تقرير / لا ميديا -
لفَظَ الرضيع يوسف عمر أبو حمالة، البالغ ستة أشهر، أنفاسه الأخيرة، جراء البرد، في منطقة المواصي جنوبي قطاع غزة، أمس، لا بسبب كارثة طبيعية، بل نتيجة الحصار الصهيوني الذي حوّل الشتاء إلى أداة قتل بطيئة، والحصار إلى سلاح إبادة صامت.
وواصلت قوات العدو الصهيوني، أمس، قصفها المدفعي على مناطق مختلفة في قطاع غزة، في خرق سافر لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي يفترض أنه دخل حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. المدفعية استهدفت شرقي مدينة غزة وشمال رفح، فيما أطلقت الآليات نيرانها شرق خان يونس، في مناطق تقع أصلاً تحت سيطرة الاحتلال؛ أي أنّ رسالة العدو الصهيوني واضحة: لا وقف نار حقيقياً، ولا احترام لأي تعهّد، بل إدارة صراع عبر النار والبرد والتجويع.
الأرقام تواصل كشف المأساة بلا مواربة. فمنذ إعلان سريان الاتفاق، قتلت "إسرائيل" 477 فلسطينياً وأصابت 1301 آخرين ضمن خروقات موثّقة. أما حصيلة الإبادة التي امتدّت لعامين فتتجاوز 71 ألف شهيد وأكثر من 171 ألف جريح، مع تدمير 90% من البنى التحتية المدنية. كل ذلك نتائج سياسة عسكرية صهيونية شديدة العدوانية ترى في المدنيين هدفاً مشروعاً، وفي الحياة الفلسطينية عبئاً يجب التخلص منه.
في سياق متصل، هاجمت منظمة العفو الدولية تأسيس ما يُسمّى "مجلس السلام" برئاسة دونالد ترامب، واعتبرته تقويضاً لمنظومة القانون الدولي وتجاهلاً لآليات الأمم المتحدة. السلام، وفق هذه الصيغة، ليس أكثر من لافتة تُعلّق على استمرار القصف والحصار، وإعادة تدوير "الإفلات من العقاب".
استشهاد مزارع في نابلس
في الضفة الغربية المحتلة، تواصل ماكينة القتل الصهيونية جرائمها بدم بارد. فقد استُشهد المزارع جبريل أحمد جبر قط (59 عاماً) برصاص قوات الاحتلال في بلدة مادما جنوب نابلس، أثناء عمله في أرضه، ثم جرى احتجاز جثمانه، في ممارسة إجرامية تُجسّد احتقار العدو الصهيوني حتى لحرمة الموت. لم تكتفِ قوات الاحتلال بإطلاق النار، بل منعت طواقم الإسعاف من الوصول إليه.
في موازاة ذلك، نفذت قوات الاحتلال اقتحامات مستخدمة الغاز المسيل للدموع في بيت فجار. كما شن الغاصبون المستوطنون هجمات بحماية قوات الاحتلال في قصرة، واقتحام مخيم الفارعة. سلسلة اعتداءات تؤكد أنّ الضفة باتت ساحة مفتوحة لجرائم قوات الاحتلال وعصابات الغاصبين.
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) وثّق خلال أسبوعين فقط نزوح نحو 100 أسرة فلسطينية بسبب هجمات الغاصبين، معظمها من تجمع رأس عين العوجا في أريحا.
الترهيب الليلي، الاعتداءات الجسدية، تخريب مصادر الطاقة والمياه، وحرث الأراضي الخاصة، كلها وسائل تهجير قسري تُنفّذ على مرأى من العالم. ويؤكد المكتب أنّ أكثر من 72 ألف أسرة زراعية تحتاج مساعدة عاجلة، في ظل خنق منهجي لسبل العيش.
الأخطر أنّ العدو الصهيوني وسع اعتداءاته من البشر إلى المؤسسات الدولية ذاتها. فهدم مقر وكالة الأونروا في القدس، ورفع العلم الصهيوني فوقه، وهو ما وصفته المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز بأنه هجوم ممنهج على منظومة الأمم المتحدة، وسحق جهود إنقاذ حياة الفلسطينيين، وانتهاك جسيم لامتيازات وحصانات المنظمة الدولية. التحريض الذي رافق الهدم ليس خطاب كراهية عابراً، بل جزء من سياق أوسع يشي بتطبيع فعل الإبادة لغوياً وسياسياً.
لقاء سعودي - "إسرائيلي" في دافوس
وفي الوقت الذي يُدفن فيه الأطفال الذين قضوا برداً في غزة، ويُقتل المزارعون في الضفة، وتُهدم مقار الأمم المتحدة في القدس، تنشط غرف التطبيع بين العدو الصهيوني والأنظمة العربية في دافوس.
وكشف موقع (Jewish Insider) الأمريكي عن تورّط دبلوماسي سعودي رفيع في مسار التطبيع السياسي مع الاحتلال الصهيوني، عبر مشاركة سفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، ريما بنت بندر آل سعود، في غداء مغلق عُقد على هامش الترويج لما يُسمّى "مجلس السلام" في دافوس، إلى جانب رئيس كيان الاحتلال إسحاق هرتسوغ، في مشهد عكس تقاطعاً فاضحاً بين العدوان الصهيوني على الفلسطينيين والانخراط السعودي المتزايد في هندسة تسويات تخدم الرؤية الأمريكية - "الإسرائيلية" للمنطقة.
وبحسب الموقع، تبادل الطرفان تصريحات متفائلة بشأن "مستقبل المنطقة"، في تجاهل صارخ لجرائم الاحتلال المستمرة في غزة والضفة الغربية، فيما حضر اللقاء مسؤولون وشخصيات تمثل رأس المال السياسي والاقتصادي الداعم لمسار التطبيع، بينهم ولي عهد البحرين سلمان بن حمد آل خليفة، ومسؤولون تنفيذيون لشركات وصناديق سيادية كبرى، في ما بدا كتحالف مصالح يتقدّم فيه الاستثمار والسياسة على حساب الحقوق العربية والفلسطينية.
ورأى مراقبون أن الاجتماع لم يكن سوى محاولة جديدة لإعادة تعويم مسار التطبيع المتعثر، عبر تسويقه بواجهة اقتصادية وإعلامية، وإعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية - "الإسرائيلية" على المنطقة، في وقت يواصل فيه الاحتلال حربه المفتوحة دون مساءلة. وتأتي هذه الخطوة بعد تصريحات صريحة لهرتسوغ عبّر فيها عن "حلمه" بتطبيع العلاقات مع السعودية، في مؤشر واضح إلى انتقال الاتصالات من القنوات الخلفية إلى العلن.
وكان ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، قد أعلن، خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في البيت الأبيض في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، رغبته في المضي قدماً نحو الاعتراف بـ"دولة" كيان الاحتلال في أقرب وقت، في موقف أثار انتقادات واسعة واعتُبر انقلاباً سياسياً على الموقف العربي التاريخي، ومحاولة لمنح شرعية مجانية لكيان يمارس الاحتلال والقتل والتجويع بحق الشعب الفلسطيني، تحت غطاء وعود فضفاضة بحل الدولتين.










المصدر لا ميديا