د. عرفات الرُّميمة

هناك من يعتبر أن الثقافة بحد ذاتها خداع ودجل وحديث رخيص للضعفاء يغطون بها نقاط ضعفهم وقلة حيلتهم - وهوانهم على أنفسهم ولدى الآخرين  - وهي وسيلة ترقيع تستر بها الشعوب عوراتها ومكياج رخيص لتجميل قبحها ووجبة سريعة لاسكات جوعها . نجد هذا المعنى الفاضح لحقيقة الثقافة لدى العديد من المفكرين الذين سبروا غورها ونفذوا الى عمقها ولبها ولم يقفوا عند السطوح والقشور كما فعل بعض أدعيائها ومدعيها . فقد صرّح جون بريت - عضو البرلمان الامريكي في القرن التاسع عشر - قائلاً : إن الناس حين يتحدثون عما يسمونه ثقافة فإنهم يعنون ثرثرة بلغتين ميتتين هما الإغريقية واللاتينية . و كتب المؤلف الألماني هانز جوست في مسرحيته المسماة (شلاتر) عن حقيقة الثقافة -كمفهوم متعالي واستعراضي ومستفز - على لسان أحد ابطال المسرحية قائلا : حين اسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي .
وبنفس المعنى كتب الطبيب العقلي فرانز فانون في كتابه الشهير معذبو الارض قائلاً  :  حين يسمع المواطن الأفريقي ابن البلد حديثاً عن الثقافة الغربية فإنه يشهر سكينه أو على الأقل يتأكد أنها في متناول يده . ومعنى ذلك أن الثقافة ليست نعمة وميزة ومدعاة للتفاخر على الدوام وليست غاية بحد ذاتها ، بل هي نقمة ومرض ووسيلة رخيصة للظهور متى تحولت الى أداة تمايز وقمع للآخر المخالف - مثلها مثل المعرفة التي تتحول الى قوة نقهر بها الآخر ونستعلي عليه كما قال ميشال فوكو في كتابه حفريات المعرفة - وسلاحاً لإخضاعه وتحجيمه واستلابه ، كل ذلك يستدعي ممن يسمعها أن يكون مستعدا لإشهار مسدسه -  أو سكينه على الأقل  - دفاعا عن نفسه ضد من يحاول أن يستعلي عليه ويحل دمه باسم الثقافة . ومن وجهة نظري أن أول مثقف على وجه الأرض - بالمعنى الحقيقي لمفهوم الثقافة الذي أشرنا اليه -  هو أبليس الذي أخذته العزة بالثقافة لانه اعتقد انه مثقف يعلم كل شي ولذلك هو أفضل ممن سواه ، فلم ينفذ أمر الله ولم يرضخ للواقع ، فقال متباهيا: (أنا خير منه ) مع أن الله أثبت له وللملائكة أن آدم أكثر علما وثقافة منهم - ولا يزال إبليس حتى اللحظة مطرودا من رحمة الله بسبب ثقافته الزائفة وغروره الأحمق - وبنفس المعنى كانت اليهود أول أمة أشهرت سلاح  الثقافة  - وجعلتها أداة فخر وتمايز واستعلاء لتحجيم الآخرين ومحاولة السيطرة عليهم - فقد كانوا يتباهون  بأنهم اصحاب كتاب وعلم وثقافة ،أما العرب فهم أميون لا كتاب لهم وكانوا يتسائلون بتعجب واستنكار : كيف لأمي من العرب أن ينزل عليه الوحي ؟ وكيف يُريد مِنْ اليهود وهم (أبناء الله وأحبائه )- كما زعموا زوراً وبهتاناً - أن يتبعوا ذلك الأمي الذي - تخرج من الكهوف ولم يتخرج من الجامعة بلغة اليوم - و لا علم لدية ولا ثقافة ! سارت قافلة الإسلام وظل اليهود - ولا يزالون - ينبحون عليها بثقافتهم التي بثت الكراهية للمخالفين لهم وزرعت الفتن والأحقاد واشعلت الحروب التي لم تخمد جمر نيرانها حتى الآن . ولقد اعتقد الزعيم النازي هتلر أن الشعب الألماني أكثر علما وثقافة ورقيا من جميع شعوب أوروبا وبالتالي هم الجنس السامي والأرقى الذي يجب ان تخضع له جميع الشعوب الأوربية الأقل منه ثقافة وعلما ، وبسبب التعالي الثقافي والغرور العلمي نشبت الحرب العلمية الثانية وقتل بسببها الملايين .  كانت تلك المقدمة ضرورية لمعرفة حقيقة الثقافة - كوسيلة لستر العورات والتباهي على الآخرين -  إن الثقافة التي تقّسم الناس الى متعلم وجاهل والى مدني وقبيلي هي ثقافة ابليس وثقافة اليهود ونازية هتلر . و تلك هي الثقافة الزائفة والملعونة لأنها تخرب الأوطان  ولا تبنيها تستكبر وتستعلي على المخالفين من أبناء الوطن الواحد ولا تتواضع لهم ، تفرَق ولا تجمع بينهم ، تستغني بالوهم عن الواقع ، تتقارب مع الأعداء والأباعد وتستبعد الأصدقاء والأقارب . 
كانت تلك هي حقيقة الثقافة - حال وجودها فعلا - أما التباهي بالثقافة التي لا وجود لها في الواقع فسوف نقوم بتعريتها وفضحها في مقال قادم بإذن الله .

أترك تعليقاً

التعليقات