عادل بشر / لا ميديا -
لم تفلح الضربات الإسرائيلية المتكررة ضد اليمن، بما في ذلك الهجوم الذي استهدف محطة الطاقة في صنعاء، فجر أمس الأول الأحد، في إيقاف الهجمات اليمنية أو الحد من إسناده العسكري للمقاومة والشعب الفلسطيني في غزة. وعلى العكس من ذلك، تكشف اعترافات مسؤولين وصحافة عبرية أن "تل أبيب" تواجه مأزقاً حقيقياً في التعامل مع صنعاء، التي باتت اليوم رقماً صعباً في معادلات الصراع الإقليمي، قادراً على التأثير في مسار الحرب وفرض معادلات جديدة تتجاوز جغرافيتها.
وكعادتها لم تتأخر صنعاء كثيراً في الرد على العدوان "الإسرائيلي" الذي استهدف محطة كهرباء حزيز، حيث كان مطار اللد "بن غوروين" على موعد مع هجوم يمني بصاروخ باليستي فرط صوتي من طراز "فلسطين2" مساء أمس الأول، وهو ما دفع مسؤولين "إسرائيليين" ومحللين أمنيين ووسائل إعلام عبرية، إلى السخرية من تكرار "جيش الاحتلال" استهداف المنشآت الخدمية والبنية التحتية في اليمن، مؤكدين أن تلك الهجمات "عديمة الجدوى ودليل على فشل الردع".

غارات لا تغير المعادلة
صحيفة "غلوبس" العبرية أكدت أن "الضربات الجوية لم توقف الحوثيين عن مهاجمة إسرائيل، ما يجعل هذه العمليات أقرب إلى رد فعل محدود لا يغير ميزان القوى". في المقابل، أشارت جيروزاليم بوست إلى أن "إسرائيل" تجد نفسها اليوم أمام خصم "أكثر تنظيماً وجرأة مما كان متوقعاً"، وأن صنعاء باتت لاعباً مؤثراً في ساحة الصراع الإقليمي.
ونشرت "غلوبس" أمس، مقالاً تحليلياً للعميد المتقاعد "شموئيل إلماس" أشار فيه إلى أنه منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 نفذت "إسرائيل" ما لا يقل عن 14 هجوماً ضد أهداف يمنية، بمعدل هجوم كل 48 يوماً، لكن ذلك لم يمنع استمرار إطلاق القوات المسلحة اليمنية للصواريخ والطائرات المسيّرة. فخلال 152 يوماً فقط أطلق اليمنيون أكثر من 70 صاروخاً بالستياً، بمعدل صاروخ كل يومين تقريباً، لافتاً إلى أن "هذا لا يشمل الطائرات المسيّرة التي تشغل الدفاعات الجوية الإسرائيلية باستمرار"، إضافة إلى هجمات بحرية عمّقت أزمة الملاحة "الإسرائيلية" وضاعفت من الحصار الذي تفرضه صنعاء على ميناء أم الرشراش "إيلات".
وأفاد الجنرال الصهيوني بأنه "رغم تهديدات وزير الدفاع يسرائيل كاتس بأن إسرائيل سترد على أي هجوم بسبعة أضعاف" وأن "الحوثيين سيدفعون فائدة مركّبة عن كل محاولة إطلاق نار على إسرائيل، لكن البيانات على أرض الواقع مختلفة تماماً".
وأوضح أنه "رغم تلك التصريحات المتكررة والتهديد المتعاقب باغتيال عبدالملك الحوثي، فقد استمرت المسيرات المناهضة لإسرائيل في صنعاء كل يوم جمعة، وواصل الحوثي توجيه الرسائل البحرية".
وأضاف شموئيل: "يمكن لوزير الدفاع أن يدّعي أن إسرائيل تفرض حصاراً جوياً وبحرياً على الحوثيين، لكن هذا يُظهر بوضوح أن الهجمات الإسرائيلية في اليمن لا تزال نابعة من جهل استخباراتي وفهم غربي خاطئ"، مؤكداً أنه "على إسرائيل أن تدرك أنها هي من تدفع فائدة مركبة على جهلها باليمن، لأن فعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً وتوقع نتيجة مختلفة هو أسلوب طفولي، وبالتأكيد ليس استراتيجياً".
أمام ذلك يرى شموئيل أنه لا توجد سوى ثلاثة خيارات مطروحة على طاولة "تل أبيب" لحل الوضع مع صنعاء، الأول هو عملية برية "إسرائيلية"، وهو خيار غير عملي وغير ممكن، والثاني: وقف إطلاق النار في غزة، وهو الحل الذي تتمثل أهم فوائده في عودة الأسرى الصهاينة، ولكنه -وفقاً للجنرال الإسرائيلي- سيمنح صنعاء أيضاً فرصة لإثبات صحة موقفها الذي تعلنه دائماً وتؤكد فيه بأن عملياتها العسكرية ضد الاحتلال الصهيوني ستتوقف مع توقف الحرب ورفع الحصار عن قطاع غزة.
أما الخيار الثالث فيتمثل في "استهداف إيران" التي تتهمها "إسرائيل" بتزويد صنعاء بالأسلحة، لكن هذا الخيار، أيضاً، غير مجدٍ، حيث أقر العميد الصهيوني بامتلاك اليمن المعرفة والمهندسين الموهوبين لإنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة بأنفسهم، دون الحاجة إلى دعم خارجي.

مأزق العدو
في السياق، قالت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية في تقرير لها، أمس: "بالرغم من كثافة العمليات، لا توجد مؤشرات على انهيار القدرات الحوثية"، مشيرة إلى أن "استمرار إطلاق الصواريخ اليمنية يظهر أن الضربات الإسرائيلية لم تحقق الهدف الحاسم".
وتطرقت الصحيفة إلى الهجوم الباليستي اليمني الذي استهدف مطار اللد "بن غوريون" مساء أمس الأول، بعد ساعات من العدوان الصهيوني على محطة الكهرباء في صنعاء، قائلة "إن عملية الإطلاق الحوثية في 17 أغسطس صُممت لإظهار أنهم سيواصلون تهديد إسرائيل. وهذا يوضح أن الضربات الجوية الدقيقة التي شنها الجيش الإسرائيلي ضد الحوثيين خلال الـ22 شهراً الماضية لم توقف خططهم بشكل كامل".
من جهتها قالت القناة 14 العبرية، إن "الهجوم في اليمن لا يؤثر كثيرًا على اليمنيين، فبنظرهم هذا ثمن محتمل في سبيل الحرب ضد "إسرائيل".
وأضافت أن "ما يحدث يوصف بأنه كر وفر بين إسرائيل واليمنيين، هم يطلقون النار ونحن نهاجم البنى التحتية"، موضحة بأن "إسرائيل تهاجم البنى التحتية واليمنيون يصلحونها، ثم يتكرر الأمر من جديد".
وأكدت أنه "يجب الاعتراف بأن اليمنيين لا يتأثرون كثيرًا بالهجمات الإسرائيلية حتى الآن والتي تتركز أساسًا على استهداف البنى التحتية"، مشيرة إلى أنه "من وجهة نظر اليمنيين يجب أن تستمر الحرب ضد إسرائيل حتى إبادتها".

الفشل الاستراتيجي
في المحصلة، تُظهر الوقائع أن الضربات الجوية "الإسرائيلية" على اليمن لم تحقق أهدافها. فالهجمات الصاروخية والمسيرات اليمنية ما تزال تنطلق بوتيرة ثابتة، والبحر الأحمر تحول إلى جبهة استنزاف "لإسرائيل" وحلفائها.
الأهم من ذلك -وفقاً لخبراء- أن صنعاء تحولت إلى عنصر فاعل في معادلة الصراع الإقليمي، ليس فقط في دعم غزة، بل في صياغة معادلات جديدة للقوة والنفوذ في الشرق الأوسط، وهو ما يضع "إسرائيل" أمام تحد استراتيجي غير مسبوق.