«الجولانيون» يتنمرون .. على أهل دمشق والدمشقيون غاضبون
- تم النشر بواسطة خاص / لا ميديا
دمشق - خاص / لا ميديا -
تعرض أهل دمشق لحملة من السخرية والتنمر، من قبل إعلاميين ومؤثرين، محسوبين على "السلطة الانتقالية" بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) في حملة منظمة، يبدو أن جهة ما تقف وراءها.
طالت الحملة اتهامات للدمشقيين، بأنهم لم ينصروا "الثورة"، وبأنهم كانوا موالين لنظام الرئيس بشار الأسد، ومن أكثر الممولين له، كما طالت الحملة، السخرية من اللهجة والمفردات الشامية، مع أنها تشكل روح اللهجة العربية، في عموم بلاد الشام، وهي من أجمل اللهجات العربية، وأكثرها سلاسة وأناقة وانتشاراً، خاصة بعد انتشار الدراما السورية، باللهجة الشامية، والتي لاقت قبولاً في كل البلدان العربية، وأصبحت كل المسلسلات الأجنبية التي تتم دبلجتها إلى العربية، وفي مقدمتها المسلسلات التركية، تتم باللهجة الشامية.
الحملة لقيت استنكاراً واسعاً، من المجتمع والنخب الدمشقية، ورأت فيها استهدافا لدمشق التاريخ، والحضارة والدور، والاعتدال الذي عرفت به عبر تاريخها الطويل، ولم تكن خلاله مجرد مدينة عابرة، وإنما مدينة علمت العالم التجارة والصناعة والبناء.
استحضرت الردود، بأن أول مظاهرة طالبت بالحرية، في عهد نظام الرئيس بشار الأسد، انطلقت من حي الحريقة، الذي يشكل روح دمشق وقلبها التجاري والحرفي، في 25 شباط/ فبراير 2011، أي قبل أسبوعين من انطلاقتها في درعا، والتي اعتبرت بداية "الثورة" السورية، ويومها تم رفع شعار "الشعب السوري ما بينذل" واستدعت حضور وزير الداخلية في حينه، لمعالجة الموضوع.
كما رفضت أصوات دمشقية، اختصار تاريخ دمشق، بالدولة الأموية، رغم أنها كانت عاصمتها، وأوضحت بأن الدولة الأموية دامت تسعين عاما فقط، بينما دمشق هي أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، وعمرها أكثر من أحد عشر ألف عام، ومرت عليها كافة الأديان السماوية والوثنية، ومنها انطلقت الديانة المسيحية والإسلام إلى العالم، وبالتالي لا يمكن اختصارها بالتاريخ الأموي، وذهب أصحاب رأي آخرون أبعد من ذلك، وأكدوا بأن الدمشقيين لا يفتخرون بالنسب الأموي، معددين مثالب الأمويين وتاريخهم الدموي، والبعيد عن الإسلام.
وفي مقالات وآراء موضوعية، حملت في طياتها مقارنة بين ما تتعرض له دمشق اليوم، وعهد مؤسس الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان، ورأت بأن معاوية بما امتلك من الحنكة والدهاء السياسي، عرف كيف يتعامل مع دمشق، فلم يحكم أهل الشام بوصفه واليا عليهم، بل شريكا معهم، وعرف كيف يقربهم من السلطة، دون أن يغرقهم فيها، وتحالفه معهم، كان مشروطا دائما بمعادلتهم البسيطة والعميقة "لكم السياسة، ولنا السوق" وبذلك لم يكتف بعدم الاقتراب من سوق دمشق، بل فتح لأهلها أسواقا جديدة، فأغرقوها بتجارتهم، ومنحوه بالمقابل دولة قوية.
وأكدت آراء أخرى، بأن سورية لا يمكن أن تحكم خارج المعادلة الدمشقية، ومن دون فهم أهل الشام، ورأت بأن الطعن بالدمشقيين، أو التشكيك بمواقفهم، ليس سوى جهل بطبيعة مدينة، صنعت الاستقرار حين أرادت، وأسقطت الشرعية حين انسحبت.
كما لم يخف الدمشقيون انزعاجهم من المشاهد التي يقوم بها عناصر السلطة في الشوارع والساحات العامة، من حفلات رقص ودبكة، وتجمعات وبطرق وممارسات غريبة عن العادات العريقة لأهل دمشق، حتى إن كل المظاهرات والتجمعات، التي حدثت تأييداً للسلطة، كانت تخلو تقريباً من الدمشقيين.
حملة الدفاع عن دمشق، لم تتوقف على النخب الدمشقية، وإنما امتدت إلى أصوات من كل أنحاء سورية، وقال أحد الكتاب "دمشق علّمتنا الأناقة، والرتابة، والريحة الطيبة، وعلمتنا كيف نعشق ونحب حاراتها العجيبة.. دمشق بجوامعها وكنائسها ومقاهيها، خلتنا نكتب شعر وأدب، ونقرأ من الكتب على أرصفتها العتيقة.. دمشق المدينة الوحيدة بالعالم، يلي وأنت ماشي فيها قلبك بكون فرحان.. دمشق بتخليك تفتخر إنك من الشام، بأي بلد بالعالم، في بصمة دمشقية، من حريرها وخزفها وعطرها وحلوياتها".
حقيقة القصة ليست مجرد كلمات تنمر فيها بعض "الجولانيين" على أهل دمشق، وإنما كما يقول المثل الشامي (ليس رمانه... وإنما قلوب مليانه) فهذا التنافر بين الجانبين، بدأ منذ الأيام الأولى لسيطرة "هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة -القاعدة)" بخلفيتها الدينية الوهابية المتطرفة، على الحكم في دمشق، وظهور تناقضها العقائدي، مع أهل دمشق، ومعظم المسلمين السنة في سورية، والذين ينتمون لأفكار ومذاهب صوفية، وأشعرية، وماتريدية، وكلها معروفة باعتدالها، وتقبل العيش مع بقية المكونات العقائدية الأخرى، وهذا بعكس الانتماء الوهابي، الذي يكفر كل ما هو من غير عقيدتهم، وقيامهم بالسيطرة على المساجد الدمشقية، وتعيين أئمة منهم، والتنمر على رموز دينية دمشقية، مثل المرحوم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، ومفتي سورية السابق، الشيخ أحمد كفتارو وآخرين، وهو ما لامس روح الدمشقيين، وأثار مواقف غاضبة، وتحذيرات من استهداف الروح الدمشقية.
كما أن هذه الحملة، التي تستهدف الدمشقيين، جاءت وسط حالة من الغضب على الأسعار العالية جداً للكهرباء، والتي بلغت حوالي مائة ضعف، عن سعرها السابق، وبلغت بعض الفواتير أكثر من الراتب الشهري للموظفين، وامتناع المواطنين عن دفع الفواتير، وقبله سعر الخبز، الذي ارتفع أكثر من عشرة أضعاف عن سعره السابق، والغلاء الذي تشهده أسعار معظم المواد التموينية والغذائية فيما تبخرت وعود رفع الرواتب لأربعة أضعاف، كما كانت الوعود في الأيام الأولى لسقوط نظام الرئيس بشار الأسد.
ما حدث لم يكن مجرد احتجاج على عبارات قيلت بحق الدمشقيين، وإنما مؤشر على الطريقة التي ينظر فيها إلى كافة المكونات السورية، في مجتمع عرف عنه بأنه تعددي ومتنوع، اجتماعياً ودينياً وثقافياً وسياسياً ولغوياً، وكان هذا التنوع، مصدر غنى للمجتمع السوري ككل، وبالتالي لا يمكن أن تحكم سورية بدون احترام لهذا التنوع، وملاحظته في الدستور والقانون، وهو ما تطالب به النخب السورية، خاصة وأن عدم احترام هذا التنوع، أدى إلى حالات مأساوية، كما حدث خلال المجازر التي وقعت في منطقة الساحل، وفي السويداء في جنوب سورية، وفي تفجير الكنيسة في دمشق، وما يحدث حاليا مع الأكراد السوريين.
كما تؤكد هذه الأحداث، أن سورية لا يمكن أن تحكم وفق منطق الأقليات والأكثرية، تحت أي عنوان أو تصنيف، وإنما وفق معادلة دستورية وقانونية، تجعل المواطنة والهوية السورية، والمساواة في الحقوق والوجبات، هي الأساس، خاصة وأن التعليقات، التي صدرت على حملة التنمر على الدمشقيين، جعلت دمشق وأهلها، تنضم إلى حلف الأقليات، بدل أن تكون في قلب السلطة.










المصدر خاص / لا ميديا