أمريكا تنهي «قسد» واللعبة تتمدد إقليمياً
- تم النشر بواسطة خاص / لا ميديا
دمشق - خاص / لا ميديا -
شهد الوضع في سورية تطوراً دراماتيكياً، مع دخول سلطة الجولاني وتنظيم سورية الديمقراطية «قسد» ذات الأغلبية الكردية، في صدام عسكري، برز فيه تخلٍّ أمريكي مفاجئ عن «قسد».
لا يمكن فصل ما يجري في سورية عن الأحداث في المنطقة والعالم، من غزة إلى إيران، العراق، تركيا، أوكرانيا، فنزويلا، وغرينلاند، والعين الأمريكية على الصين، وهو يؤكد أنه يتم رسم حدود القوة والنفوذ لكل الأطراف الداخلية والخارجية المؤثرة في الملف السوري، والطريقة التي يتم فيها توليد الدولة السورية الجديدة، وشكلها وهويتها، وهل ستكون فيدرالية أو لامركزية موسعة.
اللافت أن هذه المواجهة الشرسة جاءت في لحظة كان يتوقع فيها أن الأمور تسير بين سلطة الجولاني و»قسد» نحو التوافق على تنفيذ اتفاق العاشر من آذار من العام الماضي، وكانت اجتماعات تعقد بين الجانبين برعاية أمريكية لهذه الغاية؛ لكن وزير خارجية سلطة الجولاني، أسعد الشيباني، تدخل بشكل مفاجئ، وأوقف هذه الاجتماعات، واندلعت بعدها الاشتباكات بين الجانبين في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، اللذين تقطنهما أغلبية كردية، وتمكنت القوات الموالية للسلطة من السيطرة على الحيين، بعد ضغوط أمريكية وتركية على «قسد».
لكن المفاجئ أن الاشتباكات تمددت إلى المناطق التي سيطرت عليها «قسد» غرب نهر الفرات، بعد سقوط نظام الأسد، في ريف حلب الشمالي، والتي انسحبت منها «قسد» أيضاً، وبنفس طريقة الانسحاب من مدينة حلب. لكن المفاجأة الأكبر أن المواجهات تمددت إلى مناطق الإدارة الذاتية، التي تسيطر عليها «قسد» بمساعدة الأمريكيين منذ تشكيلها عام 2015، والتي تقع شرق نهر الفرات، وتشكل حوالى ثلث مساحة سورية، وفيها معظم ثرواتها الاستراتيجية، من النفط والغاز والقمح والقطن، والتي كان يعتقد أنها خط أحمر أمام السلطة بدون اتفاق بين الجانبين، وهو ما كان في اتفاق آذار. لكن حدث ما لم يكن متوقع، وهو أن أمريكا انحازت في هذه المواجهة إلى جانب السلطة، وتخلت عن «قسد» بطريقة فاجأت الجميع، ما اضطره إلى الانسحاب من مدينتي دير الزور والرقة، التي كانت تشكل «عاصمة داعش»، قبل تحريرها من قبل «قسد» بمساعدة الأمريكيين، باتجاه محافظة الحسكة، التي تعتبر معقل «قسد» وتتوقف المعارك هناك، بانتظار تحديد الخطوة التالية، والتي يتم التفاوض حولها، بعد إعطاء «قسد» مهلة خمسة أيام بطلب أمريكي؛ ولكن ليس لتطبيق اتفاق آذار هذه المرة، وإنما للرضوخ لشروط سلطة الجولاني لوقف القتال، والتي تعني عملياً إنهاء شبه كامل لتنظيم «قسد».
هذه التطورات المتسارعة والمفاجئة أثارت تساؤلات حول خلفياتها وأسبابها، وكان الجواب الوحيد هو لقاء باريس، بين وفد سلطة الجولاني، برئاسة وزير خارجيتها أسعد الشيباني، والكيان «الإسرائيلي»، وبرعاية أمريكية، والحديث الذي تم عن توافقات أمنية وسياسية بين الجانبين.
وفي الحديث عن هذه التطورات المتسارعة، برز تفصيلان مهمان يتجاوزان الساحة السورية، لعبا الدور الأساسي في ما جرى:
الأول: أن الولايات المتحدة كانت تريد من «قسد» مهمات تتخطى حدود سورية، وتحديداً في المواجهة المتوقعة مع الحشد الشعبي العراقي، وحزب الله اللبناني، بهدف تقليص نفوذ إيران، استعداداً لمواجهة مقبلة معها، ورفض «قسد» لهذه المهمة، فيما أبدت سلطة الجولاني في دمشق استعدادها لتنفيذ كل ما يُطلب منها، مقابل تثبيت سلطتها وأخذ اعتراف دولي، وفي مقدمته الأمريكي، وهو ما ظهر في التوافقات التي تم الحديث عنها في لقاء باريس، والتأكيد الأمريكي أن السلطة أصبحت عضواً فاعلاً في «التحالف الدولي لمحاربة داعش»، وهي المهمة التي كان يقوم بها «قسد»، وقد عبّر المبعوث الأمريكي إلى سورية، توم براك، عن هذا الموقف بوضوح، حين صرّح بأن الدور الأساسي لقوات سورية الديمقراطية (قسد) قد انتهى، مؤكداً أن دمشق باتت قادرة على تولي مهمة «مكافحة الإرهاب» بنفسها، بعد انضمامها رسمياً إلى «التحالف الدولي».
والتفصيل الثاني هو ما جرى ويجري في غزة، والذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً مع الوضع في سورية، وفي مسارين: الأول: وقف القتال في غزة، والأطراف التي لعبت دوراً في التوصل إليه، وفي مقدمتها تركيا، والنتيجة التي انتهت إليها في تفكيك حماس ونزع كل عوامل قوتها، بدون القضاء عليها بشكل كامل، وهو ما أدى إلى تغليب منطق التعامل الأمريكي مع الدول على التنظيمات، مهما كان قربها أو بعدها من أمريكا، وهو ما يجري اليوم مع «قسد»، وأدى إلى مكافأة تركيا في تحجيم دور «قسد».
والثاني: المشروع الأمريكي لمستقبل غزة، من خلال تحويلها إلى منطقة تنمية واستثمارات عالمية، على طريقة دبي، والأهمية الكبيرة التي توليها أمريكا لهذا المشروع، ويؤكد ذلك «مجلس السلام العالمي» الذي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشكيله لإدارة قطاع غزة وجلب الاستثمارات العالمية إليه، وهو برئاسة ترامب نفسه، ومعه زير الخارجية ماركو روبيو، وصهره غاريد كوشنير، ومبعوثه إلى المنطقة ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. والمنطق البديهي يقول بأن من المستحيل إقامة مشروع تنمية واستثمارات على هذا المستوى في غزة، بينما تبقى سورية منقطة اشتباكات وغير مستقرة.
ما جرى مع «قسد»، وتعزيز «دور الدولة» في المنطقة الشمالية الشرقية، سنراه بالتأكيد في المرحلة اللاحقة مع السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، والخارجة تقريباً عن سيطرة الدولة، وفي التعامل مع حركة حكمت الهجري، بنفس طريقة التعامل مع «قسد».
كما سينسحب الأمر على منطقة الساحل السوري (والمكون العلوي)؛ لكن بحسابات أخرى مختلفة بعض الشيء عن «قسد» والسويداء، لأسباب عديدة، في مقدمتها أن هذه المنطقة لم تخرج عن نطاق الدولة، وليس فيها تيارات انفصالية، والمزاج العام لا يطلب الانفصال عن الدولة السورية، أو معاداة السلطة، وإنما هناك مطالب ملحة ومحقة وجدت في المرسوم الرئاسي حول المكون الكردي خطوة يمكن تعميمها على الساحل.
الأوضاع تبدو اليوم هادئة، بانتظار ما سيسفر عن المفاوضات لترتيب الأوضاع بين السلطة و»قسد»، وبرعاية أمريكية. لكن ما جرى فتح الملف الكردي على مصراعيه، ليس فقط في سورية، وإنما في عموم المنطقة، كما سيترك أثره الكبير على المواجهة (الأمريكية - «الإسرائيلية») مع إيران، وصراع النفوذ في سورية بين الكيان «الإسرائيلي» وتركيا، وهو ما سيظهر خلال الأيام القليلة المقبلة.










المصدر خاص / لا ميديا