نذير محمد

نذير محمد / لا ميديا -
لا يمكن فهم ما جرى في سبتمبر بمعزل عن السياق الذي سبقه. فالساحل الغربي اليمني ظل منذ سنوات ميدان اختبار لموازين القوة بين الطرفين، وهو ما تلخصه العبارة المنسوبة إلى المبعوث الأممي الأسبق إسماعيل ولد الشيخ عام 2018: «إذا انتهت معارك الساحل الغربي انتهت الحرب في اليمن». وكان ذلك العام عام معركة الحديدة، كما كانت هناك ترتيبات أقرب إلى الخطوط الحمراء الدولية والإقليمية تمنع قوات صنعاء من الاقتراب من مضيق باب المندب. ثم أعادت صنعاء فتح المواجهة مع حكومة المرتزقة بحملة واسعة تقدمت على امتداد ساحل البحر الأحمر الغربي حتى بلغت المضيق وجزره في الحادي عشر من سبتمبر. وتتفق عدة مصادر متباينة الاتجاه، منها «يورونيوز» و«الجزيرة» على الخطوط العامة لهذه الحصيلة: «سقوط» (تحرير) المخا في العاشر أو الحادي عشر من سبتمبر، والوصول إلى ذوباب، ثم إلى جزيرة ميون (بريم) داخل المضيق، مع تقدم متزامن في جبهات تعز. أسقط هذا التحول الخطوط الحمراء التي رُسمت منذ 2018، وبأنه تمّ في فترة وجيزة.
ولعل أول ما يستوقف الباحث في هذه المكاسب أن قيمتها كامنة في المواقع ذاتها لا في ما حولها. فالمخا ميناء على البحر الأحمر له وزنه، وذوباب بمطارها العسكري وطرقها تشرف على المضيق، وجزيرة ميون تقع داخل الممر الملاحي نفسه، وباب المندب نقطة اختناق تمرّ منها حصة كبيرة من التجارة والطاقة العالميتين. وهذا ما يجعل المكسب هنا مختلفاً عن مكاسب أخرى تُقاس بمرتفع يحيط بالموقع أو بخط إمداد يغذيه. ولا يعني ذلك أن الطريق بين ذوباب والمخا بلا شأن، فهو شريان مهم، غير أن أهميته مستمدة من أنه يربط موقعين استراتيجيين في أصلهما.
هنا نأتي إلى نقطة المكاسب التي حققتها حكومة صنعاء والتي لا تأتي من إعلان الجهة التي حققتها فحسب. فالصحافة التي غطّت أحداث سبتمبر، ومنها «الجزيرة» و«يورونيوز» و»لونغ وور جورنال»، أقرّت «بأن الحوثيين استولوا على المخا وذوباب وبلغوا المضيق»، وهي وسائل لا يمكن عدّها ناطقة باسم صنعاء. فنحن أمام مكسب يقرّ به الخصم والمحايد معاً. وقد جاء رد فعل حكومة المرتزقة في الأسابيع التالية مؤيداً لهذه القراءة بصورة غير مباشرة؛ فعملية «فجر اليمن» وُصفت في «يورونيوز» و»الجزيرة» بأنها هجوم مضاد جاء رداً على ما حققته صنعاء وبقصد استعادة ما خسرته قوات عدن، وهو وصف يتقاطع مع ما نسبه موقع «يمن مونيتور» إلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من أن ما يجري هو هجوم مضاد لاستعادة الأراضٍ «المحررة»، ومن يشنّ هجوماً مضاداً فهو يقرّ ضمناً بأن الأرض خرجت من يده أولاً.
وفي الرابع من أكتوبر أعلن رئيس المرتزقة رشاد العليمي إطلاق عملية «فجر اليمن»، وبدأت العمليات الميدانية فجر الاثنين الخامس منه، وكان الهدف المعلن، كما نقلت «الجزيرة نت» و«وكالة شينخوا»: «استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين». وأعلنت وزارة الدفاع السعودية ومتحدث التحالف تركي المالكي مشاركة مئة طائرة مقاتلة، ويضيف أن الرواية الرسمية تحدثت عن تدمير 324 هدفاً، وأن الإعلان في الساعات الأولى شمل استعادة المخا وذوباب وباب المندب. وهنا يظهر الفارق بين حجم الأهداف المعلنة وحجم ما أمكن إثباته.
وتزداد صعوبة تثبيت «المكسب» للمرتزقة حين نلاحظ أن الرواية الرسمية لم تكن موحدة حتى داخل المعسكر الواحد. فبينما أعلنت «ألوية العمالقة» و«قوات درع الوطن» أنها سيطرت على مطار ذوباب وقطعت الطريق الذي يربط ذوباب بالمخا وفرضت حصاراً على المسلحين في المضيق، نقلت صحيفة «الخليج» أن مصدراً آخر نفى قطع هذا الطريق، وأشارت «يورونيوز» إلى تعارض الروايتين بشأنه. وهذا الاختلاف يصعب ردّه إلى سوء التنسيق وحده؛ فهو يدل على أن الإعلان سبق الوقائع، أو أنه صيغ لجمهور بعينه قبل أن يتبيّن الميدان. وفي المقابل نشر الإعلام الحربي لقوات صنعاء، مقاطع مصورة توثّق استمرار سيطرتها على ذوباب والمخا ومحيط باب المندب، وصدر عن مصدر عسكري رفيع تصريح ينفي إعلانات حكومة المرتزقة ويؤكد بقاء قواته في باب المندب وكهبوب.
ويقتضي الإنصاف الإشارة إلى أن العملية لم تخلُ من أثر ميداني. فتفيد المعطيات التي بين أيدينا بأن القصف الجوي الذي رافق اليوم الأول طال مواقع تابعة للجيش اليمــــــني ساهم فــي وجود خلل مؤقــــتاً، وأتاح للمرتزقة أن تتسلل إلى بعض المواقع، قبل أن تستعيدها القوات المسلحة في فترة وجيزة. وهذا في ذاته يرسم حدود مكسب المرتزقة: تفوق جوي ينتج اختراقاً موضعياً قصير الأمد، ولا ينتج سيطرة مستقرة. والفرق بين الاثنين جوهري، فالسيطرة المستقرة تتطلب قدرة على الاحتفاظ بالموقع تحت النار وتأمين طريق الإمداد إليه، أما الاختراق الموضعي فيكفي لإنتاج خبر. وحتى لو سُلّم بصحة ما نُقل عن مصادر عسكرية من أن مطار ذوباب صار في قبضة قـــــوات عدن وأن الطريق قُطع جزئياً، فإن ذلك لا يعني استعادة باب المندب ولا استعادة المخا. وبحلول التاسع من أكتوبر كانت الصحافة القريبة من التحالف، ومنها «الشرق الأوسط» و«العربية»، تتحدث عن «تطهير» باب المندب وجزره، وعن تثبيت المكاسب في كهبوب وتقدم في الوازعية غربي تعز وهذا مؤشرا على التخبط التي تعيشه قوات المرتزقة.
ويستدعي هذا كله سؤالاً عن طبيعة العملية نفسها: هل جاءت لتوسيع مكاسب قائمة أم لاستعادة مواقع فُقدت؟ تدل الوقائع على الثاني، فالعملية بدأت بعد أسابيع من تحرير المخا وذوباب وميون، وهي في توصيف «يورونيوز» هجوم مضاد رداً على ما «حققه الحوثيون على ساحل البحر الأحمر» وفي جبهات تعز. غير أن الأفق الذي رُسم لها أوسع كثيراً من هذا الحد، فقد جرى الحديث منذ ساعاتها الأولى عن «هجوم استراتيجي» على صنعاء، نقلت «الجزيرة» ذلك عن القيادة العسكرية التابعة لحكومة عيلمي، وعن توسع نحو الوازعية غربي تعز وتأمين كهبوب، بما يشي بمشروع لإسقاط حركة أنصار الله عبر التوسع التدريجي في مناطق جديدة.
وتكتسب هذه المقارنة بعداً إضافياً حين توضع في سياقها التاريخي القريب. فالرياض والحكومة المدعومة منها عادتا إلى «نقطة الصفر»، أي إلى مربع عام 2015، وهي عبارة تُقرأ عادة بوصفها صورة بلاغية، لكن الوقائع تمنحها قدراً من الدقة اللافتة. ففي مطلع أكتوبر 2015 أعلنت قوات المرتزقة، بإسناد من التحالف الذي تقوده السعودية، السيطرة على باب المندب وذوباب، وذكر ضابط في حكومة المرتزقة لوكالة «فرانس برس» أن «الحوثيين وحلفاءهم تراجعوا إلى المخا»، وأن أنصار الله أقرّوا بالانسحاب من المضيق، وأن محمد علي الحوثي بعث برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة يعبّر فيها عن دهشته من الهجوم على جزيرة ميون والمناطق القريبة من باب المندب. أي أن المواقع نفسها، ذوباب وميون وباب المندب والمخا، كانت موضوع الإعلانات المتبادلة قبل أحد عشر عاماً. والفارق اللافت بين اللحظتين أن إقرار صنعاء بالانسحاب كان حاضراً في 2015، بينما يغيب في 2026 حيث يرد النفي بدلاً منه. وإذا كان لهذه المقارنة من دلالة منهجية فهي أن الإقرار المتبادل بتغيّر السيطرة هو أوضح علامات المكسب الميداني، وأن غيابه هو أول علامات الادعاء الذي لم يستقر بعد.
أما الفرق بين القيمة التكتيكية للمكسب وقيمته الاستراتيجية في باب المندب فيستحق وقفة، لأن أطراف السجال تستعمله بالتبادل. فالتكتيكي ما يمكن أخذه وفقده في ساعات: مطار صغير، أو مقطع من طريق، أو مرتفع مشرف، وهو ما تفيد المعطيات بأن قوات المرتزقة حققت جزءاً منه بإسناد جوي كثيف. والاستراتيجي ما يعيد توزيع القدرة على الضغط في المدى المتوسط: السيطرة على ممر ملاحي تعبره التجارة العالمية، والقدرة على تهديد الموانئ السعودية على البحر الأحمر، وتحويل ذلك كله إلى ورقة تفاوض. وبهذا المعنى فإن حكومة صنعاء، حتى لو فرضنا كما ادعت وسائل إعلام مقربة من المرتزقة، خسرت موضعاً هنا أو هناك، احتفظت بالمكسب الاستراتيجي ما دام المضيق داخل نطاق الاستهداف الذي تملكه. وقد توعدت الجماعة، بحسب «ذا ناشيونال»، باستهداف السفن المرتبطة بالسعودية بسبب عدوانها. وأن الحظر الملاحي المفروض على الموانئ السعودية في البحر الأحمر، ومنها ينبع، رفع أقساط تأمين مخاطر الحرب على الشحنات من ثلاثة في المائة إلى سبعة في المائة، وأن شركات شحن عالمية علّقت بعض حجوزاتها.
ويرتبط بذلك ما يطرحه المحلل اللبناني خليل نصر الله عن حدود الإسناد الخارجي. فهو يرى أن الولايات المتحدة وحلفائها يواجهون «عقدة استراتيجية» تتمثل في أن أي تدخل واسع لدعم التحالف في اليمن قد يستدعي رداً إقليمياً تحت عنوان «وحدة الساحات» يمتد من البحر الأحمر إلى هرمز، وأن طهران وصنعاء أظهرتا استعداداً لربط الجبهات ببعضها عبر المضائق. ويضيف أن المؤسسة الأمنية «الإسرائيلية» نصحت المستوى السياسي بعدم القيام بضربات استباقية منفردة ضد اليمن، وأن الإدارة الأمريكية تتحرك في ظل ضغوط انتخابية داخلية. إذ إن المكسب الميداني الذي يستند إلى قدرة على رفع كلفة أي رد خارجي أرسخ من مكسب يحتاج كل يوم إلى مئة طائرة لحمايته. فالتفوق الجوي يستطيع أن يصنع اختراقاً ويصنع خبراً، لكنه لا يصنع حاضنة بشرية ولا يملأ الأرض بمقاتلين يحتفظون بها، وهذا ما يفسر لماذا تتحدث حكومة المرتزقة عن الحسم بينما يعجز حلفاؤها عن ترجمته إلى سيطرة.
وتتعدى مكاسب صنعاء حدود الساحل إلى رفع كلفة الحرب على الجانب السعودي. فقد أعلنت السعودية، بحسب ما نقلته «الجزيرة»، إصابة ثلاثة أشخاص في هجمات استهدفت مطارات في الجنوب يوم السادس من أكتوبر، وهي هجمات يوثّقها في قائمة المصادر تقرير لـ«رويترز» عن استهداف مطاري جازان ونجران. ويضيف المصدر قائمة أطول من المواقع المعلنة، بينها مطار الملك خالد في الرياض ومصفاة أرامكو في رابغ ومطار أبها وقاعدة خميس مشيط ومعسكر عاكفة في عسير، وهي قائمة لم تتيسّر لها شهادة مستقلة فيما أمكن الاطلاع عليه سوى ما يخص جيزان ونجران. ومع ذلك فإن الإعلان عن تفعيل التزامات الدفاع المشترك في إطار «حلف مكة» بين السعودية وباكستان وتركيا، وهو إعلان يتحدث عنه المصدر ويتقاطع مع ما أوردته تقارير عن اجتماع ثلاثي في الرياض لبحث ضربات القوات المسلحة اليمنية وتفعيل ميثاق الدفاع المشترك، يدل على أن الرياض تقرأ الوضع بجدية تفوق ما يوحي به خطاب «التحرير».
وتبرز مسألة الكلفة الاقتصادية بوصفها وجهاً آخر للمكاسب الميدانية لا يقل أهمية عن وجهها العسكري. يصوغ ما يسميه التناقض السعودي في خيارين: إما تكبّد خسائر اقتصادية ومالية متراكمة، وإما المصالحة مع حكومة صنعاء. فالمملكة تراهن على الانفتاح والاستثمار والمشاريع الكبرى مثل «رؤية 2030»، وهذه كلها تحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة وخطوط ملاحية آمنة، والتهديد الذي يطال المضيق وموانئ البحر الأحمر يمسّ هذا الرهان مباشرة. ومن هنا فإن مكسب صنعاء لا يُقاس بعدد الكيلومترات المسيطر عليها فحسب بل أيضا ما يُقاس بالكلفة المضافة التي يفرضها على الخصم في كل يوم يمرّ دون تسوية.
ولفهم كيف يُصنع المكسب الإعلامي يجدر النظر في الجهات التي تنتج الإعلان وتتولى نشره. فقد أُعلنت وزارة الدفاع السعودية والتحالف عن مشاركة المئة طائرة لا عن قوات المرتزقة على الأرض، أي أن الرقم الأبرز في رواية حكومة المرتزقة صدر عن الراعي لا عن المقاتل. وانتشرت الأخبار الأولى عن «عودة» باب المندب خلال يوم الخامس من أكتوبر عبر قنوات وصحف تُصنَّف في خانة الإعلام القريب من الرياض، كـ«العربية» و«الشرق الأوسط»، في حين كانت التغطيات المستقلة تتحدث عن تعذر التحقق. وفي الجهة المقابلة تولت قناة «المسيرة» والإعلام الحربي لأنصار الله مهمة النفي والتفنيد، وخصّصت نشرتها الرئيسة في السادس من أكتوبر، لتغطية اليوم التالي للعملية بصيغة الرد. ويلاحظ أن الخطاب الإعلامي لدى الطرفين يقوم على بنية متشابهة غير أن الفارق أن أحد الطرفين يبني روايته على ما سبق تحقيقه في سبتمبر، بينما يبني الآخر روايته على ما يريد تحقيقه وفي هذه الحالة الطرف الأكثر موضوعية هي حركة أنصار الله. وبذلك تكون الحرب الإعلامية مرآة غير متكافئة للحرب الميدانية، تضخّم عند الطرف الذي يحتاج إلى تعويض ما فقده، وتؤكد عند الطرف الذي يحتفظ بما كسبه.
ولا يصح، مع ذلك، التعامل مع المكاسب الإعلامية بوصفها عدماً، فلها وظائف سياسية حقيقية يمكن تحديدها. الأولى داخلية: فالقوات التي تقاتل تحت لواء حكومة المرتزقة لا تشكل جسماً متجانساً بينها «حراس الجمهورية» و»درع الوطن»، وتضاف إليها «ألوية العمالقة» و»المقاومة التهامية»، كما تشير ملاحظاته إلى الخلاف السعودي الإماراتي بوصفه عاملاً في تشكل هذه التشكيلات، وتحتاج مثل هذه الأجسام إلى سردية انتصار مشتركة تتجاوز اختلاف الولاءات والمصالح. والثانية خارجية: فالرسالة الموجهة إلى واشنطن والعواصم الحليفة أن الحرب لم تُحسم، وقد نال ذلك تأييداً علنياً نسبه «يمن مونيتور» إلى روبيو. والثالثة تفاوضية: فمن يظهر بمظهر المبادر يملك في أي مفاوضات لاحقة موقعاً أفضل ممن يظهر بمظهر المنهار، أياً كانت الحقيقة. وفي المقابل فإن لهذا النوع من المكاسب ثمناً يتمثل في رصيد المصداقية: فكلما نُشر مقطع ميداني يناقض إعلاناً سابقاً تآكلت ثقة الجمهور بالرواية اللاحقة لحكومة المرتزقة، وهذا ما تستثمره صنعاء في خطابها عن أبواق الكذب في إعلام خصومها.
وللمسألة وجه بنيوي يتجاوز الظرف العسكري. فحكومة المرتزقة تعتمد في تمويلها وتسليحها وإسنادها الجوي وشرعيتها الإقليمية على الراعي السعودي، وتتشكل القوات التي تقاتل باسمها من فصائل متعددة الولاءات، نشأ بعضها برعاية الإمارات. وفي علاقات الرعاية والتبعية تكون الوظيفة الأولى للإعلان أن يثبت للراعي وللمجتمع الدولي أن الاستثمار في هذا الفاعل ما زال مجدياً، وأنه ما زال أهلاً للدعم، وأن لا بديل عنه. وهذا يفسر، في جزء منه على الأقل، ميل خطاب هذه الحكومة إلى الأفق الأقصى، أي «تحرير صنعاء»، في لحظة يجري فيها القتال على موقع ساحلي، لأن الجمهور المخاطَب بهذا الأفق ليس سكان تعز بالدرجة الأولى، بل الرياض وواشنطن والفصائل نفسها. ومع ما تُظهره الوقائع من أن أبرز أرقام الحملة جاءت من الراعي. وفي المقابل فإن حكومة صنعاء هي سلطة ذات حاضنة محلية ولها قرارها المستقل، وتستمد من الأرض التي تسيطر عليها رصيداً خطابياً يتيح لها أن تتحدث عن تثبيت الوقائع بدل أن تتحدث عن طلب الاعتراف.
يقول العميد عبد الغني الزبيدي على قناة «المسيرة»، حول ما جرى في الساحل الغربي بأنه ربما كان من «معارك التاريخ»، وإن القوات المسلحة اليمنية واجهت حشوداً بنحو مئة ألف جندي وثمانية وثلاثين لواءً وتحصينات اشتُغل عليها أكثر من ثماني سنوات، وإن ذلك جرى برعاية أمريكية وتدخل «إسرائيلي»، وإن المعركة أصابت كذلك مشاريع في صوماليلاند وسقطرى. والوظيفة البلاغية لها واضحة: كلما كبر الخصم المهزوم كبر الإنجاز. وعليه فإن الفارق بين الطرفين في هذه الفترة هي أن أحدهما يضخّم والآخر لا يضخّم.
وتنعكس هذه الفجوة بين الميدان والإعلام على أفق التسوية نفسه. كما أن خطاب المرتزقة الذي يستعمل مفردات مثل «اجتثاث» أو «شطب» مكوّن أنصار الله يرتكب خطأً استراتيجياً، لأن أي مكوّن يمني يملك حاضنة شعبية وزمام المبادرة الميدانية لا يمكن إلغاؤه، وأن هذا الخطاب لا يعمّق إلا الأزمة. وسواء أُخذ بهذا التقدير أم لا، فإن منطقه يستحق الانتباه من زاوية أخرى: فالمكسب الإعلامي الذي يعلن هدف إنهاء الخصم يغلق على صاحبه باب التفاوض، لأنه يرفع كلفة التراجع عنه أمام جمهوره. وعلى الضفة الأخرى لا حل للقيادة السعودية إلا تجاوز الضغوط الخارجية والجلوس مباشرة مع قيادة صنعاء لتنفيذ خارطة الطريق وبحث رفع الحصار وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، وحتى صنعاء مستعدة لتسوية داخلية شاملة فور انسحاب القوات الأجنبية ورفع الحصار «فمن يملك الأرض يطرح الشروط، ومن يملك الإعلان يطرح الأهداف».
وخلاصة القول، إن هناك فجوة لافتة بين نمطين من الكسب. فحكومة صنعاء حققت في شهري سبتمبر وأكتوبر مكاسب ميدانية واضحة في الساحل الغربي، يقرّ بها خصومها ومراقبون محايدون، ولم تنجح الحملة المضادة في إثبات عكسها بصورة مستقلة. أما الرياض وحكومة المرتزقة الموجودة فيها فقد ظفرتا بمكسب إعلامي واضح تجسد في سردية «فجر اليمن» والتي كما بينا لم تجد تقدما ميدانيا واضحا.

أترك تعليقاً

التعليقات