابة لفائف توراة بحضور يهود أمريكيين يعملون في المملكة بشكل مؤقت، سواء في المجال التجاري أو ضمن الجيش الأمريكي.
تنظيم هذا الحدث اللا ديني يعكس انفتاحاً متسارعاً من قبل بني سعود على الرموز التلمودية، في وقت تتواصل فيه جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، وفي وقت يُحظر فيه أي تعبير شعبي في المملكة عن التضامن مع المقاومة الفلسطينية.
صحيح أن المشهد جرى في إطار محدود؛ لكنه محمّل بالدلالات، فهو يندرج ضمن سياسة الانفتاح السعودي على الصهاينة، إذ يتم تقديم إشارات رمزية ودينية على حساب قضايا الأمة المركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. كما أن إقامة مثل هذه المراسم في بلد طالما قدّم نفسه كحاضن لقضايا الأمة، يكشف أن ما يجري ليس استثناءً، بل جزء من سياسة منهجية تتدرج في خطوات التطبيع، حتى وإن جرى ذلك تحت غطاء "الانفتاح على الأجانب"، الذي يروّج له ابن سلمان.
إن إقامة هذه الطقوس في قلب الرياض لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الإقليمي؛ فهي امتداد لـ"اتفاقيات ابراهام"، التي شرعت أبواب التطبيع في المنطقة، وتكشف أن السعودية تسير بخطى متسارعة نحو إدماج الرموز التلمودية في فضائها العام، في حين تجرم المقاومة الفلسطينية، وتزهو باعتقال مجاهدين ومقاومين في سجونها.
كما أن تداول صور وأخبار هذه المراسم عبر وسائل الإعلام العالمية يهدف إلى إيصال رسالة بأن التطبيع لم يعد مجرد لقاءات سياسية أو اقتصادية، بل يتغلغل في البنية الثقافية والدينية، وهو ما يثير غضباً واسعاً في الشارع العربي والإسلامي، الذي يرى في هذه الخطوات انقلاباً على الدور التاريخي للسعودية كحاضنة للحرمين الشريفين وراعية لقضايا الأمة.
على أن الأمر لا يعود مستغرباً إذا ما تم الرجوع إلى الوثائق التاريخية التي تؤكد الأصول اليهودية لبني سعود، بحيث لا يستطيع صهيوني معتق كمناحيم بيجن إلا أن يقر لهم بتلك المزية قائلاً: "إننا مع آل سعود إخوة في الدم والمصير المشترك".