دمشق/ خاص / لا ميديا -
أخيراً اعترفت حكومة نظام الجولاني في سورية، وبشكل رسمي، باللقاءات مع “الإسرائيليين”.
وجاء في بيان رسمي لوزارة خارجية الجولاني: “التقى وزير الخارجية والمغتربين، السيد أسعد حسن الشيباني، في العاصمة الفرنسية باريس، وفداً إسرائيلياً برئاسة وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، لمناقشة عدد من الملفات المرتبطة بتعزيز الاستقرار في المنطقة والجنوب السوري”.
وأضاف البيان: “تركزت النقاشات حول خفض التصعيد، وعدم التدخل بالشأن السوري الداخلي، والتوصل لتفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وإعادة تفعيل اتفاق 1974”.
وقال البيان إن “هذه النقاشات بوساطة أمريكية، في إطار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في سورية والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها”.
وأشار البيان إلى أن “الوزير الشيباني التقى في عمّان، في الـ12 من الشهر الجاري، نظيره الأردني السيد أيمن الصفدي، والمبعوث الخاص للولايات المتحدة الأمريكية إلى سورية السيد توماس باراك، وجرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين الأطراف الثلاثة، بما يخدم استقرار الجمهورية العربية السورية وسيادتها وأمنها الإقليمي، والاتفاق على تشكيل مجموعة عمل سورية- أردنية- أمريكية، لدعم جهود الحكومة السورية في تعزيز وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، والعمل على إيجاد حل شامل للأزمة”.
كما سبق هذه اللقاءات اجتماع في “تل أبيب” لم يتم الإعلان عنه رسمياً، وضم ممثلين من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والأردن، واعتبر البعض ممثلاً أيضاً للسعودية.
تأكيد هذه اللقاءات لم يكن عملياً بحاجة إلى بيان رسمي؛ لأن أخبارها كانت تأتي من مصادر عديدة وموثوقة، وتعترف بها حكومة الجولاني بشكل غير مباشر؛ لكنها المرة الأولى التي تخرجها إلى العلن. واللافت في البيانات السورية أنها لم تقدم سوى الاعتراف العلني بهذه اللقاءات. أما مضامينها فقد خلت من الشفافية، ومن أي معلومات أو تفاصيل عنها، وأكثر من ذلك فإن ما يظهر على الأرض يناقض ما تضمنته البيانات والتصريحات الرسمية من معلومات.
فقد نقلت عدة مصادر إعلامية محضر جلسة لقاء باريس، وقالت إن الاجتماع جرى بوساطة أمريكية، بهدف محاولة إنهاء عقود من العداء بين البلدين، وأن المناقشات ركزت على خفض التصعيد في السويداء، بعد الاشتباكات الدامية التي وقعت الشهر الماضي بين قوات نظام الجولاني، وسكان السويداء، وأن الشيباني وافق على الطلبات “الإسرائيلية”، وأكد للوفد “الإسرائيلي” أن سلطة دمشق لا تريد المواجهة مع “إسرائيل” ولا إزعاجها، ولا حتى الاقتراب من “حدودها” أو حتى الدخول معها في حرب، بل تريد السلام الدائم والاستقرار لسورية.
وحول ما حدث في السويداء، حاول الشيباني التنصل من مسؤولية حكومته، رغم أن الشرع نفسه شكر العشائر البدوية والقبائل التي نفذت “فزعات” ساندت قوات النظام. وقال الشيباني إن جميع المتورطين في الجرائم التي حدثت في المدينة سيقدمون للعدالة، وأن ما حدث كان خارج سيطرة الدولة؛ لأن أطرافاً عدة تدخلت في الجرائم، نتيجة الشحن الطائفي على “السوشيال ميديا”، وأن السلطة تحترم الدروز وتعتبرهم من النسيج المجتمعي السوري.
كما أشار محضر الجلسة إلى أنه تمت مناقشة مسألة إعادة العمل باتفاقية فك الارتباط بين البلدين عام 1974؛ لكن “إسرائيل” لم تقدم أي موافقة على ذلك.
وكان لافتاً أنه لم يصدر أي تعليق من الحكومة “الإسرائيلية” حول الاجتماعات، وخاصة حول موضوع فك الاشتباك، والعودة إلى اتفاقية عام 1974. كما رفض مكتب الوزير “الإسرائيلي” ديرمر التعليق على الاجتماعات، وهي الخطوة التي فسرها المراقبون بأنها جاءت بناء على طلب من الشيباني، تجنباً لإحراج السلطات السورية، وهذا يؤكد أن “إسرائيل” حصلت على طلبات لا تتجرأ السلطات السورية أن تعلنها، إذ تؤكد المعلومات أن الاتفاقات أخرجت السويداء وكامل الجنوب السوري من سلطة الحكومة، إذ أصبح ممنوعاً على سلطة الشرع إدخال أي سلاح ثقيل بعد 15 كم من دمشق باتجاه الجنوب، وأن تنسيقاً يجري بين الجانبين حول التطبيع في كافة المجالات، السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية، فيما يجري إشغال الناس بمشاكل وأخبار السويداء والساحل والأكراد.
وأكدت معلومات من مصادر متعددة أن “إسرائيل” أوصلت إلى المجتمعين في “تل أبيب” رسالة تقول: “لن ننسحب من المناطق التي دخلناها في سورية، وموضوع السويداء سيتجه إلى حكم ذاتي أو فيدرالي، بحسب ما سيتم الاتفاق عليه، لأن التغيرات المتسارعة والمتوقعة في سورية، والتي قد تصل إلى تغيير السلطة، قد تغير مطالب السوريين”.
كما تؤكد المعلومات أن ما جرى في السويداء سيجري في مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية “قسد” في شمال شرق سورية وفي الساحل السوري.
كل هذه الاجتماعات والاتفاقات تؤكد ما أوردته مصادر متعددة عن لقاء سيجري بين الشرع ورئيس الحكومة “الإسرائيلية”، بنيامين نتنياهو، في 25 أيلول/ سبتمبر المقبل، في العاصمة الأمريكية واشنطن، برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد مشاركة الشرع في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن التوافق منجز على توقيع اتفاق للسلام والتطبيع بين الجانبين، ودخول سورية في “الاتفاق الإبراهيمي”.
وجرى التمهيد لهذا اللقاء بتعيين إبراهيم عبد الملك علبي مندوباً لنظام الجولاني في الأمم المتحدة، وبمرتبة “سفير مفوض فوق العادة”، وهو ابن أحد قادة تنظيم الإخوان المسلمين في سورية، ومن مواليد السعودية، ويحمل الجنسيتين، البريطانية والألمانية.
هذه الأخبار تؤكد أن كل شيء منجز، بانتظار لقاء الشرع ونتنياهو، وأن الملف السوري مقبل على تطورات دراماتيكية تبقيه مفتوحاً على كل الاحتمالات، وخاصة حول ردود فعل الشارع السوري والقوى الوطنية والمجتمعية حول التطبيع مع “إسرائيل”، والذي لم يقابله أي مكسب سوري، سوى “احتمال” إعطاء ضوء أخضر لسلطة الشرع للبقاء في السلطة.